الأحد، 15 سبتمبر 2013

11-دور اليهود في المؤامرة \ مؤامرة المسلمين على النبي محمد (ص)




الفصل الحادي عشر من كتاب ( مؤامرة المسلمين على النبي محمد (ص))

فهرس الفصل :
اليهود وأرض الميعاد, كعب الاحبار الحميري, كعب الاحبار يمجد أرض الميعاد وبلاد الشام لتهيئة اليهود للعودة الى فلسطين, تهيئة الاتباع والتلاميذ, نماذج من أحاديث كعب التي أدعى أنه سمعها من النبي (ص), كره الصحابة له, تميم الداري, تميم خارق النار, الخليفة الثاني يفتح منبرا لتميم لنشر خزعبلاته .
دور بعض مسلمي المدينة من أصحاب الاصل اليهودي في المؤامرة , محمد بن مسلمة الاشهلي, إثبات يهودية محمد بن مسلمة, زيد بن ثابت, زيد يغطي على يهوديته, قوة زيد السياسية والدينية في دولة الخلافة, ثروة يزيد, عبد الله بن سلام بن الحارث القينقاعي.
دور اليهود في الهجوم على بيت فاطمة الزهراء عليها السلام, 
دور عمر في تأثير اليهود في دولة الخلافة, اليهود يخلعون لقب الفاروق على عمر,
تهجير اليهود في عهد عمر إلى فلسطين.


-11-دور اليهود في المؤامرة على النبي (ص)


اليهود وأرض الميعاد
في عام 70 ميلادي عين القيصر الروماني فسبسيان( فاسباسيانوس)  ابنه تيتوس حاكما على منطقة الشام وفلسطين ,  قام تيتوس فاسباسيانوس بهجوم كبير على بيت المقدس ودمر هيكل الملك سليمان تماما وذبح الاف من اليهود, وذكر المؤرخ اليهودي المعاصر للحصار واسمه يوسف : ( أن المدينة سويت بالأرض وأن الزائر لها لا يصدق أنها كانت مدينة مأهولة!) .كانت حصيلة التدمير الروماني للهيكل هائلة حيث قدريوسف عدد قتلى اليهود بمليون ومئة ألف قتيل من اليهود وسبعة وتسعين ألف أسير بالإضافة إلى أعداد هائلة من المشردين في أنحاء الإمبراطورية الرومانية.  وروى المؤرخ المسعودي في كتابه التنبيه والاشراف أن تيتوس أرسل قوات  في السنة الثانية من ملكه إلى أورشليم ( تسمى أورشلم في بعض الطبعات) لخلاف كان مع اليهود القاطنين فيها فحصرها وافتتحها عنوة وقتل أكثر اهلها من اليهود والنصارى وخرب الهيكل وكان عدة من قتل من الإسرائليين فيما ذكر نحواً من ثلاثة آلاف ألف ( ويعني هذا ثلاثة ملايين )( التنبيه والاشراف للمسعودي , ص 35) وهو رقم مبالغ فيه نوعا ما ولكنه يدل على التدمير الذي حصل, لم يكتف تيتوس بذلك بل أخذ الاحياء اسرى الى روما ونهب هيكل سليمان وغنم الذهب ومقتنيات الهيكل ,وخلدت الرسوم والنحوت الرومانية الباقية الى يومنا هذا تلك الواقعة , حيث صورت اللوحات كتائب الجيش وهي تحمل غنائم الهيكل ونُقشت رسوم تحكي تلك الملاحم على جدران قصور الامبراطورية الرومانية. ويستأنف المسعودي فيروي عن قيصر آخر فيقول  (إيليا أذريانوس ملك عشرين سنة وقتل من اليهود بأورشلم وجبل يهودا وجبل الجليل وغيرها من أرض الشأم مقتلة عظيمة لخلاف كان منهم عليه وكذلك من النصارى وخرب أورشلم وهو آخر خرابها فلما مضى من ملكه ثمان سنين عمرها وسماها إيليا فصارت سمة لها إلى هذا الوقت وأسكنها جماعة من اليونانيين والروم )( التنبيه والاشراف للمسعودي ص 35) .كان ذلك حوالي سنة 345 ميلادية .بعد ذلك التدمير هربت قبائل اليهود من بني قريظة وبني النضير من فلسطين واستوطنت مدينة يثرب في الجزيرة العربية ,وتقول بعض المصادر ان يهود بين قينقاع اقدم في الهجرة أي جاءوا قبل تدمير الهيكل بكثير. لكن هناك من المؤرخين من يقول أن يهود يثرب هم عرب تهودوا وليس لهم صلة دم بيهود فلسطين وهو قول المؤرخ ياقوت الحموي في معجم البلدان ويتفق معه المؤرخ الواقدي في ذلك, ولايخالف ذلك ما نبتغي الوصول اليه ,فكل يهودي من أي عرق كان يعتبر فلسطين أرض ميعاده , ولذلك سواء  أكان يهود يثرب من الهاربين من بطش الرومان, أو هم من العرب الذين تهودوا يبقى حلمهم دائما هو الاستيطان في ارض الميعاد كما يسمونها ويعنون بها فلسطين , ولذلك يسعون بكل السبل للذهاب الى هناك.
  بقي قليل من اليهود في القدس (اورشلم) الى أن تم  اجلاءهم منها تماما في عهد ملك الروم هرقل واصبحت القدس محرمة عليهم .  لم يستطع اليهود العودة الى ارض الميعاد كما يسمونها لقوة وتحكم الدولة الرومانية, ولكن بعد انحسار الرومان عن فلسطين في عهد الدولة الاسلامية ودخول المسلمين ,استبشر اليهود خيرا بحملة الدين الجديد واستغلوا سماحة الدين فسعوا بكافة الحيل من اجل  تحقيق احلامهم في الذهاب الى ارض اليمعاد , وسنرى كيف يروي كعب الاحبار (اليهودي الذي أسلم) أحاديثا تمجد ببلاد الشام وأرض المقدس وتشجع الهجرة الى بلاد الشام , وكان لكعب  تأثيرا كبيرا على الخليفة الثاني عمر , وليس بعيداً أن تهجير اليهود في عهد عمر كان بطلب من كعب الاحبار نفسه وسيتبين ذلك من سيرة كعب في السطور القادمة وكذلك في باب (عمر وتأثير اليهود في دولة الخلافة).
 روى الطبري أنه عند فتح بيت المقدس من قبل المسلمين عام (17 هجري , 638 ميلادي)  أبان عهد الخليفة الثاني عمر اشترط نصارى القدس على المسلمين أن لايدخل المدينة يهودي  وتم لهم ذلك. (بتصرف عن  تاريخ الطبري ج3). هذه الرواية تحتمل الخطأ والصواب فالطبري أعتمد في روايته على الرواي سيف بن عمر وهو رواي مشهور بالكذب! فلايعقل أن يصبح الفاتح تحت أوامر المغلوب ,ولانظن أن عمرا الغالب  يأخذ أوامرا ويقبل شروطا من المغلوبين وهم  نصارى القدس, والدليل هو توطن يهود الحجاز في القدس بعد فتح المسلمين لها. كما أن  المؤرخ اليعقوبي في تاريخه  لم يذكر شرط نصارى القدس هذا.( راجع تاريخ اليعقوبي , و كتاب كعب الاحبار للدكتور اسرائيل أبو ذويب المصري ). ويروي المؤرخ ابن شبة مايخالف رأي المؤرخ الطبري فيذكر حادثة أخرى تبين تهجير اليهود في عهد عمر الى فلسطين فيقول:
( لما استخلف عمر  أَجلى يهود خيبر، فبعث إِليهم من يقوّم الأَموال، فبعث أَبا الهَيْثَم بن التيهان  وفروَة بن عمرو، وجَبار بن صخر، وزيد بن ثابت، فقوموا أَرض فدَك ونخلها، فأَخذها عمر ودفع إِليهم قيمة النصف الذي لهم، وكان مبلغ ذلك خمسين أَلف درهم. وقال بعض العلماء: كان يزيد على ذلك شيئًا، وكان ذلك من مال أَتى عمر من مال العراق، فأَجلى عمر  أَهل فدك إِلى الشام)( تاريخ المدينة المنورة لابن شبة ص 35) . من النص الاخير يتجلى سعي الخليفة عمر في تهجير اليهود الى فلسطين في عهده , و حملات التهجير تلك لابد أن كانت من تأثير اليهود على الخليفة الثاني لتحقيق أحلامهم بالعودة, ومن هؤلاء اليهود  كعب الاحبار الحميري.  بعد حملات تشريد اليهود عن فلسطين في التاريخ ظل اليهود  يحلمون بالعودة الى بيت المقدس ,وخططوا لعودتهم بكافة السبل وسعوا الى  تشويه أي حركة ظهرت مناوئة لهم , وسيرد ذكر بعض اليهود الذين دخلوا الاسلام وساهموا في  تشويه الدين وتحريف مفاهيمه وكان لتلك الشخصيات دورا في مايطلق عليه بالفتنة , وما كان لهذه الشخصيات من تأثير لولا تهاون الحكام كما سيأتي ذكره , حيث هيأ لهم الخلفاء الحرية الكاملة في نشر افكارهم فدخلت احاديثهم وقصصهم في كتب الحديث, لتصبح حقائقا لاتمس ولاترد رغما عن  تحذير النبي (ص) للمسلمين من اهل الكتاب ومن تدخلاتهم واسرائلياتهم, ولكن كما مر بنا : من خالف النبي محمد  في حياته سهلٌ عليه مخالفته والنبي في عالم اخر. ومن تأثيرات اليهود على المسلمين هو التحايل والتزلف للخلفاء كي يحصلوا على حقوق الهجرة الى فلسطين في سبيل تحقيق دولتهم الموعودة. ومن الذين ساهموا في تلك التخطيطات كعب الاحبار الحبر اليهودي اليمني , فمن هو كعب وما تأثيره في دولة الخلافة وفي في تهجير اليهود؟


كعب الاحبار الحميري: وهو ابو اسحاق كعب بن مانع الحميري من يهود اليمن مر في سفر له الى الشام أيام الخليفة الثاني فدعاه عمر للاسلام فلم يستجب, ومضى في سفره حتى انتهى الى حمص في الشام, وكان والي الشام في ذلك العهد معاوية بن أبي سفيان. لبث  كعب يسيرا في الشام عند معاوية ثم عاد الى المدينة المنورة  ونطق بالشهادة ودخل الاسلام وكان ذلك في سنة 17 هجرية. (معاوية بن ابي سفيان كان قبل فتح مكة مشركا وأقام قبل اسلامه زمنا في اليمن ولايستبعد أنه اتصل بكعب الاحبار حينها ولهذا ذهب كعب لزيارته في الشام ثم عاد الى المدينة المنورة ليعلن اسلامه في عهد عمر ثم لم يلبث كعب أن عاد الى الشام بعد مقتل عمر  ليقيم في رحاب معاوية . روى الطبري : ( أسلم  كعب سنة 17 هجرية في عهد عمر) ( تاريخ الطبري , ج1)  ,بينما يروي العسقلاني  أنه أسلم سنة 12 هجرية ( الاصابة  للعسقلاني. ج3  ص636) , ما يعينيا هو إتفاق الروايات على اسلام كعب بعد رحيل النبي (ص) .
طلب الخليفة عمر من كعب الأحبار  السكن في المدينة المنورة فقال كعب : )يا أمير المؤمنين ! إني وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله من أرضه ، فيها كنز من عباده(  (  كنز العمال ج 14 , ص 143), ثم رضخ لطلب عمر وسكن المدينة قريبا من الخليفة. أن مايقصده كعب  بكتاب الله المنزل هو التوراة وليس القران فتأمل, و قول كعب أن الشام كنز الله من أرضه كان مقدمة  لتهيئة  المسلمين للأيمان بأن الشام هي كنز الله في الأرض , والشام فيها فلسطين موطن اليهود  التي طردهم الرومان منها  !
كان عمر  يقرب مجلس كعب الاحبار وكان يعرفه بعنوان العالم (الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص 358) , ليس ذلك فقط , بل فتح له مجلسا في مسجد النبي(ص) واخذ كعب  يقص القصص على المسلمين ويعلمهم شؤون دينهم ! أستغل كعب قوة تأثير المنبر وتأثير القاص في حلقات المساجد فخرج جيلا من رواة الحديث أمثال ابو هريرة الدوسي وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم. ومن العجيب أن الخليفة عمر كان يسأله عن الجنة والنار والحساب والحكم فينبري له كعب مجيبا ,واخترع كعب اليهودي نظرية وهي أن كل شئ موجود عند اليهود في الكتاب,  ومن ذلك أن التوراة قد أشارت الى الخليفة عمر وحتى عينت يوم موته!في التوراة ويعلم وقت موته. لتمرير روايات كعب والقبول بها استحدث علماء الحديث فيما بعد قاعدة عجيبة في الحديث ووفقا لتلك القاعدة يمكن للصحابي أي يروي عن تابعي ! ( الصحابي هو من صحب النبي (ص) وعاصره , والتابعي هو من الجيل الذي نشأ بعد رحيل النبي ), ولاندري كيف لرجل عاصر النبي أن يروي حديثا للنبي سمعه من رجل جاء بعد النبي ولم يعاصره؟ ولكن علم الحديث استحدث قاعدة ( رواية الصحابي عن تابعي) حتى يمكن رواية حديث عن النبي محمد من رجل لم يره ولم يسمع به! وفقا لهذه القاعدة  يروي أبوهريرة الدوسي وعبدالله بن عمر وهما من الصحابة  أحاديثا عن كعب الاحبار ,وكعب الاحبار تابعي اسلم بعد رحيل النبي (ص) ولم يره أو يسمعه ! فيما يلي بعض من  أحاديث  كعب الاحبار الحميري :
 عن عبد الرحمن بن ميمون، أن كعبا دخل يوما على عمر بن الخطاب، فقال له عمر: حدثني إلى ما تنتهي شفاعة محمد يوم القيامة؟ فقال كعب: قد أخبرك الله في القرآن، إن الله يقول:  ما سلككم في سقر ( الاية من سورة المدثر) فيشفع يومئذ، حتى يبلغ من لم يصل صلاة قط، ولم يطعم مسكينا قط، ومن لم يؤمن ببعث قط، فإذا بلغت هؤلاء لم يبق أحد فيه خير) ( الدرالمنثور في التفسير للسيوطي ص6, ص286) ,  كيف تسنى لكعب أن يفسر القران وهو لم يلتق بالنبي ولم يسمع عنه ؟  وكيف سمح عمر لنفسه بالاستماع له؟إن كعبا تمكن من تهوين العبادات في الدين, ووفقا لحديثه هذا أباح للمسلم  ان يترك صلاته ولا يتصدق وله أن يكفر بالبعث بعد الموت أيضا ومع ذلك سيكون من اهل الجنة .
ومثله ما رواه عبد الله بن عمربن الخطاب عن كعب قوله  : (أن أمة محمد ثلاثة أثلاث، فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، وثلث يدخلون الجنة بشفاعة أحمد ). وهكذا  ليس من داع للالتزام بتعاليم الدين فالخاتمة واحدة وهي دخول الجنة مهما فعل المسلم من شر واجرام , لقد ضمن كعب لكل الفجرة والطغاة  دخول الجنة .
نقل أبو نعيم أيضاً : أنّ كعباً مر بعمر، وهو يضرب رجلاً بالدرة(عصا) , فقال كعب : (على رسلك يا عمر ، فوالذي نفسي بيده إنّه لمكتوب في التوراة ، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء ، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء); فقال عمر : إلاّ من حاسب نفسه ، فقال كعب : والذي نفسي بيده إنّها لفي كتاب اللّه المنزل ، ما بينهما حرف : إلاّ من حاسب نفسه ( النص عن كتاب فضائح يهود للعلامة نجاح الطائي ونقله عن حلية الأولياء ج5 ص388 ـ 389 ).
قال عمر  يوماً لكعب الأحبار: (كيف تجد نعتي ( عمر يقصد كيف تجد صفتي في التوراة)؟ قال: أجد نعتك قرنا من حديد قال: وما قرن من حديد؟ قال: أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم. قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة. قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون البلاء) ( تاريخ الخلفاء للسيوطي 121) , لم يكن علم كعب هذا سوى  تحليل سياسي لما دار في عهده, فهو العارف بأن الخليفة بعد عمر هو عثمان ( راجع فصل عمر ) ويعام أنه سيأتي بالفوضى ولذا توقع قتله, وتوقع قتل عمر أيضا باليوم والساعة كما سيأتي  ! كان التحضير لدولة بنو أمية قائما منذ عهد عمر كما تقدم ذكره في فصل (عمر,الخليفة الثاني ), فمعاوية أمير الشام آنذاك كان يخطط لدولة بني أمية ويتمنى موت عمر ويتمنى خلافة قريبه عثمان الاموي  وكعب الاحبار هذا من المخططين لذلك.
عندما غضب كعب مؤقتا على عمر صرح قائلا: (إن (عمر) على باب من أبواب جهنم !). فقال عمر: (ما شاء الله،) ثم خرج فأرسل إلى كعب الأحبار فجاءه. فقال:( يا أمير المؤمنين لا تعجل علي والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة؟) ( تأمل تغييره لكلامه بصيغة ملتوية, ثم هل كُشفَ له علم الغيب حتى صار يتنبأ ويتوقع؟) فقال عمر: (ما هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار؟) قال كعب: (يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده إنا لنجدك في كتاب الله ( يعني التوراة) على باب من أبواب جهنم، تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة!) ولما طعن عمر جاء كعب فجعل يبكي بالباب ويقول: (والله لو أن أمير المؤمنين يقسم على الله أن يؤخره لأخره!) (ما أدرى كعب بموت عمر في ذي الحجة ؟  إن التخطيط لاغتيال عمر للتعجيل بتولي الخليفة عثمان الاموي يبدو جليا في كلام الحبر اليهودي , وبعد مقتل عثمان  أقام معاوية ملكية في الشام, وعند ذلك يلتحق كعب بمعاوية. الحوار الاتي بين عمر وكعب يبين ضلوع كعب في عملية اغتيال عمر:
لما قدم عمر من مكة في آخر حجة حجها أتاه كعب فقال: يا أمير المؤمنين إعهد -( يعني أكتب وصية, و يبدو أن عمر أكثر حكمة  من النبي الذي مات ولم يكتب وصية حسب روايات الجمهور) - فإنك ميت في عامك ! قال عمر (وما يدريك يا كعب؟) قال: (وجدته في كتاب الله ( التوراة))  ,فقال: (أنشدك الله يا كعب هل وجدتني باسمي ونسبي عمر بن الخطاب ؟) قال: (اللهم لا ، ولكني وجدت صفتك وسيرتك وعملك وزمانك )!فلما أصبح الغد غدا عليه كعب فقال عمر: يا كعب ، فقال كعب: بقيت ليلتان ، فلما أصبح الغد غدا عليه كعب-قال عبدالعزيز: فأخبرني عاصم بن عمر بن عبيد الله بن عمر قال:قال عمر يواعدني كعب ثلاثاً يعدُّها ولا شك أن القول ما قاله كعبُ وما بي لقاء الموت إني لميتٌ ولكنما في الذنب يتبعه الذنبُ ,فلما طعن عمر  دخل عليه كعب فقال: ألم أنهك ؟ ! قال: بلى ، ولكن كان أمر الله قدراً مقدورا .( النص عن تاريخ المدينة لابن شبة)
يعلل ابن خلدون في مقدمته سبب استماع العرب لكعب ,وميل المفسرين الى نقل قصص كعب وأمثاله الى التراث الاسلامي: (والسبب هو أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجـود فإنما يسألون أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل الكتاب الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حِمْيَرَ الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها – مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان، والملاحم، وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام ، وأمثالهم فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم. وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى فيها الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها، كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك. إلا أنه بَعُد صيتهم، وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ). (مقدمة ابن خلدون)
ويقول الدكتور نجاح الطائي في كتابه فضائح يهود (وقد ابتدع كعب شيئا خطيرا جعل الكثير من الناس يتبعوه إذ قال: ما من شيء إلا وهو مكتوب في التوراة. ولما كان المسلمون لا يقرأون اللغة العبرية، فقد أصبحوا أسرى بيد كعب وأمثاله، ينقل لهم كل ما يهوى ويحب باسم قال الله تعالى في الكتاب المقدس؟!! وبواسطة هذه الحيلة أصبح كعب مرجعا خطيرا لبعض المسلمين، يسيرهم كما يشاء)( انتهى)
إن النقص الثقافي والعلمي عند حكام المسلمين هو الذي رفع هؤلاء الى هذه المنزلة, فعلى الرغم من تحذير النبي (ص) للمسلمين من تخريصات اليهود كما سيأتي في باب ( عمر وتأثير اليهود), ظل المسلمون يستقون علومهم من اليهود من أمثال كعب  لسد النقص الفقهي لشيوخ المسلمين  وخلفائهم , فكم من مسألة ومسألة أستعصت على الخلفاء فأدلوا بدلوهم  واجتهدوا بارائهم في مسائل بينها الشرع بوضوح , لكنهم لم يدركوها  لجهلهم , فشوهوا الدين !وكم من أية اعيتهم فلم يجدوا تفسيرا لها , وكم اجتهدوا خارج نصوص القران والسنة لجهلهم وتعنتهم, فهم لم يورثوا العلم من الرسول وطلبوا العلم من غير أهله , وقد تقدم  جهل الخلفاء في أمور الدين والفتيا . ومن أسباب إشغال الناس بقصص اليهود وخزعبلاتهم هو إلهاء الامة عن الجريمة الكبرى في مؤامرات العرب والمسلمين على النبي (ص) وهي جريمة تنحية الامام علي بن أبي طالب عن سدة الخلافة وإبعاده عنها لمدة ربع قرن من زمان. ان ابعاد علي ومحاصرته أدى الى أن يقول كل رجل برأيه ويأتي كل جاهل بفكرته فكثرت الاراء وتعددت الاتجاهات وانحرفت الامة عن مسارها كما انحرفت بني اسرائيل بعد موسى وهي نبوءة تنبأ بها النبي محمد (ص) عندما قال: ( لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع, حتى لو سلكوا جحر ضبع لسلكتموه) فقال السامعون : (يارسول الله اليهود والنصارى؟ )فقال النبي (ص): ( فمن؟) ( راجع الحديث عند البخاري ومسلم).

كعب الاحبار يمجد ارض الميعاد وبلاد الشام لتهيئة اليهود للعيش في  فلسطين
قال كعب : (إني وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله) (كنز العمال ج 43, ص 143), أن الحبر كعب يحدث المسلمين بالتوراة في مسجد النبي رغما عن تحذيرات  النبي (ص) للمسلمين بقوله : (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم ), ويقول النبي( ص) كذلك : عن جابر بن عبد الله أنه قال ( أن عمر بن الخطاب  أتى النبي (ص)بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه النبي - فغضب فقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذِّبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى  كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني )(مسندأحمد بن حنبل ) . لكن الخليفة عمر تناسى هذه الاوامر؟ 
روى ابن عساكر : إن عمر بن الخطاب سأل كعب الأحبار عن سبب عدم رغبته في السكن في المدينة بعد إعلان إسلامه؟ والمدينة موطن هجرة النبي وقبره؟ فقال كعب: إني وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله من أرضه فيها كنز من عباده , وقال كذلك: أحب البلاد إلى الله الشام وأحب الشام إلى الله القدس (تاريخ دمشق  ج1 , ص110, كنز العمال ج14, ص 143.)
روى الدارمي عن كعب من مفترياته عن صفة النبي محمد (ص) في التوراة قال: (في السطر الأول محمد رسول الله عبده المختار مولده مكة ومهاجره طيبة وملكه بالشام (نص الحديث عن كتاب فضائح يهود للعلامة الطائي  ونقله عن سنن الدارمي).  وقوله (ملكه بالشام) كناية عن دولة أموية تحت  حكم صاحبه معاوية .
قال كعب: إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة ( الدر المنثور للسيوطي ج1  ص136 )! يفسر العلامة الطائي  نوايا كعب فيقول: (وعلى أثر طلب الخليفة عمر من كعب البقاء في المدينة ورغبة كعب في تحريف الحديث وتفسير القرآن فقد بقي في المدينة. وفي المدينة أفصح كعب عن أهدافه ونواياه. فقد حث عمر على زيارة الشام وترك زيارة العراق، واستجاب عمر لذلك، ثم بدأ في قص القصص في مسجد النبي (ص) وأظهر زيفا فضل الشام وأهلها وفضل قبة الصخرة والتوراة على الكعبة والقرآن. وأشار كعب إلى رغبته في الانتقام من النصارى الروم الذين هجروا اليهود  (تاريخ الطبري ج4 ص 160). والذي عنده قدره على إقناع عمر بعدم زيارة العراق وحثه على زيارة الشام ومرافقة عمر في سفره، عنده القدرة أيضا على حث عمر على ترحيل اليهود إلى الشام. ولكن لماذا لم يسكن كعب في الشام قرب معاوية في بداية إسلامه؟ الجواب: إن إسلام كعب الظاهري كان من أجل فلسطين، وفي سبيل تحطيم الإسلام وإعلاء دين اليهود، لذا كان ناويا السكن فيها، ولكن عمر طلب منه السكن في المدينة. ولما مات عمر التحق كعب بالشام فسكن فيها إلى جنب اليهود المرحلين إليها وإلى جنب معاوية..؟ فتحققت غاية كعب في سكن فلسطين مع اليهود وفي ظل حكومة ابن أبي سفيان؟! فأصبح اليهود في ظل حكومة معاوية أسياد الأرض والمالكين لها، بعد أن كانوا عمالا في أرض خيبر يعملون بها على نصف الحاصل في أرض أصبحت مملوكة للمسلمين. وحصول كعب على مكانة المشاور الديني والسياسي للخليفة هو الذي دعاه للبقاء في المدينة في زمن عمر.) ( كتاب فضائح يهود للدكتور نجاح الطائي).
روى الصفوري في كعب
(وقال  لكعب الأحبار ألا تتحول إلى مدينة النبي فقال إني أجد في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في الأرض وبها كثرة من عباده وقال النبي  رأيت ليلة أسري بي عمودا أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة فقلت ما تحملون قالوا عمود الكتاب أمرنا أن نضعه بالشام  وقال كعب الأحبار تخرب الأرض قبل الشام بأربعين سنة)(  نزهة المجالس للصفوري.)
لو تتبعنا مسيرة هجرة اليهود الى الشام لوجدنا أن كعبا وغيره حققوا شيئا من ذلك الحلم في تلك الفترة فيروي اليعقوبي مايبين توطن يهود الحجاز في فلسطين ايام الخليفة الثاني عمر  :
(عن عمرو بن أبي عمرو , قال : نزلت بأريحا زمن سليمان بن عبدالملك فإذا حي من اليهود, وإذا رجل يهدج من الكبر فقال : ممن أنتم ؟ فقلنا : من الحجاز , فقال اليهودي : واشوقاه إلى الحجاز , انا ابن  الحارث اليهودي فارس خيابر قتله يوم خيبر رجل من أصحاب محمد يقال له : أبودجانة يوم نزل خيبر, وكنا ممن أجلى عمر بن الخطاب الى الشام , فقلت ألا تسلم؟ قال: أما إنه خير لي لو فعلت ولكن أُعير تعيرني اليهود تقول أبوك ابن سيد اليهود لم يترك اليهودية قتل عليها أبوك وتخالفه) ( مغازي الواقدي ج2, باب خيبر). وتصحيحا لقول هذا الشيخ  الخرف نقول أن الواقدي في ذات كتابه المغازي يروي ان علي بن أبي طالب هو قاتل حارث اليهودي وليس أبو دجانة, وكذلك قتل علي  أخا مرحب اليهودي كما يروي الواقدي حيث يقول :( فكان أول من خرج إليهم الحارث أخو مرحب في عاديته، فانكشف المسلمون وثبت علي ، فاضطربا فقتله علي) ( مغازي الواقدي , فتح خيبر. وتقدم ذكر فتح خيبر في فصل (الامام علي). ليس بعيداً أن يكون هذا الشيخ اليهودي الخرف قد سمع مقتل أبيه من غيره وظن أن أبا دجانة قاتل أبيه , بل من الممكن معرفته بأن علي  قتل الحارث ولكنه لبغضه علياً دس هذه الدسيسة في التحريف للانتقاص من مجد الامام ع , وهو دأب اليهود في كل زمان . مايهمنا من هذه الرواية هو قول الرجل : ( كنا ممن أجلى عمر بن الخطاب الى الشام)! وهو قول يؤتنس به على صحة قول المؤرخ اليعقوبي الذي لم يذكر أن نصارى القدس أشترطوا على عمر منع اليهود من الدخول الى المدينة كما قال الطبري  في مقدمة الفصل هذا, واذن كان اليهود في عهد عمر بن الخطاب يهاجرون من الحجاز ويتوطنون في القدس وفي فلسطين وما حولها برعاية الخليفة عمر ووفقاً لخطة كعب الاحبار ووفقا للتخطيط اليهودي.

تهيئة الاتباع والتلاميذ
قال كعب الاحبار يوما لعبد الله بن عمرو بن العاص: أنت أفقه العرب! وأجاب عبد الله بن عمرو بن العاص لسائل فقال كعب الاحبار يمتدحه: صدق الرجل عالم والله (  تاريخ الطبري ج1, ص 402 ) وكذلك مدح كعب أبا هريرة قائلا: ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة ( تاريخ الذهبي. تذكرة الحفاظ للذهبي ج1, ص36) . أن اطراء كعب لهؤلاء كان تمهيدا لضمهم تحت مظلته حتى يروجوا أحاديثه , وقد تم له ذلك .

نماذج من أحاديث كعب التي أدعى أنه سمعها من النبي محمد (ص):
 يقول كعب الاحبار مدعياً أنه يروي عن النبي محمد (ص) :(لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون( النبي محمد) أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله)(صحيح البخاري ج3  ص 88 ، كتاب الخصومات ) ..
 أن كعب  يرفع موسى فوق مقام النبي , فكعب يحدث في حلقات مسجد الرسول تحت حماية الخليفة الثاني والثالث وتحت حماية الملك معاوية بن أبي سفيان في الشام. ولاندري كيف تسنى لهذا الحبر اليهودي أن يروي حديثا عن النبي(ص) وهو لم يره ولم يلتق به.
 يقول كعب كذلك متقولا على النبي محمد (ص) فيكتب الناس مايقول :(ما من شبر في الأرض إلا وهو مكتوب في التوراة التي أنزل على نبيه موسى  ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة)(رواه الطبري والبيهقي في الدلائل، ابن عبد البر في الاستيعاب ) . ويقول كذلك : ( إنّ اللّه تعالى نظر إلى الأرض فقال : إنّي واطئ على بعضك ، فاستعلت إليه الجبال وتضعضعت له الصخرة ، فشكر لها ذلك فوضع عليها قدمه ، فقال : هذا مقامي ، ومحشر خلقي ، وهذه جنتي وهذه ناري ، وهذا موضع ميزاني ، وأنا ديان الدين.)( حلية الأولياء للاصفهاني  ج6, ص20 ) , لقد جعل كعب من صخرة بيت المقدس محل قدم الله ومحشر خلقه وجنة الله وناره؟ أين علماء التوحيد من هذا الكفر وتجسيم الخالق ووصفه ؟ لايجسر على مثل هذا سوى كعب الاحبار المحمي بقوة الخلافة.
    
كره الصحابة له
 جعل الخليفة الثالث عثمان بن عفان  كعبا مشاورا  له ، فقال له أبو ذر الغفاري في مجلس عثمان ( يا ابن اليهودية ما أنت وما هاهنا؟ وقال لعثمان: والله لتسمعن مني أو لا أدخل عليك والله لا يسمع أحد من اليهود إلا فتنوه ) (  النص عن كتاب فضائح يهود للطائي وعن مختصر تاريخ ابن عساكر ). و أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال ، فَنُضِدَ البدر ، حتى حالت بين عثمان و بين الرجل القائل( قوله- نضد البدر – معناه جُمع الذهب على شكل نضائد حتى صار كحائط ) ، فقال عثمان : إنّي لأرجو لعبد الرحمن خيراً ، لأنّه كان يتصدّق ، ويقري الضيف ، وترك ما ترون; فقال كعب الأحبار : صدقت يا أمير المؤمنين ، فشال أبوذر العصا فضرب بها رأس كعب ، وقال : يابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال إنّ اللّه أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة ، وتقطع على اللّه بذلك ، وأنا سمعت رسول اللّه  يقول : ( ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً ) فقال له عثمان (قال لأبي ذر) : وار عنّي وجهك) ( عثمان للعلامة الاميني , عن مروج الذهب  ج2  ص340). على دأب اليهود في الخنوع والتزلف يتلقى كعب ضربة أبي ذر  وينال جانب عثمان بالمسكنة  , فينفي عثمان اباذر بعدها الى الربذة ليموت فقيرا وحيدا ويبقى كعب قريبا من عثمان ومن دار الخلافة.
جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إن كعبا يقرأ عليك السلام ويبشركم أن هذه الآية نزلت في أهل الكتاب (  وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس) ( سورة غافر) قال ابن مسعود: وعليه السلام إذا أنت أتيته فأخبره أنها نزلت وهو يهودي(  مختصر تاريخ ابن عساكر  ) .
ومن المكذبين لكعب الأحبار عبد الله بن عباس فقد قال ابن عباس لرجل مقبل من الشام: من لقيت؟ قال كعبا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إن السماوات على منكب ملك. فقال: كذب كعب، أما ترك يهوديته بعد! ثم قرأ: ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) (كتاب الكافي الشافي لابن حجر العسقلاني)
وجاء عن قتادة أن كعبا قال: إن السماء تدور على قطب كقطب الرحى. فبلغ ذلك حذيفة فقال: كذب كعب!  إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا (مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور) , ونقل القرطبي في تفسيره ( ج14, ص357) :  قال جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود  فقال ابن مسعود:من أين جئت. قال:من الشام. قال: من لقيت؟. قال:لقيت كعباً. فقال: ما حدثك كعب؟. قال: حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك. قال: فصدقته أو كذبته؟. قال: ما صدقته ولا كذبته. قال ابن مسعود: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه، براحلتك ورحلها. و كَذَبَ كعب , ماترك يهوديته! إن الله يقول: إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده.)
لقد نجح كعب في سعيه بتشويه الدين بمباركة الخليفة الثاني والثالث  له,  فازدحمت كتب الحديث والتفسير بخزعبلاته.

الذين رووا عن كعب هم : عبد الله بن الزبير, عبد الله بن المسيب, عطاء بن أبي رباح, معاوية بن أبي سفيان, أبوهريرة 
واسمع لقول صاحبه معاوية بن ابي سفيان فيه : (الا ان كعب الاحبار احد العلماء الا أن عنده لعلم الثمار وان كنا لمفرطين فيه) ( طبقات الصحابة لابن سعد ج 7, ص 445) 
ويقول معاوية عن كعب أيضا : (ان كان من اصدق هؤلاء المحدثين عن الكتاب  وان كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب )( رواه البخاري في باب الاعتصام بالكتاب والسنة) , ان معاوية يعتبره من اصدق اولئك المحدثين ولكن مع ذلك يكذبه أحيانا لأن معاوية يأخذ ما يثبت به حكمه وينكر غيره. وفعل معاوية مافعله عمر  قبلا فرخص لكعب  القص على منبر جامع حمص فقام كعب يروي رواياته ويروج لاسرائيلياته على عقول أهل الشام حديثي عهد بالدين, وكان تأثير ذلك كبيرا في الناس , فكان كعب هو اول القصاصين في الشام ( كتاب الجامع في الحديث لعبد الله بن وهب , ص84. والمصدر الاولي كتاب كعب الاحبار للدكتور اسرائيل ابو ذويب ص 48)
كان لكعب حلقة درس في مسجد النبي(ص) يقص فيها على المسلمين خزعبلاته واسرائيلاته تحت رعاية السلطة في عهد عمر وفي عهد عثمان وكذلك في عهد معاوية .




تميم الداري
(تميم الداري وهو تميم بن أوس بن خارجة  يكنى ابا رقية بابنة له تسمى رقية لم يولد له غيرها ,كان نصرانيا وكان إسلامه في سنة تسع من الهجرة , سكن المدينة ثم انتقل منها إلى الشام بعد مقتل عثمان)( الاستيعاب لابن عبد البر, ج1 ص193). كان أسلامه في سنة تسع من الهجرة أي قبل وفاة النبي (ص) بسنة واحدة , فلنتذكر هذه النقطة قبل البحث في سيرة حياته . صار تميم أميرا على بيت المقدس في عهد عمر! يروي ابن عبد البر (قال روح دخلت على تميم الداري وهو أمير بيت المقدس) ( الاستيعاب لابن عبد البر ج2 ص502) وأي عجب أن يصبح الذي يدخل الاسلام قبل موت النبي بسنة أميرا على بيت المقدس, وقبله مئات الصحابة  من هم أولى منه؟ لكن المتأمل في تاريخ الخلفاء الثلاثة بعد وفاة النبي لن يعجب من هذا !  بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان يفر تميم من بيعة الامام علي  ويلتحق  بتجمع اليهود تحت حماية معاوية بن هند في الشام . 
 روى الذهبي ( جمع القرآن على عهد رسول الله أبي وعثمان وزيد وتميم الداري)(سير أعلام النبلاء للذهبي) . وهكذا دخل تميم الداري في جمع القران أيام الخلفاء الثلاثة الاوائل فهل هناك أعجب من هذا لمن يقرأ سيرة هذا الرجل, نصراني يدخل الاسلام قبل وفاة النبي بسنة ثم يخول له الخلفاء جمع القران مع زيد وغيره. لم يترك وعاظ السلاطين سيرة تميم حتى اضافوا اليها تقوى وعبادة أعجازية حاله حال غيره من المتزلفين لدولة الخلفاء . فيروي الذهبي عن عبادته الخارقة فيقول:
(روى عاصم الاحول عن ابن سيرين أن تميما الدارى كان يقرأ القران فى ركعة) ( سير أعلام النبلاء للذهبي) ! يالها من ركعة!
ويروي كذلك (أن تميما الداري نام ليلة لم يقم يتهجد فقام سنة لم ينم فيها عقوبة) فهو يعاقب نفسه بقيام الليل كله طوال أيام السنة مخالفا سنة النبي (ص) الذي يقول...( أما أنا فأصوم وافطر , واصلي وأنام, واتزوج النساء .. هذه سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني) ووفقا لهذا الحديث يصبح تميم الداري المترهب ليس من دين محمد لانه قضى سنة من عمره يقوم الليل حتى الصباح, فكيف فاتت هذه الحقيقة عن المداحين لتميم وغيره؟ ولاندري متى ينام هذا الرجل ومن أين يأتيه دخل عيشه ؟فهو يسهر ليله في عبادة, ثم يأتي النهار فماذا يفعل وكيف يكسب قوته , لقد جعله المحرفون رجلاٍ خارقاً  فاق الانبياء !
( عن أبى العلاء عن رجل قال أتيت تميما الدارى فحدثنا فقلت كم جزؤك؟ قال لعلك من الذين يقرأ أحدهم القرآن ثم يصبح فيقول قد قرأت القرآن فى هذة الليلة فوالذى نفسى بيده لأن أصلى ثلاث ركعات نافلة أحب إلى من أن أقرأ القرآن فى ليلة ثم أصبح, فأخبر به فلما أغضبنى قلت و الله إنكم معاشر صحابة رسول الله  من بقى منكم لجدير أن تسكتوا فلا تعلوا و ان تعنفوا من سألكم.).( سير أعلام النبلاء للذهبي) , تميم يدس في عقول المسلمين أن صلاة ثلاث ركعات افضل من قراءة القران , فهو يسعى أن يترك المسلمون قراءة القران و لا يتفكروا في معانيه وتفسيره ويتفرغوا للعبادة الشكلية.


تميم خارق النار !
يروي الذهبي خارقة من خوارق تميم وهي قدرته على اطفاء النار  ومطاردتها بمهارة تفوق فيها على رجال الاطفاء المدربين,  فيقول في بعض اسناده (فبينا نحن ذات ليلة إذ خرجت نار بالحرة فجاء عمر إلى تميم فقال قم إلى هذه النار فقال يا أمير المؤمنين ومن أنا وما أنا فلم يزل به حتى قام معه وتبعتها فانطلقا إلى النار فجعل تميم يحوشها بيده حتى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها فجعل عمر يقول ليس من رأى كمن لم ير قالها ثلاثا)( سير أعلام النبلاء للذهبي , ترجمة تميم) . إن حكايات الخوارق هذه وروايات عبادته الاعجازية هي لتهيئة عقول الناس للقبول بما يقوله تميم الداري ومن شاكله. فالذي يعبد الله طوال الليل ولاينام والذي يقهر النار ويطاردها لابد أن يكون من أولياء الله الصالحين الخارقين  , وبهذه الهالة المقدسة التي وضعوها على رؤوس تميم وغيره صارت اقواله  مسموعة فدخلت كتب التفسير والحديث.

الخليفة الثاني يفتح منبرا لتميم لنشر خزعبلاته على المسلمين:
أعطى الخليفة الثاني عمر لكعب الاحبار اليهودي منبراً في مسجد النبي (ص) كما تقدم  , وكذلك أعطى لتميم  فكان تميم يحدث المسلمين ويعظهم تحت رعاية عمر!  لقد أسلم تميم قبل سنة من وفاة النبي وقضى سنين حياته نصرانيا ومع ذلك أهله عمر  لأن يقص على الناس  ويعلمهم أصول دينهم  فملأت حكاياته  كتب الحديث . روى الذهبي في تبجيل الخليفة عمر لتمين الداري:
(عن وبرة قال رأى عمر تميما الداري يصلي بعد العصر فضربه بدرته على رأسه فقال له تميم يا عمر تضربني على صلاة صليتها مع رسول الله قال يا تميم ليس كل الناس يعلم ما تعلم)( سير أعلام النبلاء للذهبي) , تأمل قول الخليفة في رفع مقام تميم أمام المسلمين , وليس ذلك إلا تهيئة له للوعظ وبث أفكاره ليقبلها الناس.
روى الزهرى السائب: (أول من قص تميم الداري استأذن عمر فأذن له,فقص قائماً)..( أعلام النبلاء للذهبي, ترجمة تميم), وروى الزهري عنابن عبد الرحمن أن تميما إستأذن عمر فى القصص سنين و يأبى عليه فلما أكثر عليه قال ما تقول؟ قال أقرأ عليهم القرآن و أمرهم بالخير و انهاهم عن الشر قال عمر ذلك الربح ثم قال عظ قبل أن أخرج للجمعة.  فكان يفعل ذلك فلما كان عثمان إستزاد فزاده يوما أخر.) ( سير أعلام النبلاء للذهبي , تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 11 ). أتفق المؤرخون على أن عمر كان ينهي عن الوعظ والقصص , ثم سمح به وهيأ لكعب الاحبار وقتا للقص والوعظ كما هيأ مثل ذلك لتميم الداري.
استغل تميم النصراني قوة المنبر في عهد عمر وكذلك في عهد عثمان كما أستغله صاحبه كعب الاحبار. ان المنبر وحلقة المساجد في ذلك العهد كانت كقوة الاعلام والاذاعة والانترنيت في عهدنا, ونرى في عصرنا تكالب اليهود على الاعلام والسينما لقوة تأثير هذه الادوات الاعلامية على عقول الناس العوام منهم والعلماء , فالدس غير المباشر يدخل عقل المشاهد والمتفرج والمستمع حتى يقتنع به . واستغل تميم النصراني مثلما استغل كعب الاحبار نعمة الوعظ والدس على عقول المسلمين في ذلك العهد, حتى استطاعوا أن يصنعوا تراثا متناقضا مقززا في قصص سخيفة اضحكت الامم على أمة الاسلام وعلى نبي الاسلام . أن الملام الاول هو الخليفة الثاني الذي ترك خيار وعلماء الصحابة في معزل وفسح المجال لهؤلاء .
لقد وصل الأمر في التآمر على دين محمد أن يروي مسلم في صحيحه حديثا للنبي محمد (ص) يرويه عن لسان تميم , والحديث مذكور في  (كتاب صحيح مسلم ج8 ص 305  باب حديث الجساسة) , وخلاصته كما يلي :
يجمع النبي (ص) المسلمين ثم يصعد المنبر فيقول :  (إنّي واللّه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ، ولكن جمعتكم لأنّ تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدّثني حديثاً وافق الذي كنت أُحدثكم عن مسيح الدجال ، حدّثني أنّه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهراً في البحر ، ثمّ أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس ، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر ، فقالوا : ويلك ما أنت؟
فقالت : أنا الجسّاسة.
قالوا : وما الجسّاسة؟ قالت : أيّها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق.
قال : لما سمّت لنا رجلاً فزعنا منها أن تكون شيطانة. قال : فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير ، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً وأشده وثاقاً ، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ، قلنا : ويلك ما أنت؟)
ثم يكمل النبي في خطبته  مبينا أن الرجل المقيد هو المسيح , حيث يقول الرجل المقيد.....( إنّي أنا المسيح وإنّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج ، فأخرج فأسير في الأرض ، فلا أدع قرية إلاّ هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرّمتان عليّ كلتاهما ، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها وإنّ على كل نقب منها ملائكة يحرسونها ) , ترى ماهو تفسير الاية القرانية التي تحكي عن عيسى النبي ع وتقول أن الله رفعه اليه , لقد صار المسيح ع وفق حكاية تميم هذه مقيدا بالحديد منفيا في دير لمئات من السنين حتى وقت خروجه ) تأمل أن الحديث يرويه خاتم الانبياء والرسل عن تميم الداري  فيصبح النبي  يروي احاديثه عن الرهبان والكهان .
ورد حديث الجساسة الخرافي هذا في اغلب الكتب المعنية بحديث النبي لسبب مهم فما هو ياترى؟  إن قصة الجساسة هذه شوهت على المسلمين ادراكهم لمعنى الدابة في القران حيث تذكر الاية ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) ( النمل 82),  الاية  تتحدث عن الدابة التي ستخرج قبل يوم القيامة والدابة هي رجل من الرجال, فكل مايدب على الارض في لغة العرب هو دابة ( راجع تفسير الاية في كتب التفسير), ولكن حديث الجساسة وواضعه تميم الداري تمكن من أحلال الجساسة في تراث  المسلمين محل الدابة التي في الاية الكريمة ,وبذلك شوه الاحاديث الصحيحة التي تفسر الاية الكريمة التي بخصوص الدابة, وشوش عقول الناس عن المعنى الحقيقي للاية الكريمة .  يروي الصحابي أبوذر الغفاري حديثا يؤكد فيه أن المقصود بالدابة في سورة النمل  هو علي بن أبي طالب ,ولكن تميم الداري أسدى خدمة لأعداء علي  بأختلاقه لهذا الحديث  وشوه تفسير الاية الكريمة بوضعه لقصة الجساسة . تمكن تميم الداري بحديث الجساسة من اختطاف نبوءات النبي محمد(ص) في المهدي وخروج الدابة في آخر الزمان ,فدخلت قصة الجساسة في تراث جمهور المسلمين لتحل محل نبوءات النبي في ظهور المهدي وخروج الدابة, فتأمل.
إنه لمن العجيب  أن يثبت هكذا حديث في كتب الصحاح ويتناوله الدارسون ,ويُترك حديث مهم كحديث الغدير الذي تقدم ذكره في فصل (نظام الحكم ) وحديث الولاية  وغيره,ولمن العجيب أن يروي  تميم احاديثه على المسلمين وعلى خلفائهم وهو في مأمن من شر وعقوبة, والنبي (ص) يقول في صحيح حديثه ( من تقول علي فليتبوأ مقعده من النار) . إن الذي خالف النبي في حياته من السهل عليه مخالفته والنبي في عالم آخر, فترك الخلفاء والولاة هؤلاء الخراصين والكذابين ينخرون في متون الدين ويقصون القصص على الناس في المساجد منفثين سمومهم وخزعبلاتهم. وختاما لسيرة تميم تأمل هذا الاثر العجيب:
 روى حماد بن زيد قال حدثنا أيوب عن محمد ان تميما الداري اشترى حلة بالف درهم فكان يقوم فيها بالليل في صلاته , قالوا لحماد بن زيد الف درهم قال نعم.
 
وعن ثابت ان تميما الداري كانت له حلة قد ابتاعها بالف درهم وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر..( سير أعلام النبلاء للذهبي, ترجمة تميم)
 هل الصلاة أفضل عند الله بالثوب الغالي؟ وماذا يقول الفقير المعدم ؟ فهل صلاته اقل اجرا من صلاة الغني الفاحش. أن هذا التقليد أتى من الاديان المادية التي تفضل الغني على الفقير, ولم يلبث أن دخل هذا المفهوم الفاسد في دين الاسلام حيث اصبح عثمان بن عفان الغني اكثر اجرا واكبر مقاما من أبي ذر الغفاري الفقير ,وصار عبد الرحمن بن عوف المليونير أعلى قدرا من عبد الله بن مسعود الفقير حافظ القران.  وبمثل قصة تميم وحلته الغالية التي يلبسها في الصلاة دخل مفهوم تقدير الغني وحط الفقير في الدين ودخل حتى في تفسير القران ! ففي تفسير سورة ( عبس وتولى أن جاءه الاعمى ومايدريك لعله يتزكى) يحدثنا المفسرون اشباه تميم وغيره أن الرسول كان في احد الايام يدعو للاسلام فاجابه الضرير الفقير ابن مكتوم لكن الرسول ادار ظهره له لأنه فقير وتوجه لدعوة الوليد بن المغيرة الغني ,فجعل المفسرون من النبي(ص) نبيأ  متعجرفاُ  ,وهو الذي يصفه القرآن  بانه صاحب خلق عظيم (سيأتي ذكر الاية الكريمة في فصل تشويه شخصية النبي (ص))؟ إن الحصيلة النهائية من حكايات تميم الداري فعلت فعلها في كتب الحديث وتفاسير القران وصار تميم علما من أعلام الصحابة لايمكن المساس به . بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان لم يبايع تميم لعلي بن أبي طالب  بل فر الى معاوية في الشام, فلا عجب!

دور بعض مسلمي المدينة  ذوي الاصل اليهودي في المؤامرة
 عاشت أقوام يهودية وقبائل عربية مشركة في مدينة يثرب التي هاجر اليها النبي (ص).  فقبائل اليهود التي عاشت في المدينة تألفت من ثلاث قبائل رئيسية هي قريظة, النضير وقينقاع , وهناك قبائل يهودية صغيرة عاشت في المدينة أيضا وبطون من قبائل أخرى عاشت تحت خيمة هذه القبائل الثلاثة ,ومن يهود المدينة الذين هم من غير قريظة والنضير وقينقاع ذكرتهم مصادر منها كتاب تاريخ العرب قبل الاسلام حيث يروي كما يلي:
(وسكن اليهود يثرب. سكنها منهم بنوعكرمة وبنو ثعلبة وبنومحمر وبنو زعورا وبنو قينقاع وبنو زيد وبنو النضير وبنو قريظة وبنو بهدل وبنو عوف وبنو القصيص وبنو ماسلة، سكن هؤلاء المدينة واطرافها، وكان يسكن معهم من غير بني اسرائيل بطون من العرب، منهم: بنو الحرمان حي من اليمن، وبنو مرثد حي من بلَيّ، وبنو نيف وهم من بلي أيضاً، وبنو معاوية حي من بنيُ سليم ثم من بني الحرث بن بهثة، وبنو الشظيّة حي من غسان. وظل اليهود أصحاب يثرب وسادتها، حتى جاء الأوس والخزرج) ( تاريخ العرب قبل الاسلام د. جواد علي ج3 ص 838), وقال ابن الاثير(ولما سارا ثعلبة بن عمرو بن عامر فيمن معه اجتازوا بالمدينة وكانت تسمى يثرب فتخلف بها الأوس والخزرج ابنا حارثة فيمن معهما وكان فيها قرى وأسواق وبها قبائل من اليهود من بني إسرائيل وغيرهم منهم قريظة والنضير وبنو قينقاع وبنو ماسلة وزعورا وغيرهم وقد بنوا لهم حصونا يجتمعون بها إذا خافوا فنزل عليهم الأوس والخزرج فابتنوا المساكن والحصون إلا أن الغلبة والحكم لليهود)( الكامل لابن الاثير ج1 ص 516)
لم تكن اليهودية مقتصرة على قبائل اليهود الثلاثة والمجموعات مر ذكرها, فهناك من تهود من عرب أهل المدينة  في قبائل الأوس الخزرج كذلك , تثبت ذلك رسائل النبي (ص) وعهوده الى اليهود, تلك التي كتبها في المدينة, ومنها ما ذكره ابن اسحاق في السيرة حيث يذكر  وثيقة عهد كتبها النبي (ص)  لليهود والمسلمين في المدينة بعد هجرته, منها مايلي:
(وإنّ ليهود بني عـوف اُمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم : مواليهم وأنفسهم ، إلاّ من ظلم وأَثم ، فانه لا يُوتغ ( يُهلك) الاّ نفسه وأهل بيته .
وإنّ ليهودَ بني النجّار مثل مَا ليهود بني عَوْف . وإنّ ليهود بني الحارث مثل مَا ليهود بني عوف. وإنّ ليهود بني ساعدة مثل مَا ليهود بني عوف. وإنّ ليهود بني جُشَم مثل مَا ليهود بني عوف. وإنّ ليهود بني الأوس مثل مَا ليهود بني عوف وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف , إلا من ظلم وأثم فانه لايوتغ (يهلك) الا نفسه وأهل بيته. وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم , وإن موالي ثعلبة كأنفسهم وأن لبين الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف وأن بطانة يهود كأنفسهم. وإنه لايخرج منهم أحد الا باذن محمد. وإنه لا ينحجز عن ثارٍ جُرحٌ (أي يؤخذ بالقصاص ولو كان جُرحاً فضلاً عن القتل). وإنّه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته ، الاّ مَن ظُلم وإن على اليهود نفقتهم , وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.) (موسوعة التاريخ الاسلامي لمحمد هادي اليوسفي الغروي ج2 , العصر النبوي , وعن سيرة ابن هشام  ج 2 ص 147 ,مكاتيب الرسول للمحقق الأحمدي ج 1 ص 241  , مصادر أخرى من كتاب  مجموعة الوثائق السياسية لمحمد حميد الله مستوفى، ونقلها الأحمدي في كتابه مكاتيب الرسول ).
رسالة النبي (ص) أعلاه تبين أن هناك يهود في كل من : بني النجار, بني الحارث, بني جشم, بني الاوس, بني ثعلبة , بني عوف , وبني الشطيبة.  بنو النجار من قبيلة الخزرج العربية ومنهم أخوال النبي الكريم (ص) فأمه السيدة آمنة من بني النجار. وبنو جشم بطن من بطون قبيلة الاوس ومنهم بنو عبد الاشهل وزاعورا . وكذلك الحال في بني ثعلبة والحارث فهم عرب تهودوا فهم ليس من بني النضير أو قريظة أو قينقاع. ويكاد يتفق المؤرخون على أن القبائل اليهودية الثلاث التي كانت قد هاجرت الى يثرب ( قريظة, النضير, قينقاع) هم أقوام ليسوا من العرب, فيورد المؤرخ ابن زبالة راوياً عن محمد بن كعب القرظي وهو يهودي أسلم أنه قال  ( وخرجت قريظة وإخوانهم بنو هدل وعمرو أبناء الخزرج بن الصريح بن السبط بن السبع بن سعد بن لاوي بن جبر بن النحام بن عازر بن عيزر بن هارون بن عمران, والنضير بن النحام بن الخزرج بن الصريح) ( أخبار المدينة ص169 لابن زبالة المتوفى 199هجرية) وهذا يبين أن نسب قريظة والنضير يعود الى النبي هارون بن عمران (ع). ويذكر ابن هشام في كتابه السيرة النبوية أسماء بعض قبائل اليهود وهم عرب من أهل المدينة فمنهم بنو ثعلبة, بنوزريق, بنو حارثة , بنو عمر , بنو النجار وغيرهم .
يتفق المؤرخون على أن قبائل اليهود الثلاثة (قريظة, النضير, قينقاع) في المدينة تحالفت  مع قبائل العرب قبل مجئ الاسلام,  فكانت قينقاع حليفة للخزرج وكانت النضير ومعها قبيلة قريظة متحالفتان مع قبيلة الاوس , وهذا ا التحالف والتداخل في السكن والجيرة أثرعلى قبائل عرب المدينة وبالذات قبيلة الاوس وقبيلة الخزرج فتهود بعضهم  وتهود كثير من أبنائهم كما تروي المصادر ومنها ما ذكر اليعقوبي  :
(وتهود قوم من الأوس والخزرج، بعد خروجهم من اليمن، لمجاورتهم يهود خيبر، وقريظة، والنضير. وتهود قوم من بني الحارث بن كعب، وقوم من غسان، قوم من جذام .) ( تاريخ اليعقوبي ج1 ص 257) . 
يقول المحقق المعاصر السيد مرتضى العاملي أن بعض الروايات تذكر أن (جماعة من أولاد الأنصار قد تهودوا بسبب: أن المرأة من الأنصار كانت إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها: إن عاش لها ولد أن تهؤده ( تجعله يهودياُ)، فلما أجليت بنو النضير( في عهد النبي ) قال آباء أولئك: لا ندع أبناءنا، وأنزل الله: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )، قالوا: هي مخصوصة بهؤلاء الذين تهودوا قبل الاسلام ) ( انتهى نص العلامة السيد العاملي عن كتابه الصحيح في السيرة ومصادره : السيرة الحلبية ج 2 ص 267، والجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280 ، ولباب التأويل ج 1 ص 185، وفتح القدير ج 5 ص 275 عن أبي داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، والبيهقي في السنن، والضياء في المختارة، والدر المنثور ج 1 ص 328. وذكر مثل ذلك وبلفظ آخر جواد علي في كتابه تاريخ العرب قبل الاسلام ). ويعني النص أنه عند اجلاء قبيلة النضير اليهودية عن المدينة قال العرب المسلمون من قبائل الاوس والخزرج للنبي:  كيف نترك أولادنا الذين تهودوا  يخرجون عنا  ليذهبوا مع بني النضير ؟وأرادوا أن يرغموهم على الاسلام حتى يبقوهم معهم, فأنزلت الاية الكريمة : ( لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) , وتركت لهم الخيار في عقائدهم.
في ما تقدم أعلاه , يتبين تهود ناس من قبيلتي الاوس والخزرج في المدينة, وإذن لم تكن اليهودية في المدينة مقتصرة في بني قريظة والنضير وقينقاع كما يشاع .
 بعد هجرة النبي للمدينة دخل في الاسلام   جمعٌ من يهود الانصار والخزرج , إن سبب نزول الاية الكريمة  (لاأكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) كان بخصوص وجود يهود في عرب الاوس والخزرج  ومنهم من بقى على يهوديته ولكن كتب التاريخ لاتسعفنا بذكرهم, وكذلك لاتسعفنا   بذكر الذين أسلموا وكانوا يهوداً قبل ذلك سوى عدد يسير. فقد تحاشى أصحاب التراجم ذكر أغلبهم  ربما عن ضآلة المعلومات ,وربما عن قصد  لكون بعض اليهود العرب الذين أسلموا صار لهم دورا كبيرا في دولة الخلافة, فلم يرغب المؤرخون أن يُذًّكروا الناس بيهوديتهم وماضيهم قبل الاسلام, و هذه خيانة تاريخية قام بها المؤرخون وكان الاولى بهم  مثلما ذكروا أسماء الصحابة  وصفاتهم وتاريخ ميلادهم ووفاتهم كان عليهم أن يذكروا أن فلانا وفلانا كان يهوديا لكنهم أحجموا عن  ذلك باستثناء عدد يسير الصحابة الذين لايمكن التكتكم على يهوديتهم كالاحبار والرهبان المعروفين أمثال الحبر عبد الله بن سلام حيث ذكرت كتب التراجم يهوديته قبل ان يدخل الاسلام لشيوع ذلك عند كل الناس.
لاشك أن هناك يهودا من العرب المسلمين أسلموا وكان لهم باعا في الاسلام ,وظل ولائهم للدين قائما حتى بعد رحيل النبي , ولكن مايعنينا هو ذكر الذين تآمروا وتحزبوا ضد وصية النبي الكريم . الاختلاف بين من ظل مواليا الى النهاية وبين من غيَّر وانحاز الى معسكر المتآمرين يعود الى  طبيعة النفس الانسانية, فالانسان مجبول  على أن يختار لنفسه مايشاء والاية الكريمة تقول ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها, قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) ( سورة الشمس), فالذين غرهم بريق السلطة وقوة المركز مالوا مع معسكر المتآمرين .  ولما كان جمع من المصادر ومن المؤرخين يحجم عن ذكر يهودية هؤلاء واكتفى بتصنيفهم تحت خانة أنصار المدينة  ,اختلط الامر على الناس  لأن المشاع  أن الانصار هم الاوس والخزرج  وهو الصحيح, ولكن فات على الناس أن من اولئك الانصار وهم الاوس والخزرج من كان يهوديا أيضا- كما تقدم- ثم أسلم مع باقي الناس !
لقد ذكرت مصادر عديدة أسماء بعض اليهود الذين أسلموا وكان بعضهم من المنافقين فعلى سبيل المثال يقول ابن اسحاق:
(وممن أظهر الاسلام وهو منافق من أحبار اليهود من بني قينقاع : سعد بن حُنيف ، وزيد بن الْلُصيت ، ونُعمان بن أوفى ، وأخوه عثمان بن أوفى ، ورافع بن حُريملة ، ورفاعة بن زيد ، وسلسلة بن بِرهام ، وكنانة بن صوريا ) (النص عن موسوعة التاريخ الاسلامي ليوسف الغروي ,وعن سيرة ابن اسحاق) .  إن أغلب المصادر عند ذكرها لليهود الذين أسلموا تذكر أسماء هؤلاء الذين ذكرهم ابن اسحاق , ولكن هناك غيرهم من العرب اليهود من قبائل الاوس والخزرج الذين طمس المؤرخون حقيقة يهوديتهم , وسيأتي ذكر بعضهم فيما يلي:
.

محمد بن مسلمة الاشهلي
 وهو ( محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس حليف لبني عبد الاشهل) (الاستيعاب لابن عبد البر) .محمد  عربي من قبيلة الاوس وحليف لبني عبد الاشهل , ولايقول أصحاب التراجم أن محمدا من بني عبد الاشهل بل هو حليف لهم, وعبد الاشهل الاوسي له أخ أسمه زاعورا وابن أخ اسمه زاعورا كذلك , وعبد الاشهل وزاعورا من أولاد جشم الاوسي ( بتصرف عن كتاب الانساب لابن حزم ). لنعود قليلا على وثيقة العهد التي ذكرها ابن اسحاق والتي ذكر أن النبي الكريم (ص) كتب فيها:(.. وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف).  وجشم الاوسي هذا له أربعة اولاد وهم (عبد الاشهل, زاعورا , عمرو , الحريش)(  الانساب لابن حزم , أنساب العرب للكلبي) وهذا يعني أن من جشم الاوسي  هذا هناك فروع واولاد قد تهودوا ولهذا عناهم النبي الكريم في وثيقة العهد. ومن الملفت أن زاعورا أسم عبري يهودي , ولعبد الاشهل أخو زاعورا ابن أخ يذكره ابن حزم في الانساب واسمه زاعورا أيضا حيث يقول (وكان لعبد الأشهل ابن أخ يسمى زعوراء بن جشم)( الانساب لابن حزم) , ويذكر ابن حزم في نسب جشم الاوسي أن ( زاعورا بن جشم هو أخ لعبد الاشهل .) وإذن يظهر لنا أسمان لرجلين يحملان أسم زاعورا وهو أسم  يهودي عبراني  لايتسمى به العربي المشرك مطلقا.
 الذي يقول أن محمد بن مسلمة لم يكن يهوديا لأنه من بني عبد الاشهل نقول له أن بني عبد الاشهل بن جشم فيهم يهود واحتمالية كون محمد منهم يُرجح احتمال يهوديته . أما الذي يقول  أنه ملحق بهم وغير منتسب لهم بل حليف لهم كما تقول بعض المراجع فهذا لايضعف من احتمال يهوديته بل يقويها لأن يهود بني النضير وبني قريظة كانوا حلفاء لقبيلة الاوس ولبطونها وعبد الاشهل من الاوس, فالذين حالفوا الاوس كانوا يهودا واذا كان محمد بن مسلمة من حلفاء بنو عبد الاشهل فاحتمال يهوديته أقوى مما لو كان من بني عبد الاشهل بن جشم, فتأمل . 

أهل محمد بن مسلمة يسمونه محمدا قبل ظهور الرسالة !
(محمد بن مسلمة من أهل يثرب, سماه اهله محمدا  قبل الرسالة أملا بأن يكون هو النبي المرتقب) عن أسد الغابة  لابن الأثير ج5,  الاصابة لابن حجر للعسقلاني) وكذلك ( فأما محمد بن مسلمة الانصاري فسُمي محمداً قبل المبعث) ( سير أعلام النبلاء للذهبي  ج5ص435). إن البشارات في ظهور النبي كان يعرفها أهل الكتاب أكثر من غيرهم وبتفصيل , وهذا يفسر  تسميته بمحمد, و ترجيح  ليهودية أهل محمد بن مسلمة.
 لم يذكر المؤرخون شيئا عن يهودية محمد بن مسلمة ,بل ذكروا قصة أسلامه وقصة وفاته مقتولاً بفاعل مجهول وذكروا كذلك مواقفا عديدة له في عصر الرسالة, وتركوا غير ذلك ,فصار القارئ يعرف فقط أن محمد بن مسلمة من أهل يثرب ومن الانصار العرب الذين نصروا النبي(ص) . إن المؤرخين تركوا التدقيق في أصل محمد بن مسلمة للتغطية على أصله اليهودي, وسبب ذلك هو ولائه للخليفة الاول والثاني والثالث ,  وبذلك الولاء صار محمد بن مسلمة من أهل الصفوة ومن الذين لايمكن نقدهم وتجريحهم . دخل محمد بن مسلمة الاسلام  وله من العمر أثنا وعشرون عاماً أو أسن قليلا بأتفاق أغلب المصادر.
 
إثبات يهودية محمد بن مسلمة
لمحمد بن مسلمة قريب من قبيلة الاوس العربية أسمه (سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زاعوراء الاشهلي) ويسمى كذلك بابن زاعوراء بن عبد الاشهل, وعبد الاشهل أوسي يصل نسبه الى جده الاكبر الاوس بن حارثة  (عبد الاشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس)( النسب عن كتاب الانساب لابن حزم) . قال الذهبي (  سلمة بن سلامة بن وقش بن زاعوراء هو ابن عمة محمد بن مسلمة) ( سير أعلام النبلاء للذهبي ترجمة سلمة بن سلامة). يسطع الاصل اليهودي واضحا في إسم سلمة بن  سلامة بن وقش بن زاعوراء ,وليس كذلك فقط بل ان سلمة بن سلامة بن وقش هذا يروي حديثا طويلا يذكره المؤرخ ابن الاثير , وفي الحديث يتحدث سلمة بن سلامة  عن طفولته فيقول: ( كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل , فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل. قال سلمة وأنا يومئذ أحدث القوم سنا على بردة لي مضطجعا فيها بفناء أهلي فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار, قال ذلك لقوم من أهل شرك أصحاب أوثان فقالوا ويحك يا فلان ترى أن هذا كائن إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون بأعمالهم قال نعم والذي يحلف به قالوا وما آية ذلك قال نبي يبعث من نحو هذه البلاد وأشار بيده إلى مكة) ( أسد الغابة لابن الاثير , ترجمة سلمة بن سلامة بن وقش بن زاعوراء)
التأمل في حديث سلمة أعلاه يبين أن سلمة بن سلامة بن وقش وأهله لم يكونوا من أهل شرك وأصحاب أوثان, لان جارهم اليهودي كان يخاطب الناس وفيهم أهل شرك وأصحاب أوثان كما يبين سلمة, وحين ذلك كان سلمة مضطجعاً في مجلس بني عبدالاشهل وفي فناء أهله, فخطاب الرجل اليهودي كان موجها لقوم من أهل شرك وأصحاب أوثان حسب قول  سلمة ,وسلمة بن سلامة بن وقش يستثني نفسه وأهله من ذلك بصيغة كلامه وإن كان حاضرا في ذلك المجلس حيث يقول ( قال ذلك لقوم من أهل شرك أصحاب أوثان) فهو ليس منهم كما يبدو واضحا من صيغة كلامه, فهو اذن ليس صاحب شرك وأوثان , والناس في ذلك المجلس وفي يثرب  وقبل ظهور نبوة محمد (ص) كانوا أما مشركين أو يهود , وسلمة بن سلامة بن وقش بن زاعوراء وضع المخاطبين  في خانة الشرك واستثنى نفسه منهم باستعماله صيغة التحدث عن قوم من أهل شرك وأصحاب أوثان, واذن هو يهودي من حلفاء بني عبد الاشهل أي من بني النضير أو يهودي من بني عبد الاشهل لأن ترجمته ترينا أن أصحاب التراجم يلحقون كلمة الاشهلي بأسمه فهو ليس حليف كمحمد بن مسلمة بل أشهلي أوسي من العرب الذين تهودوا,  وبما أن سلمة بن سلامة بن وقش بن زاعوراء يهودي فحتما يكون ابن عمته يهودي , لان اليهود لايزوجوا ولايتزوجوا الا من يهود واذن ابن عمته وهو محمد بن مسلمة يهودي حليف لبني عبد الاشهل ثم صار يحمل لقب الانصاري في كتب تراجم الرجال.  دليل آخر على يهودية  محمد بن مسلمة هو أقترانه بأخت سلمة بن سلامة وأسمها أم عمرو بنت سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل(  كتاب طبقات الصحابة لابن سعد, باب كنى النساء ترجمة أم عمرو بنت سلامة), ، وكان متزوجا بها قبل أسلامه. ولايتزوج اليهود من غير ملتهم وبالاخص في بيئة العرب الوثنية تلك, فاليهودي يعتبر باقي الاديان منتحلة فكيف يرضى بأهل الاوثان؟
إن سلمة بن سلامة اليهودي الاصل له مواقف تبين تثبيطه لعزائم المسلمين  منها بعد معركة بدر الكبرى حيث يعود المسلمون الى المدينة فرحين بنصرهم على قريش وعند وصولهم الى المدينة وقف المسلمين الذي لم يشتركوا في المعركة على ابواب المدينة يهنأون النبي (ص)  بالنصر , لكن سلمة بن سلامة اليهودي المتأسلم الذي كان مع المقاتلين في بدر له موقف آخر ! لنقرأ الرواية:
(ولقيه الناس يهنئونه بالروحاء بفتح الله, فلقيه -(لقي المسلمون النبي ص)- وجوه الخزرج , فقال سلمة بن سلامة بن وقش : ما الذي تهنئوننا به؟ فوالله ماقتلنا إلا عجائز صُلعاَ, فتبسم النبي (ص) وقال : يا ابن أخي , أولئك لو رأيتهم لهبتهم, ولو أمروك لأطعتهم , ولو رأيت فعالك مع فعلاهم لاحتقرته, وبئس القوم كانوا على ذلك لنبيهم . فقال سلمة : أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله, إنك يارسول لله لم تزل عني معرضاَ منذ كنا بالروحاء في بدأتنا , فقال رسول الله : إما ما قُلت للأعرابي وقعت على ناقتك فهي حبلى منك , ففحشت, وقلت ما لا علم لك به, وأما ما قُلت في القوم فإنك عمدت إلى نعمة الله تزهدها) ( مغازي الواقدي ج1 باب معركة بدر) 
أن شرح هذا النص يطول ولكنه يبين  سوء أدب سلمة بن سلامة وسعيه للحط من نصر المسلمين ونفاقا ظاهراً يتقنه اليهود في تثبط همم الخلق, وهناك جمع من اليهود من أقرباء محمد بن مسلمة وسلمة بن سلامة لم يذكر المدونون يهوديتهم ولايسعنا في هذه العجالة ذكر ذلك ولكن نذكر بعضاً منهم للفائدة وهم , سلكان بن سلامة بن وقش وهو أخو سلمة بن سلامة , عباد بن بشر بن وقش ابن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل, ويروي السمعاني في  أخت عباد بن بشر فيقول (ذكر محمد بن عمر الواقدي أن أمامة بنت بشر بن وقش بن زغبة هي أم علي بن أسد بن عبيد بن سعية الهدلي والهدل إخوة قريظة ودعوتهم في بني قريظة) ( الانساب للسمعاني , الجزء الرابع) وهو دليل يرجح يهودية عباد بن بشر التي حاول المؤرخون أخفاءها كما أخفوا يهودية غيره من مسلمي المدينة.
لنعود الى محمد بن مسلمة بن عمة سلمة بن سلامة . إن يهودية أهل  محمد بن مسلمة تفسر لنا تسمية أهله له بمحمد آملين أن يكون هو النبي المرتقب الذي بشرت به اليهودية , فقد عرف اهله  من بشارات التوراة والانجيل بأوان ظهور نبي اسمه محمد, ولم يعرف تلك البشارات انذاك سوى أهل الكتاب ومنهم أهل محمد بن مسلمة , و لمحمد بن مسلمة أخ أسمه محمود ذكره ابن الاثير في كتابه أسد الغابة في معرفة الصحابة , فأهله سموه محمودا آملين أن يكون هو النبي المرتقب كذلك, فتأمل. 
إن اليهودي الذي دخل ديناً جديدا وله من العمر أثنتا وعشرون سنة لابد أنه كان حاملا لكثير من عقائد اليهود وعارفا بطقوسهم وعاداتهم وصيغ تعاملهم مع الناس, وهي خصلة لايبينها المؤرخون ولايتطرقون اليها من بعيد أوقريب كدأبهم في لي عنق الحقائق لكي تناسب مايرغبون أن يوصلوه للقارئ. لاتجد في ترجمة محمد بن مسلمة في  كتب علوم الرجال أشارة الى يهوديته قبل الاسلام,  بل يطلق عليه أسم الانصاري ويتكتم المؤرخون عن غير ذلك , وسبب ذلك هو انتماءه لعصبة السقيفة, فهو كان مع أبي بكر وعمر وأبي عبيدة في سقيفة بني ساعدة يوم وفاة النبي , وكان من الاوائل الذين بايعوا أبابكر ,وكان من المقتحمين لبيت فاطمة بنت النبي (ص) مع الخليفة الثاني عمر ,هو الذي كسر سيف الزبير بن العوام المعارض لتولي أبوبكر الخلافة كما ترجح بعض الروايات ( راجع قصة السقيفة في بداية الكتاب , وكذلك تاريخ الطبري ج3 ص 150, السقيفة وفدك للجوهري في شرح نهج البلاغة للمعتزلي). محمد بن مسلمة كان من المدافعين عن عثمان أيام حصاره وله موقف عجيب يومئذ سيأتي ذكره بعد قليل. محمد بن مسلمةمن القلائل الذين لم يبايعوا أمير المؤمنين علي بن ابي طالب  !ونقول إن اليهود كانوا ولم يزالوا يميلون مع أي كفة مادامت تقف في وجه أمير المؤمنين وأتباعه.
كان مبعوث التعامل مع اليهود عند النبي (ص) في اغلب الأوقات هو محمد بن مسلمة! فبعد أن يتفق النبي (ص) على أخراج يهود بني قينقاع من المدينة , جعل محمد بن مسلمة المسؤول عن قبض اموالهم ( عيون الاثر لابن سيد الناس , باب قينقاع). وكذلك بعث النبي محمد بن مسلمة للتفاوض مع بني النضير (بعث ( النبي ) إليهم محمد بن مسلمة ‏ أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشراً فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه ‏)( عيون الاثر لابن سيد الناس) ثم يكمل .....( ثم أجلاهم عن المدينة وولي إخراجهم محمد بن مسلمة وحملوا النساء والصبيان وتحملوا على ستمائة بعير) ( كتاب عيون الاثر ) . لماذا محمد بن مسلمة في التعامل مع اليهود وليس غيره؟ إن هذا دليل آخر يؤتنس به على حقيقة الاصل اليهودي لمحمد بن مسلمة .
يروي محمد بن مسلمة رواية على لسانه وهي قصة حديثه مع اليهود وقد حدثت عندما بعثه النبي الى بني النضير ليفاوضهم , فيقول له النبي (ص) كما يروي الواقدي: (قال (ص) أذهب الى يهود بني النضير, فقل لهم : إن رسول الله أرسلني أليكم أن أخرجوا من بلده. فلما جاءهم قال : أن رسول الله أرسلني إليكم برسالة , ولست اذكرها لكم حتى أعرفكم شيئا تعرفونه. قال : أنشدتكم بالتوراة التي أنزل الله على موسى , هل تعلمون أني جئتكم قبل أن يبعث محمد وبينكم التوراة, فقلتم لي في مجلسكم هذا : يا ابن مسلمة إن شئت أن نغديك غديناك, وإن شئت أن نهودك هودناك ( يعني نجعلك يهوديا) , فقلت لكم :غدوني ولاتهودوني, فإني والله لا أتهود أبدا...) ( مغازي الواقدي, ص 350) . أن راوي الرواية هذه هو محمد بن مسلمة نفسه, ويبدو  وكأنه يريد أن يبعد اليهودية عنه, فهو رواي القصة وهو ناقلها وهو الشاهد عليها, وتذكرنا بقصة قريبه سلمة بن سلامة بن وقش بن زاعوراء مع جارهم اليهودي وقد تقدم ذكرها.
صار محمد بن مسلمة رجل المهمات الصعبة  في عهد الخليفة الثاني عمر , فقد جعله عمرالمسؤول الاول عن ولاة الامصار (الإصابة لابن حجر , ترجمة محمد بن مسلمة) ذكرابن الاثير (واستعمله عمر بن الخطاب على صدقات جهينة وهو كان صاحب العمال أيام عمر كان عمر إذا شكي إليه عامل أرسل محمدا يكشف الحال) ( اسد الغابة لابن الاثير ج5 ص 117ترجمة  بن مسلمة).تسنتج  بعض البحوث أن محمد بن مسلمة هو القاتل لسيد الانصار سعد بن عبادة في زمن الخليفة عمر وليس الجن كما روجت اشاعات التغطية على الجريمة , وقد تقدم ذكر عن سعد بن عبادة واغتياله في فصل السقيفة . محمد بن مسلمة هو الذي احرق باب بيت  الوالي سعد ابن أبي وقاص في الكوفة أيام خلافة عمر ,(ولقد شكا الناس أميرهم بالكوفة سعد بن أبي وقاص- وذلك في سنة إحدى وعشرين- فبعث عمر بن الخطاب  محمد بن مسلمة الأنصاري حليف بني عبد الأشهل، فحرق عليه باب قصر الكوفة)( مروج الذهب للمسعودي , باب عثمان بن عفان, ومثله في  الاصابة لابن حجر), وكذلك كان بن مسلمة رسول عمر الى حاكم مصر عمرو بن العاص ( فقد أرسله عمر إلى عمرو بمصر فقاسمه ماله) (ترجمة بن مسلمة كما في  الاصابة لابن حجر)؟ عرف عمر مهارة محمد بن مسلمة في الاغتيالات منذ البداية ويفسر هذا الاصرة القوية التي ربطت محمد بن مسلمة بعمر وبأبي بكر وأبي عبيدة الجراح . روي أن عمر بن الخطاب طلب من النبي (ص) أن يسمح له بضرب عنق ابن أبي سلول المنافق فلم يرض النبي بذلك فيقول عمر ( ...قلت يارسول الله فمر محمد بن مسلمة يقتله , قال النبي (ص) : لايتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ) ( مغازي الواقدي , باب غزوة بني المريسع ص 405). تأمل موقف النبي (ص)  فهو لايقتل اصحابه المنافقين, بينما عمر يستعجل بالطلب لقتلهم, وتأمل معرفة عمر بمحمد بن مسلمة واختياره له! إن تبوأ محمد بن مسلمة منصبا رفيعا أيام الخليفة الثاني يدل على قوة تحكمه في السلطة وتغلغله فيها كدأب اليهود في كل الدول.
 عند هجرة المسلمين الى المدينة آخى النبي بين مسلمي قريش ومسلمي المدينة وفيها يصير محمد بن مسلمة أخا لأبي عبيدة عامر بن الجراح . وبذلك صار من المقربين الى عصبة السقيفة (وهم الخليفة الاول والخليفة الثاني وأبوعبيدة الجراح ) وبذلك نال تمييزا على باقي الصحابة ! بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان يعتزل محمد بن مسلمة في الربذة ( الاصابة في تمييز الصحابة للعسقلاني) . نعم تقاعد بن مسلمة عن العمل  بعد تولي الامام علي بن أبي طالب خلافة الدولة. يروي ابن الاثير فيقول في محمد بن مسلمة  :(واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان بن عفان واتخذ سيفا من خشب وقال بذلك أمرني رسول الله,) ثم يكمل ( قال محمد بن مسلمة أعطاني رسول الله  سيفا وقال قاتل به المشركين فإذا اختلف المسلمون بينهم فاكسره على صخرة ثم كن حلسا من أحلاس بيتك) ( اسد الغابة لابن الاثير, ترجمة محمد بن مسلمة)
إن اختلاف المسلمين حصل بعد وفاة النبي, فلماذا لم يعتزل بن مسلمة في ذلك الحين ؟  الحقيقة ليست كذلك , بل أن محمد بن مسلمة لم يستطع تقبل ولاية أمير المؤمنين على الناس, فتحجج باختلاف الناس وبالفتنة, واخترع رواية السيف الخشبي .
 روى التاريخ إن عمارا بن ياسر المناصر لأمير المؤمنين كلم المعارضين لعلي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان ومنهم عبد الله بن عمر بن الخطاب وسعد بن ابي وقاص ومحمد بن مسلمة في سبيل أستمالتهم لعلي لمبايعته لكنهم تجاهلوا ذلك ولم يبايعوا علياً! فقال أمير المؤمنين لعمار :(  دع هؤلاء الرهط، أما ابن عمر فضعيف، وأما سعد فحسود، وذنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلت أخاه يوم خيبر: مرحب اليهودي)( الامامة والسياسة ج1, ص47) ,وورد كذلك :  (دع عنك هؤلاء الرهط الثلاثة ، أما ابن عمر فضعيف في دينه ، وأما سعد بن أبي وقاص فحسود ، وأما محمد بن مسلمة فذنبي إليه أني قتلت قاتل أخيه ، مرحباً يوم خيبر) . ( جواهر التاريخ للكوراني ج1 نقلا عن المعيار والموازنة للإسكافي ص108) وهو تحوير للرواية  فمن السهولة وضع كلمة (قاتل) بين جملة قتلت أخيه لتصبح (قتلت قاتل أخيه), ونقول أن قول الدينوري هو الاصح , حيث ذكر أن عليا قال : (وذنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلت أخاه يوم خيبر مرحب اليهودي)! وهذه العبارة تدل على الاصل اليهودي لمحمد بن مسلمة حيث قرنه الامام علي بمرحب اليهودي.
للذب عن محمد بن مسلمة قام بعض المزيفين وكتبة البلاط بتشريف بن مسلمة بقتل مرحب اليهودي المقاتل الخيبري القوي , وليس كذلك فقط بل جعلوا عليا بن ابي طالب يخاصم محمد بن مسلمة على متاع المقتول مرحب اليهودي ويطالب بان يكون هو سالب مرحب من متاعه بعد قتله, فتأمل. لقد مرت بنا رواية قتل علي لمرحب اليهودي في فصل (الامام علي ) وس .  فهل حقاً زعمهم أن محمد بن مسلمة هو قاتل مرحب اليهودي الخيبري ؟أم أن قاتله الحقيقي هو علي بن ابي طالب الذي قال يوما لعمار بن ياسر ( وذنبي الى محمد بن مسلمة أنى قتلت أخاه يوم خيبر مرحب اليهودي) . أن قول علي هذا  دليل  يبين أواصر التقارب بين مرحب اليهودي  ومحمد بن مسلمة, ويفسر لنا بغض محمد بن مسلمة لعلي  كأي يهودي اخر, فهو أخ لمرحب اليهودي ؟ إن محمد بن مسلمة حليف لبني عبد الاشهل ,وليس منهم في الدم والنسب والذين تحالفوا مع الاوس ومع بني عبد الاشهل هم يهود النضير ويتفق المؤرخون على ذلك.
روى ابن اسحاق أن قاتل مرحب اليهودي الخيبري هو محمد بن مسلمة , حيث يقول أن محمد بن مسلمة قد قطع رجليه وتركه ينزف فجاء علي بن ابي طالب وقتله ثم سلبه رمحه وسيفه فتخاصم بن مسلمة مع علي بن ابي طالب عند النبي على ذلك, وأخذ سلب مرحب اليهودي من علي بن ابي طالب.( سيرة ابن اسحاق باب فتح خيبر) (وكذلك كتاب السيرة النبوية لابن كثير باب خيبر). هل ياترى كان عليا بهذا المقام  ليقرن بهذه النظائر يتخاصم على سلب قتيل يهودي وهو الذي قتل العشرات من كفار قريش ,وهو الذي فتح خيبر وتترس بباب قلعة خيبر ؟ في معركة الخندق يقتل علي  المقاتل القرشي الجرئ عبد بن ود العامري وبقتل بن ود العامري تنسحب قريش ومعها أحلافها من الحرب فتنتهي المعركة بموت عمرو بن ود العامري ( راجع فصل الامام علي وقصة فتح خيبر ) , ولم يسلب علي  عمرو بن ود في تلك الوقعة التي سماها التاريخ وقعة الاحزاب أو وقعة الخندق وبطلها الاوحد هو علي بن أبي طالب بأتفاق المؤرخين , نعم ترك علي خصمه عمرو بن ود قتيلا ولم يسلبه سلاحه وملابسه وعندما يسأله أحد المسلمين عن سبب ذلك يقول علي : (كرهت أن أبز السبي ثيابه) ( شرح النهج لابن أبي الحديد ج14).  كيف يطمع الزاهد في الدنيا في سلب قتيل وهل هناك أزهد من علي  الذي يقول أن الدنيا عنده كعفطة عنز. لكن الحاقدين من المؤرخين ومن كتبة وعاظ السلاطين لم يتركوا خصلة لعلي  الا وحاولوا التشكيك فيها. لم يجد المحققون في النهاية سوى التسليم بأن علي بن أبي طالب هو قاتل مرحب اليهودي بطل خيابر وليس محمد بن مسلمة اليهودي الاصل, ذكر ابن الاثير ( إن الذي قتل مرحباً وأخذ الحصن علي بن أبي طالب ، وهو الأشهر والأصح)( الكامل في التاريخ لابن الاثير ج2 وقعة خيبر). ومثل ذلك يروي مسلم في صحيح مسلم, باب غزوة خيبر , وكذلك روى البيهقي في كتاب دلائل النبوة, وأكد ذلك ابن عبد البر في  الاستيعاب  (والصحيح الذي عليه أكثر أهل السير وأهل الحديث أن علياً هو الذي قتل مرحباً اليهودي بخيبر‏.‏)(الاستيعاب في معرفة الاصحاب لابن عبد البر )
 ويفصل الواقدي عن  خيبر فيقول  (فكان أول من خرج إليهم الحارث أخو مرحب في عاديته،   فانكشف (هرب) المسلمون وثبت علي ، فاضطربا فقتله علي  ورجع أصحاب الحارث إلى الحصن فدخلوه وأغلقوا عليهم وخرج مرحب وهو يقول:
لقد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب ...أطعن أحيانا وحينا أضرب
فقال علي : أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... أكيلكم بالسيف كيل السندرة... ليث بغابات شديد قسوره.  فاختلفا ضربتين فبدره علي  فضربه، فقدَّ الحجر والمغفر ورأسه، حتى وقع في الأضراس، وأخذ المدينة وقد قتل علي  الأخوة الثلاثة مرحبا والحارث وياسر الذين طلبوا المبارزة على التوالي) ( انتهى كلام الواقدي) ,  هذه الادلة تكفينا, وقول الامام لعمار بن ياسر- كما رواه الدينوري وقد مر - أن قاتل مرحب وقاتل أخيه الحارث وياسر هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب , وليس لمحمد بن مسلمة مجد في ذلك.
هناك أكثر من موضع يقول فيه اليهود عند ذكرهم محمد بن مسلمة بأنه أخ لهم ومنهم كعب بن الاشرف رئيس يهود النضير , وحاول المفسرون تفسير ذلك بأنها تعني الاخوة من الرضاعة , ونقول أنها قد تعني الاخوة في الدين , لنقرأ مايلي ونترك شرحه للاختصار
قال كعب بن الاشرف لزوجته قبيل مقتله: ( إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعى إلى طعنه بليل لأجاب) ( البداية والنهاية لابن كثير ج4)
 لاحظ قول كعب بن الاشرف اليهودي أن محمد بن مسلمة اخيه!( ومثله ذكر البخاري في الجزء الرابع , باب مقتل كعب بن الاشرف), فلو كان محمد بن مسلمة أخو كعب بن الاشرف بالرضاعة لقال كعب فيه أنه رضيعه ولكنه لم يقل ذلك بل قال أنه أخوه , فتأمل.
وأكد ذلك البيهقي في روايته : (أنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة), ثم يستشهد بقول البخاري مصححا  فيقول (رواه البخاري في الصحيح عن علي بن المديني وزاد قال إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة إن الكريم لو دعى إلى طعنة بليل لأجاب, وهو في الإسناد الأول لو أن الفتى دعي لطعنة أجاب) (انتهى كلام البيهقي من كتابه دلائل النبوة ج3, ص197) وهذا دليل آخر على أن محمد بن مسلمة هو أخو كعب بن الاشرف بالدين وربما بالرضاعة أيضاً. ويذكر الواقدي الحادثة فيروي( كان أبو نائلة ومحمد بن مسلمة أخويه من الرضاع, فتحدثا ساعة وتناشدا الاشعار.) (المغازي للواقدي ج1).
إن محمدا بن مسلمة الذي كان في خضم الاحداث في عهد أبوبكر وعهد عمر وعهد عثمان وكان من المتحمسين لرجال السقيفة وتقلد مناصب مهمة في عهد عمر ,يكسر سيفه ويتقاعد بحجة اعتزال الفتنة في عهد علي بن أبي طالب , ويبقى بن مسلمة لايبايع لعلي بن أبي طالب بالخلافة وهو يعلم تماماً أن عليا وصي النبي وخليفته وفي تلك الفترة العصيبة التي كان الامام في أمس الحاجة لأنصار لتوحيد المسلمين, لكن ابن مسلمة يتحجج بالعزلة ولاينصر الحق. بينما نراه في عهد عثمان بن عفان ينبري مدافعا عن عثمان , روى ابن الاثير:( فقام محمد بن مسلمة فقال أنا أشهد بذلك فأقعده حكيم بن جبلة وقام زيد بن ثابت فأقعده محمد بن أبي قتيرة وثار القوم بأجمعهم فحصبوا -(رموهم بالحصباء )- الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه فأدخل داره واستقتل نفر من أهل المدينة مع عثمان)( ( الكامل لابن الاثير ج 3 ص52). أن محمد بن  مسلمة الذي وقف مدافعاَ بلسانه عن عثمان بن عفان تراه بعد سويعات قليلة يتشفى بموته بعد مقتله وكما يلي:
(ذكر الثقفي في تاريخه، عن داود بن الحصين الأنصاري: أن محمد بن مسلمة الأنصاري قال يوم قتل عثمان: ما رأيت يوما قط أقر للعيون ولا أشبه بيوم بدر من هذا اليوم.
وروى فيه، عن أبي سفيان مولى آل أحمد قال: أتيت محمد بن مسلمة الأنصاري فقلت: قتلتم عثمان؟ فقال: نعم وأيم الله ما  وجدت رائحة هي أشبه برائحة يوم بدر منها وقد ذكر الواقدي في تاريخه، عن محمد بن مسلمة: مثل ما ذكره الثقفي.)( نظريات عثمان للطائي ج2 , ونقله عن البحار ج31 ص291, وكذلك ورد في تقريب المعارف ص 283, لأبي صلاح الحلبي المتوفي سنة 447 هجرية).  ان ابن مسلمة الذي كسر سيفه وأعتزل بحجة الفتنة في يوم بيعة علي  ,هو نفسه الذي نصر الخليفة عثمان في اليوم الذي سبقه ,  ثم تشفى بموته في المساء ,وهي تقلبات تذكرنا باليهود الذين همهم أثارة الفتن وأشعال الحروب ثم القعود للتفرج على أراقة الدماء!
 ماهو سبب أمتناع محمد بن مسلمة عن نصرة علي  والنبي (ص) يقول: (علي مع الحق يدور معه حيث دار) ؟فهل سبب ذلك حسدا لعلي كما فعل غيره, أم حقدا وبغضا لعلي قاتل مرحب وفاتح خيبر ومكسر خياشيم اليهود , وربما تجتمع الاسباب في قلب الانسان فتصبح غلاً لاينطفئ , فتذرع بن مسلمة بحجة الفتنة وخذل أمير المؤمنين عليا كما خذله يوم السقيفة. إن دور محمد بن مسلمة في تثبيت حكم أبي بكر وعمر وعثمان كان كبيرا ويعني هذا أن دوره في تهميش علي بن ابي طالب عن السلطة كان كبيراً بطبيعة الحال. لم يترك  محمد بن مسلمة تراثاً في الاحكام والاحاديث ,ولكنه بعمله ومواقفه ساهم مساهمة بالغة في التآمر على خط الرسالة الاصيل , فهل كان لاصله اليهودي دورا في ذلك , يقينا  أن ذلك سبب كبير حمله معه محمد بن مسلمة وانتظر حتى رحل النبي الكريم عن هذه الدنيا الفانية فكشر عن أنيابه وأظهر وجهه اليهودي الحقيقي بعد وفاة النبي فشارك في الهجوم على بيت ابنة النبي (ص) الزهراء فاطمة ( راجع فصل السقيفة) , يدفعه في ذلك بغضه لعلي بن ابي طالب وحقده اليهودي الدفين.




زيد بن ثابت
زيد بن ثابت من أهل يثرب ( المدينة المنورة) , وأهل يثرب هم الذين نصروا النبي فصاروا يدعون بالانصار. ليس هناك نسبا واضحا لزيد يبين يهوديته , فكتب تراجم الرجال تطلق عليه لقب الانصاري ولا تذكر أبيه, ويقول زيد نفسه أن أبيه قُتل قبل الاسلام في حرب (بعاث), قال الذهبي: (وقد قتل أبوه قبل الهجرة يوم بعاث فربي زيد يتيما) (سير أعلام النبلاء للذهبي) . وحرب بعاث كانت بين الاوس والخزرج وتحالف يهود بنو قريظة ويهود بنو النضير مع قبيلة الاوس. ( الكامل لابن الاثير ج1, حرب بعاث). فالذين شاركوا في حرب بعاث بينهم يهود من بني قريظة والنضير !واذن ليس بعيدا أن يكون أبو زيد من يهود بني النضير أومن بني قريظة الذين هم من سكنة يثرب ألا اذا كان هناك ترجيح أقوى يقول بأنه من العرب  اليهود , وهذه النتيجة هي مانبتغي التوصل اليها باذن الله . كعادة المؤرخين وكتاب السيرة لم يذكر أغلبهم احتمال يهودية زيد بن ثابت بل كتبوا أنه انصاري من الذي نصروا النبي في يثرب ويتبادر الى ذهن القارئ أن الانصار هم عرب المدينة المشركين ,  ولكن هناك يهود في المدينة صاروا من الانصار أيضا وقد تقدم ذكر ذلك.
زيد بن ثابت ينتسب الى بني النجار وهم من الخزرج وتقدم ذكر وثيقة العهد التي كتبها النبي(ص) ليهود المدينة مايلي: (وإنّ ليهودَ بني النجّار مثل مَا ليهود بني عَوْف) فاحتمال يهودية زيد بن ثابت أحتمال وارد لأن بني النجار كان منهم يهود. أم زيد بن ثابت هي  (النوار بنت مالك بن صرمة، من بني عدي بن النجار) (عن الاستيعاب لابن عبد البر , تراجم النساء).
هناك نتفة فاتت على المزورين والمحرفين بقيت تلمع كنار تحت الرماد , وتلك النتفة هي تأكيد وحقيقة تفوه بها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ! سأل الناس عبد الله بن مسعود ان كان يقرأ القرآن على نمط قراءة زيد بن ثابت , فأجاب بن مسعود بأنه أعلم من زيد بن ثابت اليهودي! والرواية كما يلي : ( قيل لعبد اللّه ألا تقرأ على قراءة زيد? قال: ما لي ولزيد ولقراءة زيد لقد أخدت من في (فم) رسول الله سبعين سورة، وإن زيْدَ بن ثابت ليهودي له ذوأبتان.)( تاريخ المدينة المنورة لابن شبة , ص 221)!. إن قول عبد الله بن مسعود شهادة واضحة بيهودية زيد قبل أسلامه , وكذلك طريقة تصفيفه لشعره حيث يقول ( له ذوأبتان) وهي طريقة  طوائف اليهود في تصفيف شعر ابنائهم. روى رواية ابن شبة  جمع من المؤرخين وأهل الحديث لكنهم هذبوها ورفعوا منها جملة ( يهودي له ذوأبتان) . روى البخاري وغيره  : ( عن عبد الله بن مسعود قال: أخذت من في رسول الله  سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان.) ( تأمل رفع كلمة يهودي من النص الذي رواه ابن شبة, مع العلم أن كتاب ابن شبة من أقدم الكتب التي وصلتنا في السيرة والتاريخ فالذي كتب بعد ابن شبة أنما أعتمد عليه كمصدر! . وفي لفظ آخر: (أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت وله ذؤابة يلعب مع الغلمان). وفي آخر: (ما ينازعني فيها أحد.)(نص حديث البخاري عن الغدير للعلامة الاميني, باب عثمان, نقلا عن حلية الأولياء ج1, ص 125، والاستيعاب لابن عبد البر ج1, ص 373، تهذيب التهذيب ج6,ص 28, وصححه كنز العمال ج7 ص56 نقلا عن ابن أبي داود. ) نعم فات على المحرفين مسح كلمة يهودي من كتاب تاريخ المدينة المنورة لابن شبة فوصلت لنا العبارة  كما هي. ولانستبعد قيام أهل التعصب في عصرنا بكتابة الكتاب بطبعة جديدة بعد مسح كلمة (يهودي) لتصبح مطابقة لما فعل البخاري, حتى تضيع الحقائق على الناس.
                                                                                                                            
زيد يغطي على يهوديته!
دون الذهبي: ( روى خارجة ( خارجة بن زيد بن ثابت) عن أبيه قال قدم النبي المدينة وأنا ابن إحدى عشرة سنة وأمره النبي  أن يتعلم كتابة يهود قال وكنت أكتب فأقرأ إذا كتبوا إليه , وروى ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه قال أتي بي النبي  مقدمة المدينه فقالوا يا رسول الله هذا غلام من بني النجار وقد قرأ مما أنزل عليك سبع عشرة سورة فقرأت على رسول الله  فأعجبه ذلك وقال يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمنهم على كتابي قال فتعلمته فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته وكنت أكتب لرسول الله  إذا كتب إليهم) ( سير أعلام النبلاء للذهبي , ترجمة زيد. ومثل ذلك روى البخاري ومسلم في صحيحهما).
إن رواي الرواية أعلاه هو خارجة وهو ابن زيد بن ثابت نفسه , وفي أغلب الروايات التي تنسب تعلم العبرية لزيد كان الرواي زيد أوابنه خارجة  ,وهناك مصادر روت أن النبي قال له تعلم السريانية ,فما ندري أي اللغتين تعلم؟ المتأمل في الروايات هذا يصل الى حصيلة وهي أن زيد بن ثابت قارئ وكاتب في سنه الصغير ذلك, ولذلك أختاره النبي لتعلم لغة أجنبية غير عربية , هذا أذا سلمنا جدلا بصحة الرواية وأن كان هناك رأيا آخرا سيتبين لاحقاً. أن المؤرخين تفضحهم رواياتهم لنقرأ قول ابن سعد  : ( أسر رسول الله (ص) يوم بدر سبعين أسيرا وكان يفادي بهم على قدر أموالهم وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون, فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم فإذا حذقوا فهو فداؤه, أخبرنا محمد بن الصباح أخبرنا شريك عن قريش عن عامر قال كان فداء أهل بدر أربعين أوقية أربعين أوقية, فمن لم يكن عنده علم عشرة من المسلمين الكتابة فكان زيد بن ثابت ممن عُلم) ( طبقات الصحابة لابن سعد , ج2, ص 11. باب غزوة بدر). نص ابن سعد نص مهم حيث يبين ( أهل المدينة لايكتبون, ومنهم أمثال زيد بن ثابت) ولذلك قايض النبي الكريم الحرية بالتعليم, فكل أسير قرشي مشرك يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة تكون الحرية من نصيبه. م هذا النص التاريخي يبين أن زيدا بن ثابت كان من الذين تعلموا القراءة والكتابة على يد أسرى بدر, فهو كان أميا قبل معركة بدر. إذن كيف يقول له النبي عند قدومه للمدينة وقبل معركة بدر بوقت طويل : ( يازيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمنهم على كتابي) وزيد حينذاك كان أميا لايعرف القراءة والكتابة ؟ فهل ضاقت على المسلمين الذين تجاوزوا المئات انذاك وخليت جموعهم من متعلم وقارئ وكاتب, حتى يقوم النبي بأسداء مهمة تعلم اليهودية الى مراهق صغير السن وأمي لايعرف القراءة والكتابة! أن القضية أبعد من ذلك , ببساطة يمكن القول أن زيد بن ثابت كان يتكلم العبرية أو اليهودية بطلاقة في سنه ذلك لأنه يهودي ابن يهود, وبذكاءه وحصافته أخترع قصة تعلم كتاب اليهود على لسان النبي (ص) ليبين للناس أنه لم يكن يهودياً  فقد تعلم لسان اليهود بأمر النبي كما أدعى! ومثل ذلك مر بنا حين يروي سلمة بن سلامة بن وقش بن زاعوراء قصة جاره اليهودي لابعاد اليهودية عن نفسه, ومثله فعل ابن عمة سلمة بن سلامة وهو محمد بن مسلمة حين روى أن اليهود ارادوا أن يهودوه قبل ظهور رسالة الاسلام  ويدعي أنه رفض ذلك . وتبين لنا أن الروايتان يرويها المتحدث عن نفسه فقط ولم يرويها غيره ,ولم يكن هناك شاهد على ذلك, ورواية زيد بن ثابت في تعلم اليهودية يرويها زيد بنفسه كذلك  ثم يرويها من بعده خارجة ابنه وحفيده بعد ذلك, فتأمل.
روى البخاري وابن حنبل  :
(عن عبيد قال زيد بن ثابت: قال لي رسول الله تحسن السريانية، إنها تأتيني كتب؟ قلت: لا. قال تعلمها، قال: فتعلمتها في سبعة عشر يوما(( كتاب فضائح يهود للعلامة نجاح للطائي, وعن مسند أحمد بن حنبل ج5, ص185. وكذلك في  صحيح البخاري ج8 , ص120 ) . لماذا سأل الرسول زيدا إن كان يحسن السريانية ؟ أليس ذلك الا لأنه يهودي الاصل , لانه لو كان غير ذلك لقال له النبي دون سؤال استفساري : تعلم السريانية يا زيد ! النبي الكريم (ص) كان يعرف أن زيد له دراية ومعرفة بالسريانية أو بكتاب اليهود ولهذا سأله مستفسرا : تحسن السريانية؟  الرواية  تفتقد الوضوح في تفصيلها , حيث يذكر المؤرخون أن النبي (ص) أمره تعلم كتاب اليهود وفي هذه الرواية يسأله تعلم السريانية وشتان مابين اللغتين وهي روايات لم تقم على الصحة لذلك تناقضت واختلفت.
ولاندري ماهو منهج المدارس الخارق الذي الذي يعلم أي لغة قراءة وكتابة في سبعة عشر يوماً؟ ان الرواية تبين أن زيدا كان يعرف كتاب اليهود أو السريانية أو العبرية من قبل, فقد تعلمها في مدارس اليهود, ثم وضع حديث أن النبي أمره بتعلمها بحجة أن النبي لايأمن كتاب اليهود,  وما ندري من هم اولئك اليهود الذين كانوا يراسلون النبي ويبعثون له بالكتب فاحتاج النبي لمترجم , فلم نسمع بهم ولم تحدثنا كتب السيرة والتاريخ بأن يهودا راسلوا النبي وأرسلوا له كتبا ورسائلا! أن القضية كلها كذبة كبيرة تقَّول بها زيد عندما صار ذو منصب  أيام الخلفاء الثلاثة الاوائل أبوبكر وعمر وعثمان, ومن يجسر على تخطئة من كانت السلطة وراءه ؟ فَسَرَت أقصوصة زيد على الناس ودونها الكتاب ومحا زيد بذكاءه وصمة أصله اليهودي . لقد كان بين المسلمين يهودا يعرفون لسان اليهود أمثال عبد الله بن سلام ومحمد بن مسلمة وغيرهم فما حاجة النبي لمراهق صغير لم يعرف الكتابة والقراءة إلا بعد معركة بدر كما روى ابن سعد في طبقات الصحابة. لم نجد في التاريخ والسيرة أن الانصار الذين لم يكونوا يهودا يعرفون اليهودية رغما عن معايشتهم لهم, ورغما عن جيرتهم وقرب مساكنهم , نستثني بعضا ممن كان يرطن بعض كلمات هنا وهناك. لذلك كانت معرفة زيد بلسان اليهود وفي سنه الصغير آنذاك تبدو نشازا في المجمتع ذلك. ان رواية تعلم زيد في  مدارس اليهود (ماسكة), يرويها المؤرخون ومنهم ابن كثير الدمشقي الذي يقول ( كان زيد بن ثابت يتعلم في مدارس ماسكة ، كاتبهم في خمس عشرة ليلة ، حتى كان يعلم ما حرفوا وبدلوا )(السيرة النبويةلابن كثير ج3 ص  176 ). إن اليهود لايقبلون الغرباء في مدارسهم, فمدارسهم لأبناء جلدتهم اليهود فقط ,ولما كان زيد بن ثابت ممن درس في مدارس ماسكة اليهودية قبل قدوم  النبي فأنه تلاعب في تاريخ حضوره لتلك الدروس وأدعى أنه حضر مدارس ماسكة بعد أسلامه  ,فهو لم يستطع أنكار حضوره في تلك المدارس فلفق انضمامه للمدارس بعد اسلامه,  ومضى الزمن وعلم الناس أن زيدا يتكلم لسان اليهود ويكتب كتابهم وحضر مدارس (ماسكة ) اليهودية في المدينة ولكن أختلطت عليهم الحقائق عندما روى زيد قصته التي تقول أنه تعلم ذلك بعد الاسلام, وهو أمر شبه مستحيل, فاليهود لايقبلوا غير اليهود في مدارسهم, وزيد بن ثابت منهم. وأما أدعاءه بأن النبي أمره بتعلم لسان اليهود فتعلمها في مدارسهم في سبعة عشر يوما فهي فرية أخرى فضحها  المؤرخ ابن سعد الذي بين أن زيد كان أمي لايقرأ ولايكتب قبل معركة بدر ويعني هذا أنه كان أمي عند قدوم النبي للمدينة, وزيد أدعى أن النبي أمره بتعلم لسان اليهود لأنه كان غير أمي فختم لسان اليهود بسبعة عشر يوماً , فتامل وزد عجبا!

قوة زيد السياسية والدينية
انتهز زيد بن ثابت فرصة تاريخية يوم وفاة النبي محمد (ص), ففي سقيفة بني ساعدة وقف متحمسا بجانب ابوبكر وعمر وأعوانهما, ليصير مع الفريق الغالب وهو فريق أبي بكر, ففاز بمتاع الدنيا. قال الذهبي: (لما توفي رسول الله قام خطباء الأنصار فتكلموا وقالوا رجل منا ورجل منكم فقام زيد بن ثابت فقال إن رسول الله كان من المهاجرين ونحن أنصاره وإنما يكون الإمام من المهاجرين ونحن أنصاره فقال أبو بكر جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار وثبت قائلكم لو قلتم غير هذا ما صالحناكم)( سير أعلام النبلاء للذهبي , ترجمة زيد) وكذلك روت المصادر الاخرى عن موقف زيد في السقيفة . أن قول زيد في أن الخليفة يجب أن يكون من المهاجرين ( من مدينة مكة) ,أنما سد به الباب على الانصار أهل يثرب, وجعل من أبابكر الذي هو من أهل مكة المرشح الأوحد!. هذا الولاء لابي بكر جعل من زيد من رجال الحكم والصفوة في عهد أبي بكر وعاد اليه موقفه ذلك بمغانم كثيرة, فأسدى له الخليفة مهمة جمع القران كما يقول المؤرخون : (عن عبيد بن السباق حدثني زيد أن أبا بكر قال له إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله  فتتبع القرآن فاجمعه فقلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله  قال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فكنت أتتبع القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال) ( سير أعلام النبلاء للذهبي, ترجمة زيد). وهكذا صار زيد بن ثابت كاتب نصوص الوحي وجامعها ,ولاندري كيف يموت النبي ودستور أمته القران مفرق على الرقاع والعظام ! إن زيدا بمنصبه ذاك فاق الجميع. أما في عهد الخليفة الثاني عمر  فقد صار زيد قاضي الدولة فياله من منصب رفيع لم يبق بين المسلمين أحد سوى زيد بن ثابت ليأخذه.
( حدثنا عبد الرحمن بن أَبي الزياد، عن أَبيه، عن خارجة بن زيد قال: كان عمر  كثيرًا ما يستخلف زيد بن ثابت إِذا خرج إِلى شيء من الأَسفار، وقلما رجع من سفر إِلا أَقطع زيدًا حديقةً من نخل. ).( تاريخ المدينة المنورة لابن شبة, ص162) , تأمل أن النص يرويه خارجة بن زيد بن ثابت كذلك!
وروى الذهبي : ( ما كان عمر وعثمان يقدمان أحدا في الفرائض , والفتوى, والقراءة, والقضاء على زيد. وقال خارجة بن زيد بن ثابت : كان عمر يستخلف أبي , فقلما رجع إلا أقطعه حديقة من نخل) (سير اعلام النبلاء للذهبي). ويروي ابن سعد كذلك في أكثر من موضع ( كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحدا في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة)
,(و خطب عمر بن الخطاب بالجابية فقال من كان يريد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت)  ,(واستعمل عمر بن الخطاب زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقا) (و كان عمر يستخلف زيد بن ثابت في كل سفر أو قال سفر يسافره وكان يفرق الناس في البلدان ويوجهه في الأمور المهمة ويطلب إليه الرجال)( النصوص عن طبقات الصحابة , لابن سعد)
 إين كان صحابة النبي المخلصون في عهد عمر كأمير المؤمنين علي  او ابن عباس أو  ابن مسعود وعمار بن ياسر وغيرهم من الصحابة الاوائل, حتى يصبح زيد الوحيد الاوحد في علم الفرائض والفتوى والقراءة والقضاء ! وكيف حصل على تلك الامتيازات واهمل الاخرون؟ أليس ذلك الا لتزلفه وقدرته على اقتناص الفرص والمناصب  كتصرفات اليهود للوصول الى مناصب مهمة في الحكم في كل العصور وحتى في عهدنا الراهن, ألا يدل ذلك على خيوط مؤامرة الخلفاء بإبعاد أصحاب النبي (ص) المخلصين وتقريب المتزلفين من ذوي الاصل اليهودي كزيد وابن مسلمة !
صار زيد مصدرا مهما من مصادر التشريع والفتوى ويعود الفضل في ذلك الى الخلفاء الثلاثة الاوائل ابوبكر, عمر وعثمان, وتقدم ذكر جهلهم في الفتاوى في أبسط الأمور فأسندوا مهمة ذلك الى  زيد بن ثابت وجعلوا باقي الصحابة الاوائل في معزل . فكان أسداء القضاء والفتاوى والفرائض ومهمة جمع القران الى زيد بن ثابت مسألة خطيرة أثرت على الفقه الاسلامي حتى اتبع الفقهاء في الاجيال التالية فتاوى زيد وتعليماته ولم يجدوا بدا من تقليده رغما عن كون زيد من الذين كانوا يقولون برأيهم  ! يقول المحقق المعاصر السيد مرتضى العاملي في بحث له تحت عنوان ( زيد وفضائله) :
(ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدا ، في القضاء والفتوي ، والفرائض والقراءة(تهذيب تاريخ دمشق ج5 , ص450  ، وطبقات ابن سعد ج 2 ،  تذكرة الحفاظ ج 1: ص 32 ، وكنزالعمال ج 16: ص 6  ) . ثم كان عبدالملك بن مروان من الذين يقولون بقول زيد (تهذيب تاريخ دمشق ج5, ص452 ) أما أبوه مروان ( يعني به أبو عبد الملك وهو مروان) ، فكان قد بلغ من اهتمامه بزيد : أن دعاه ، وأجلس له قوماً خلف ستر ، فأخذ يسأله ، وهم يكتبون ، ففطن لهم زيد ، فقال : يا مروان اعذر ، إنما أقول برأيي . ( تهذيب تاريخ دمشق ج5 ص452 ، وطبقات الصحابة لابن سعد ج2) وأتاه اناس يسألونه ، وجعلوا يكتبون كل شيء قاله ، فلما أطلعوه على ذلك قال لهم: ( لعل كل الذي قلته لكم خطأ ، إنما قلت لكم بجهد رأي) (تهذيب تاريخ دمشق ج5, ص452) ومع أنه يعترف بأنه إنما يفتي لهم برأيه ، فقد بلغ من عمل الناس بفتواه المدعومة من قبل الحكام : أن التابعي سعيد بن المسيب يقول في زيد: (لا أعلم له قولاً لا يعمل به ، فهو مجمع عليه في المشرق والمغرب)( تهذيب تاريخ دمشق ج5, ص452، وطبقات ابن سعد ج2 ) فانظر ماذا ترى؟)(انتهى).
 تأمل قول سعيد بن المسيب وهو من جيل التابعين لترى تأثير زيد في الفقه والفتوى .  
إن زيد بن ثابت اليهودي الاصل استطاع بذكاءه وتزلفه أن يكون من حزب ابي بكر الخليفة الاول, وحاز على ثقة الثاني عمر والثالث عثمان  وكان من القلائل المدافعين عن عثمان حتى اخر يوم ومعه كان أيضا محمد بن مسلمة اليهودي الاصل وعبد الله بن سلام اليهودي الاخر, وكأن القوم كانوا في تنظيم داخلي يحاولون كل جهدهم أبعاد الخلافة والإمارة عن علي بن أبي طالب , ونجحوا في ذلك وبثوا سمومهم اليهودية في الفقه والاحكام






ثروة زيد
نتيجة المناصب التي تسداها زيد بن ثابت في دولة الخليفة الاول والثاني والثاث اغتنى غنى فاحشاً!
(وقد بلغت ثروة زيد أنه خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار!) ( الغديرللعلامة الاميني ج8 ص 284, مروج الذهب  ج1 ص434), تخيل أرث من الذهب يكسره الناس بالفؤوس! وكان له جواري وعبيد منهم مملوك له اسمه وهيب كان مغنيا! ذكر البيهقي (زيد بن ثابت كان في أمارة عثمان على بيت المال فدخل عثمان فأبصر وهيباً يغنيهم، فقال: من هذا؟ فقال مملوك لي، فقال أراه يعينهم!! أفرض له ألفين، قال ففرض له ألفاً، أو قال ألفين) ( سنن البيهقي ج6, ص 348).
تأمل مغني مملوك لزيد يغني في بيت المال للترفيه عن زيد وعمال زيد وهم في بيت مال المسلمين , فزيد المسؤول المالي في دولة الخليفة الثالث عثمان! ومن بذخه أن كثرت جواريه حتى كان  يضاجع  بعض جواريه شهوة ولايرغب بولد منهن ,فقد حملت جارية له بولد فلم يعجبه ذلك فنفى الولد خارج البلد  وقال : ( كنت أطأها ولا أبغي ولدها ) (النص عن كتاب الام للشافعي ج7, ص242)
إن المناصب الرفيعة والأموال الطائلة التي جمعها زيد جعلته يوالي الخليفة الثالث عثمان حتى يوم مقتله ,ففي حصار الثوار للخليفة الثالث عثمان بن عفان في بيته  كان زيد من المدافعين عن عثمان , روى البلاذري:
( قال أبو مخنف في روايته : إن زيد بن ثابت الأنصاري قال : يا معشر الأنصار ! إنكم نصرتم الله ونبيه فانصروا خليفته ,فأجابه قوم منهم فقال سهل بن حنيف : يا زيد ! أشبعك عثمان من عضدان المدينة ـ والعضيدة نخلة قصيرة ينال حملها ـ فقال زيد : لا تقتلوا الشيخ ودعوه حتى يموت فما أقرب أجله. )( النص عن الغدير للعلامة الاميني , وعن أنساب الاشراف للبلاذري ج5, ص78).
وفي رواية أخرى يقول زيد للثوار دفاعا عن شرعيته في تملك الاموال والجواري والضيع :( قال زيد: اشتريت بمالي وقطع لي إمامي عمر ، وقطع لي إمامي عثمان .فقال له ذلك الرجل : أعطاك عمر عشرين ألف دينار ؟ قال: لا ، ولكن كان عمر يستخلفني على المدينة ، فوالله ، ما رجع من مغيب قط إلا قطع لي حديقة من نخل)(مصدر الرواية عن بحث للسيد مرتضى العاملي , تهذيب تاريخ دمشق ج5 ص 450) وفي لفظ للبلاذري ص 90 : (قال زيد للأنصار : إنكم نصرتم رسول الله ص فكنتم أنصار الله فانصروا خليفته تكونوا أنصارا لله مرتين. فقال  الحجاج بن غزية : والله إن تدري هذه البقرة الصيحاء ما تقول ، والله لو لم يبق من أجله إلا ما بين العصر إلى الليل لتقربنا إلى الله بدمه). ( الغدير للعلامة الاميني, ج9 ص 133) تأمل قول الثوار له : (أشبعك عثمان من عضدان المدينة)! فهم  يعرفون مكانة زيد عند عثمان وعند من سبقه.




عبدالله بن سلام بن الحارث  القينقاعي
 من يهود بني قينقاع في المدينة حلفاء قبيلة الخزرج, قال عنه ابن سعد وغيره من المؤرخين  أنه من احبار اليهود ( طبقات الصحابة لابن سعد)، قيل: إنه أسلم سنة ثمان هجرية أي قبل وفاة النبي بسنتين وقيل أنه أسلم عند أول قدوم النبي (ص) للمدينة.,والرأي الثاني هو المرجح عند المؤرخين ( الاصابة للعسقلاني , سيرالذهبي). كان اسمه  الحصين فغيره النبي الى عبدالله.  عندما يحاصر الناس الخليفة الثالث عثمان  يأتي عبد الله بن سلام إلى عثمان المحاصر فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرك. قال: أخرج إلى الناس فاطردهم عني، فإنك خارج خير إلي منك داخل فخرج عبد الله إلى الناس فقال: أيها الناس إنه كان إسمي في الجاهلية فلان (  المؤرخ لايسميه وانما يقول فلان) فسماني رسول الله  عبد الله و... فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فوالله لئن قتلتموه لتطردن جيرانكم الملائكة وليسلن سيف الله المغمود عنكم فلا يغمد إلى يوم القيامة. قالوا: اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان) ( أسد الغابة لابن الاثير ج3 ص246).
   وفي رواية ابن شبة صاح به الصحابة : (يايهودي , أشبع الله بطنك) , ثم يحصبوه بالحصى , ويكمل ابن شبة ( فحصبوه حتى شجوه, فدخل على عثمان وهو , فقال : ما شأنك يا أبايوسف. قال : كان لله علي حق, ولك علي حق, ولهم علي حق , فأردت ان أودي الذي يحق لله عليو ولك ولهم , فزعموا أني يهودي , وأنت أشبعت بطني يا أمير المؤمنين , فوالذي نفسي بيده إنك لفي كتاب الله المنزل الخليفة المقتول المظلوم) ( باختصار عن تاريخ ابن شبة)
تأمل قول عبد الله بن سلام لعثمان : ( أنك لفي كتاب الله المنزل) ويعني بكتاب الله المنزل التوراة كتاب اليهود, وهو عين قول اليهودي الاخر كعب الاحبار عندما قال ذلك لعمر قبيل مقتله وقد تقدم ذكر الرواية , فكل مؤامرة عندهم مدونة في كتبهم كما يزعمون! ثم تأمل قول الناس له :( يا يهودي!), وكأنهم يرون انه لم يترك سلوكه اليهودي حتى بعد أسلامه.
بعد مقتل عثمان روى ابن سعد في ابن سلام:
( سئل عبد الله بن سلام حين قتل عثمان كيف يجدون صفة عثمان في كتبهم قال نجده أميرا يوم القيامة على القاتل والخاذل , وقال عبد الله بن سلام يحكم عثمان يوم القيامة في القاتل والخاذل)( طبقات الصحابة لابن سعد ج3 ص 46). وهكذا يروي ابن سلام مايحلو له مدعيا أن مايقوله موجود في التوراة ويقول أنه عثمان مكتوب عندهم في كتبهم وسيكون أميرا يوم القيامة, وهي عين أقوال كعب الاحبار في عمر.  هذه العصبة اليهودية متفقة على  مفاهيم واحدة لنشرها بين المسلمين كما يبدو! ومن مفاهيم ابن سلام وقد ذكر مثلها غيره من اليهود المتأسلمين مايرويه ابنه  فيما يلي: يروي ابن عبد الله بن سلام عن أبيه حديثا يبين فيه أنه من الممكن قراءة التوراة بدل قراءة القران ! عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه : أنه جاء إلى النبي(ص) ، فقال( : إني قد قرأت القرآن والتوراة . فقال : اقرأ بهذا ليلة ، وبهذا ليلة .) ( اسد  الغابة لابن الاثير , ترجمة يوسف بن عبدالله بن سلام)  ياللعجب اقرأ ليلة قران وليلة ثانية اقرأ التوراة !إن هذا الحبر المتأسلم  يدس هذا الحديث لرفع قيمة التوراة, ويحث المسلمين على ذلك متقولا على النبي (ص) , فقد منع النبي المسلمين من قراءة كتب أهل الكتاب وأتى بعض المسلمين بنسخ من كتابات اليهود الى النبي اكثر من مرة وفي كل مرة كان النبي ينهى المسلمين عن ذلك كي لاتختلط المفاهيم الربانية الصافية وكما يلي:
 ( عن جابر بن عبدالله أن عمر بن الخطاب أتى النبي (ص) بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه النبي ، فغضب فقال : أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به ، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)( مسند أحمد  ج3 ص 387 )
فكيف يقول لابن سلام ( أقرأ بهذا ليله , وبهذا ليلة)!
إن العصبة اليهودية  ككعب الاحبار ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن سلام  عاشوا في سعادة أيام الخلفاء الثلاثة الاوائل,  كان كعب الاحبار يهوديا أيام أبوبكر لكنه سَعِدَ في عهد عمر وعثمان. هذه العصبة لم يرق لها تولي أمير المؤمنين علي  زمام الامور بعد مقتل عثمان , لمعرفتهم تنمر الامام في الحق و قوته لرد الامور كما كانت عليه أيام النبي محمد(ص) فأتفقوا جميعا على عدم مبايعته واخترعوا مفهوم ( الفتنة), وأظهروا أحقادهم اليهودية . وكان الحبر القينقاعي عبد الله بن سلام أحدهم فلم يبايع للامام  . روى الطبري في تاريخه (.....هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليا، ولم يبايعه قدامة بن مظعون، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة.). قال كتبة التاريخ بيهودية عبد الله بن سلام قبل أسلامه لشهرة كونه حبراً يهودياً , أما محمد بن مسلمة وزيد وغيرهم  فقد نجح كتبة التاريخ ومقلديهم في أخفاء أصولهم اليهودية .



دور اليهود في الهجوم على بيت فاطمة
تقدم في فصل السقيفة أن الخليفة الاول أمر عمر بن الخطاب وجمعا من الصحابة بالذهاب الى بيت الزهراء فاطمة بنت النبي  وأجبار من كان في بيتها على الخروج لبيعة الخليفة .  وفي هجوم ثاني على البيت يضع اولئك الصحابة النار عند باب بيت الزهراء ويروى أنهم أحرقوا الباب  وهددوا من في البيت بالخروج . ثم يؤتى بعلي بن ابي طالب بالقوة الى المسجد لمواجهة الخليفة لاجباره على البيعة.  لو سعى أي محقق في  تصفحه لكتب التاريخ لوجد أن رواية حصار بيت فاطمة والهجوم على من فيه رواية مسندة مذكورة في أغلب الكتب. وقد جمع الباحث المعاصر السيد عبد الزهرة الكعبي في كتابه ( الهجوم على بيت فاطمة) أكثر من تسعين مصدرا من مصادر جمهور السنة تؤكد حقيقة الهجوم على بيت فاطمة ويذكر كثير من تلك المصادر عملية جلب الحطب لحرق البيت على من فيه.
روى ابن أبي الحديد: ( كان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد الله في حصر بني هاشم في الشعب وجمعه الحطب ليحرقهم ويقول: إنما أراد بذلك ألا تنتشر الكلمة ولا يختلف المسلمون وأن يدخلوا في الطاعة فتكون الكلمة واحدة! كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم، لمّا تأخروا عن بيعة أبي بكر، فإنه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار) ( شرح نهج البلاغة ج 20 ص 147) , إن تبرير عروة لما فعله أخوه ومقارنة فعله بما فعل عمر دليل  على حقيقة حصار بيت فاطمة ع وأضرام النار على بابه.
وفي الرواية الاتية نرى أن معاوية يذكر علي بما حصل ويعيره بأنه أقتيد للبيعة بالقوة فيقول معاوية بن هند في رسالة له لعلي
 (وعلى كلهم بغيت عرفنا ذلك في نظرك الشزر، وقولك الهجر، و تنفسك الصعداء، و إبطائك عن الخلفاء، تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع وأنت كاره)( كتاب صفين, لنصر بن مزاحم المنقري المتوفي سنة 212 هجرية)
وأجاب أمير المؤمنين ( أما بعد، فقد أتاني كتابك.. وقلت: إني كنت أُقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع.. ولعمر الله لقد أردت أن تذمّ فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكّاً في دينه ولا مرتاباً بيقينه..)( ورد ذلك في مجموع خطب نهج البلاغة وشرحها, وكذلك في كتاب صفين لنصر بن مزاحم المنقري), و هذا دليل على أجبار الامام علي  على بيعة الخليفة الاول.
ومن دلائل الهجوم على بيت فاطمة هو رواية يتفق عليها المؤرخون تحكي ندم الخليفة الاول أبوبكر على مافعل. قال أبوبكر في آخريات أيامه :
(إني لا آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتها.. فوددت اني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا أغلقوه على الحرب) وقد مرت بنا الرواية في فصل الخليفة الاول مع مصادرها .
وروى الدينوري : (وأما علي والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام، فذهب إليهم عمر في عصابة فيهم أُسيد بن حضير وسلمة بن أسلم.. فقالوا: انطلقوا فبايعوا أبا بكر.. فأبوا، فخرج الزبير بن العوام بالسيف، فقال عمر: عليكم بالرجل فخذوه.. فوثب عليه سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده ; فضرب به الجدار،) ثم يسرد قصة هجوم ثان على بيت فاطمة فيقول: (أنّ أبا بكر تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي ، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنّها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص! إنّ فيها فاطمة! قال: وإن) ( الامامة والسياسة للدينوري)
ويروي كذلك أن فاطمة اجهضت حملها في ذلك الهجوم ومات جنينها الذي  سموه محسنا  بسبب دفع قنفذ العدوي : ( أن محسنا فسد من زخم قنفذ العدوي..) (الامامة والسياسة للدينوري)
وقال ابراهيم بن سيار النظام وهو من أئمة المعتزلة : ( أن عمر بن الخطاب رفس فاطمة فألقت محسنا )(عن شرح النهج لابن أبي الحديد)
وروى الشهرستاني المتوفي سنة 543  هجرية قول ابراهيم النظام :( وقال (أي النظّام): إنّ عمر ضرب بطن فاطمة  يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها..!! وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين ) ( كتاب الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص 58)
ويؤكد الطبري : (وتخلف علي والزبير واخترط الزبير سيفه وقال: لا أغمده حتى يُبايَع عليّ . فبلغ ذلك أبا بكر وعمر فقال عمر: خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر. قال: فانطلق إليهم عمر فجاء بهما تعباً، وقال: لتبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان) (تاريخ الطبري ج3 ص203).
وروى ابن عبد ربه:
(الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر: علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة، حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: إن أبوا فقاتلهم فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار.. فلقيته فاطمة فقالت: يابن الخطاب! أجئت لتحرق دارنا؟!  قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأُمة) (العقد الفريد  ج4 ص 242).
لقد كانت تلك الحادثة من أدق مراحل التاريخ بعد وفاة النبي , ففيها تم الامر للخليفة الاول وتم أبعاد الوصي علي عن الخلافة, وبذلك اطمأن الباغضون لعلي  في إبعاده عن كرسي الخلافة. الذين لعبوا دورا في ذلك وساهموا مساهمة مباشرة في توطيد حكم الخليفة الاول وفي أبعاد الوصي علي بن أبي طالب عن الخلافة كان قسم منهم من يهود العرب الذين أسلموا؟  ومنهم من شارك في الهجوم على بيت فاطمة ع ,( راجع فصل السقيفة وكيف تمت البيعة لتذكر أسماء المهاجمين جميعاً). فيما يلي أسماء المسلمين من ذوي الاصل اليهودي الذين شاركوا في الهجوم على بيت فاطمة ابنة النبي(ص):
محمد بن مسلمة الاشهلي ( وقد مرت  ترجمته)
سلمة بن سلامة بن وقش بن زاعوارا الاشهلي ( ابن عمة محمد بن مسلمة)
سلكان بن سلامة بن وقش بن زاعورا الاشهلي ( أخو سلمة بن سلامة وابن عمة محمد بن مسلمة)
سلمة بن أسلم بن حريش الاشهلي ( من بني عبد الاشهل).
زيد بن ثابت (مرت  ترجمته, واختلف المؤرخون في دوره في الهجوم على بيت فاطمة)
وهناك أسماء لآخرين لم تسعفنا كتب التاريخ بحقيقة يهوديتهم قبل الاسلام ولكن يهوديتهم من المرجحات لوجود قرائن عديدة في ذلك ندعو الله أن يوفق الباحثين يوماً في اظهار حقيقة يهودتهم . وفيما يلي بعض من اسمائهم التي ستثير جدلاً عند الباحثين حول حقيقة يهوديتهم , ونكرر أن إحتمال يهوديتهم وارد وليس مستحيلا فلا يحملنا القارئ على محمل المبالغة:
ثابت بن قيس بن شماس, زياد بن لبيد البياضي من بني زريق ( قائد حروب ردة اليمن في عهد الخليفة الاول), سهل بن خيثمة, بشر بن سعيد أو بشير بن سعد في بعض الطبعات وهو أول من صفق على يد ابي بكر في السقيفة.





الخليفة عمر ودوره في تأثير اليهود في دولة الخلافة !

تقدم  ذكر المكانة التي نالها كعب الاحبار عند الخليفة الثاني عمر , فقد جعل الخليفة لكعب الاحبار منبرا في مسجد النبي (ص) كي يقص على المسلمين حكاياته وأحاديثه التوراتية. ومثل ذلك أيضا حصل للراهب النصراني تميم الداري الذي نال مكانة عند عمر فكان أول القصاصين, ويروي ابن الاثير في تميم فيقول (وكان أول من قص, استأذن عمر بن الخطاب  في ذلك فأذن له)( اسد الغابة ج1 ص 395) . لم يكن عمر يقبل بوعظ وقص لباقي الصحابة , لكنه سمح لكعب ولتميم ما لم يسمحه لغيرهما. التفكر في هذه المسألة يقودنا الى تساؤل لايمكن تغافله ! لماذا هذا الاحترام من عمر لحبر يهودي دخل الاسلام بعد وفاة النبي (ص) بعشر سنين ؟ أن مراجعة سيرة عمر قبل الرسالة وبعدها سيبين سبب هذا التبجيل للحبر  كعب , وسيأتي تفصيل ذلك.          
 كذلك لم يترك عمر اليهود الذين أسلموا بل قربهم وهيأ لهم مناصب مهمة, فمنهم محمد بن مسلمة -الذي مرت ترجمته - حيث جعله عمر صاحب العمال في عهده فصار محمد بن مسلمة مستشار عمر في أمور الولاة على البلاد يراقبهم ويتحرى أخبارهم. ذكر ابن الاثير في محمد بن مسلمة (كان صاحب العمال أيام عمر ,كان عمر إذا شكي إليه عامل أرسل محمدا يكشف الحال وهو الذي أرسله عمر إلى عماله ليأخذ شطر أموالهم لثقته به)( اسد الغابة لابن الاثير ج5 ص 114) . فعل عمر مثل ذلك مع زيد بن ثابت الذي مرت  ترجمته أيضا  , فجعله عمر من المقربين له وولاه أشرف المناصب وهو قضاء الدولة كلها ,وكان يستخلفه على المسلمين حين يخرج في مهمة , لنكرر قراءة المصادر:
( كان عمر  كثيرًا ما يستخلف زيد بن ثابت إِذا خرج إِلى شيء من الأَسفار، وقلما رجع من سفر إِلا أَقطع زيدًا حديقةً من نخل. ).( تاريخ المدينة المنورة لابن شبة, ص162)
 ( ما كان عمر وعثمان يقدمان أحدا في الفرائض , والفتوى, والقراءة, والقضاء. وقال خارجة بن زيد بن ثابت : كان عمر يستخلف أبي , فقلما رجع إلا أقطعه حديقة من نخل) (سير اعلام النبلاء للذهبي). وروى ابن سعد : ( كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحدا في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة ).(و خطب عمر بن الخطاب بالجابية فقال من كان يريد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت)  (واستعمل عمر بن الخطاب زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقا) (و كان عمر يستخلف زيد بن ثابت في كل سفر أو قال سفر يسافره وكان يفرق الناس في البلدان ويوجهه في الأمور المهمة ويطلب إليه الرجال)( طبقات الصحابة , لابن سعد).
أن تقريب اصحاب الاصل اليهودي مثل زيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وتفضيل  كعب الاحبار والقسيس تميم الداري على باقي المسلمين يوحي لكل ذي عقل بما كان يخطط له عمر وما كان يسعى اليه. لقد كان ميل عمر الى اليهودية واضحا في جاهليته وهو ماسيتبين بعد قليل, وبعد أسلامه بقي عمر على ولائه وميله لليهود وهذا يفسر تقريبه لهم  وجعلهم من حاشيته.
إن معرفة ميول عمر قبل الاسلام تزيدنا معرفة به, لذا من الضروري سرد شئ من مواقفه قبل الاسلام ومواقفه بعد اسلامه تجاه اليهود وتجاه كتبهم وثقافتهم. يروي عمر على لسانه قصة اسلامه عندما ذهب الى بيت أخته وزوجها الذين دخلا الاسلام آنذاك (راجع فصل عمر) . كان عمر يهدد ويتوعد وهو في طريقه لبيت أخته كما بينت الرواية فهو لم يزل مشركا وكان نيته تأديب أخته وزوجها لارجاعهما الى دين قريش , وكان حازما كذلك على قتل النبي محمد(ص) كما تروي الرواية.  تقول الرواية أنه كان في طريقه لبيت أخته فيخبره رجل بأن الاولى به أن يقوم أهله وعائلته لأن أخته وزوجها قد اسلما ,فيسأل عمر مستفسرا هل حقا اخته وختنه من المسلمين فيؤكد الرجل ذلك ويقول:
(أختك وختنك! قال  (عمر) :فانطلقت فوجدت الباب مغلقا وسمعت همهمة قال ففتح لي الباب فدخلت فقلت ما هذا الذي أسمع عندكم؟ قالوا ما سمعت شيئا فما زال الكلام بيني وبينهم حتى أخذت برأس ختني فضربته ضربا فأدميته, فقامت إلي أختي فأخذت برأسي فقالت قد كان ذلك على رغم أنفك قال فاستحييت حين رأيت الدماء, فجلست وقلت أروني هذا الكتاب فقالت أختي إنه لا يمسه إلا المطهرون فإن كنت صادقا فقم فاغتسل, قال فقمت فاغتسلت وجئت فجلست فأخرجوا لي صحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم قلت أسماء طاهرة طيبة " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى.  قال: قلت بهذا جاء موسى ( الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) فتعظمت في صدري, وقلت من هذا فرت قريش! ثم شرح الله صدري للإسلام فقلت ( الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) ( تاريخ دمشق لابن عساكر ج44 ص 30, ونحوه في طبقات ابن سعد ج3 ص191, اسد الغابة لابن الاثير ج 4  ص162)
تأمل قوله : قلت بهذا جاء موسى!  فمن أين لعربي من قريش معرفة ماذا جاء به موسى وعرب قريش يعبدون الاصنام وأغلبهم أميون لايقرأون ولايكتبون ؟ إن عمرا كان له علم بدين اليهود قبل رسالة النبي (ص) وروايته يؤتنس بها على حقيقة ذلك. يضيف عمر في نهاية الرواية أن المسلمين أطلقوا عليه بعد أسلامه لقب الفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل بأسلامه ذلك اليوم ! فبعد أسلامه كما يروي على لسانه  صارت الدعوة الى الدين علنية, وفرح المسلمون بأنضمام عمر اليهم, وقد مر تفنيد الرواية في فصل ( الخليفة عمر), كما تقدم أيضا في فصل ( الامام علي ) ادعاء عمر لقب الفاروق لنفسه , وسيتبين تهافت هذا الادعاء في الاسطر القادمة.
 لم يترك عمر  فضوله ورغبته في تعلم اليهودية حتى بعد اسلامه وعلى الرغم من تحذير النبي للمسلمين بعدم قراءة كتب أهل الكتاب, تجد عمر لا يأبه لتلك الاوامر,  بل ظل على ديدنه في تعلم التوراة والتقرب الى اليهود وهو دليل آخر على تطبع عمر مع اليهود قبل الاسلام وبعده.
من المعلوم أن اليهود لايقبلوا دخول الغريب في مدارسهم ولايقبلوا الا المنتمي لدينهم, ولكن النص الاتي يبين أن هذه القاعدة لاتنطبق على عمر ,فعمر بعد أسلامه كان من التلاميذ المجتهدين على حضور دروس اليهودية في معابد اليهود كما يروي على لسانه : ( كنت أغشى اليهود يوم دراستهم , فقالوا مامن أصحابك أحد أكرم علينا منك لأنك تأتينا!)(كنز العمال للمتقي الهندي ج2 ص353) . هذا النص يبين مواظبة عمر على زيارة اليهود في يوم دراستهم . ومن الطريف أن عمر يستدرك مايقوله ليكمل قائلا في نفس النص أنه كان يحضر دروسهم محاولا هدايتهم الى الدين الجديد. لنكمل قراءة الرواية لنرى أعجوبة من أعاجيب أحاديث عمر حيث يروي أن النبي مر عليه وهو يكلم اليهود :
(فمر النبي (ص)وأنا أكلمهم يوماً ، فقلت أنشدكم بالله وما تقرؤون من كتابه أتعلمون أنه رسول الله ؟ قالوا : نعم فقلت : هلكتم والله ، تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه ؟! فقالوا لم نهلك ولكن سألناه من يأتيه بنبوته ؟ فقال : عدونا جبريل لأنه ينزل بالغلظة والشدة والحرب والهلاك ونحو هذا ، فقلت : ومن سلمكم من الملائكة ؟ فقالوا : ميكائيل ، ينزل بالقطر والرحمة وكذا ، قلت وكيف منزلتهما من ربهما ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه ، والآخر من الجانب الآخر . فقلت إنه لا يحل لجبريل أن يعادي ميكائيل ولا يحل لميكائيل أن يسالم عدو جبريل ، وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا. ثم أتيت النبي ، وأنا أريد أن أخبره ، فلما لقيته قال : ألا أخبرك بآيات أنزلت علي ؟ فقلت : بلى يا رسول الله فقرأ ( من كان عدواً لجبريل .. حتى بلغ ( الكافرين ) قلت يا رسول الله والله ما قمت من عند اليهود إلا إليك لا خبرك بما قالوا لي وقلت لهم ، فوجدت الله قد سبقني)( نص الرواية من كنز العمال وهي تكملة من النص السابق ). في  الرواية اعلاه يبدوا جليا  تأليف عمر للقصة , فاذا مر النبي على عمر وهو يحدث اليهود فما بال عمر بعد دقائق يأتي  الى النبي ليخبره بما حصل؟ أليس النبي واقفا هناك مع عمر ومع اليهود ويسمع الحديث من الطرفين . لكن عمرا يخطأ في حساباته  فينسى أنه قال (مر النبي علينا )فيستأنف ليقول أنه ذهب الى النبي ليخبره بما حصل وكأن النبي لم يكن حاضراً, وليس كذلك أنما يضيف نعمة لنفسه وهي أن الله أنزل قرآنا في تلك الحادثة بسببه.. لقد أراد عمر أن يبدي للناس أن النبي لم يعارضه على تواجده مع اليهود وحضوره في دروسهم ,لكن الرواية فضحت  نفسها بنفسها . إن تعلق عمر بدراسة التوراة يستهويه الى درجة أنه يسأل النبي  (ص) عن ذلك : ( سألت رسول الله عن تعلم التوراة , فقال لي لاتتعلمها وتعلموا ما أنزل عليكم وآمنوا به ) ( كنز العمال ج1 ص 372). لكن عمر لايأبه لنصيحة النبي فيمضي في زيارة اليهود وحضور دروسهم ويعيد السؤال مرة آخرى ويبين أن التوراة قد أخذت بمجامع قلبه , فيقول أنه سأل النبي  : ( يارسول الله أن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد اخذت بقلوبنا وقد هممنا أن نكتبها ! فقال النبي (ص) له : أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى , أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية) ( الدر المنثو للسيوطي ج 5 ص 148) ,وكلمة متهوكون تعني متهورون. وهناك رواية آخرى يرويها الصحابي جابر بن عبد الله الانصاري تبين أن عمر نسخ صحفاُ من كتب اليهود وأتى بما نسخ الى المسلمين ! قال جابر بن عبد الله  أن عمر أتى بكتاب أصابه من اهل الكتاب فقرأه, فغضب النبي (ص) وقال لعمر : (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب) ( مسند أحمد ج3 ص387) , ومثله : (عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي (ص) بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي  فغضب وقال (ص) : أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى كان فيكم حيا ما وسعه إلا أن تبعني) ( مجمع الزوائد للهيثمي  ج 1 ص 420)
(وعن عبد الله بن ثابت قال : جاء عمر إلى رسول الله فقال : يا رسول الله إني مررت بأخ لي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك ؟ قال : فتغير وجه رسول الله (ص) قال عبد الله - يعني ابن ثابت - : فقلت : ألا ترى ما بوجه رسول الله  ؟ فقال عمر : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا قال : فسري عن رسول الله , قال (ص) : والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين) ( مجمع الزوائد للهيثمي  ج 1 ص 420).
(وعن أبي الدرداء قال : جاء عمر بجوامع من التوراة إلى رسول الله (ص) فقال : يا رسول الله جوامع من التوراة أخذتها من أخ لي من بني زريق فتغير وجه رسول الله فقال عبد الله بن زيد الذي أري الأذان : أمسخ الله عقلك ألا ترى الذي بوجه رسول الله  ؟ فقال عمر : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما فسري عن رسول الله  ثم قال : والذي نفس محمد بيده لو كان موسى بين أظهركم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ضلالا بعيدا ,أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين)( مجمع الزوائد للهيثمي ج1 ص 421 ). تأمل جملة ( جوامع من التوراة)  , فالذي يعرف ويكتب جوامع من التوراة لابد أن يكون عالما بالتوراة في ذلك العهد وعمر من أولئك.
لقد كان عمر مصراً على تعلم كتب اليهود على الرغم من وصايا النبي, فيقول عمر في رواية أخرى أنه انتسخ كتابا من كتب اليهود وأتى به النبي (ص) وكما يلي : ( قال عمر أنطلقت أنا فاستنسخت كتاباً من أهل الكتاب ثم جئت به النبي محمد (ص). فقال النبي : ماهذا الذي في يدك ياعمر ؟ قال : قلت : يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علما إلى علمنا فغضب رسول الله  حتى احمرت وجنتاه ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار : أغضب نبيكم  ؟ السلاح السلاح ! فجاؤوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله  فقال الرسول (ص) : ( يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتمه واختصر لي اختصارا ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون ) ( المتهوكون : المتهورون ) . والتهوك مثل التهور وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة . قال عمر : فقمت فقلت : رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبك رسولا ثم نزل رسول الله (ص) (  مجمع الزوائد للهيثمي ج1 ص 173)
لقد وصل التأثر بالفكر التوراتي الى حفصة ابنة عمر من تأثير أبيها ,فيروي الزهري :
(أن حفصة بنت عمر جاءت إلى النبي ص بكتاب من قصص يوسف في كتف فجعلت تقرؤه عليه والنبي يتلون وجهه فقال : والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم) (النص عن  تدوين القرآن للعلامة  الكوراني ونقله عن مصنف عبد الرزاق الصنعاني ج6 ص 136)
لقد كان عمر عالما بالتوراة رغما عن أوامر النبي ,ففي أيام خلافته يأتيه رجل من عبد قيس فيعنفه عمر ويضربه ويقول له أن هذه العقوبة والتعنيف لانك كتبت سفر كتاب دانيال , ثم يأمره بمحي ما كتب ويقول له : (إنطلق فامحه بالحميم والصوف ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحداً من الناس . فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس لأنهكنك عقوبة)(كتاب الدر المنثور للسيوطي ج4 ص 3).
 ونقول ان  تسدي عمر لكرسي الخلافة جعله يقاطع نشر التوراة وتعليمها وفقا لأوامر النبي , وهو موقف يهلل له المدافعون عن عمر ليقولوا أن عمرا يتسنن بسنة النبي الكريم , لكن فاتهم أن الذي صار خليفة على أمبراطورية واسعة كدولة المسلمين آنذاك لابد أن يظهر نفسه بمظهر المطبق لسنة النبي محمد (ص) أمام الناس, فليس عجيبا أن يظهر عمر نفسه بمظهر الحريص على تعاليم النبي وان كان عمر قد غير وبدل كثيرا من تلك التعاليم كما تقدم في سيرته.ان عقوبته للرجل الذي كتب سفر دانيال كان إظهارا لعدم تعلقه ( تعلق عمر) بالتوراة واليهود. فالذي يقرب كعب الاحبار وتميم الداري ويفتح لهما بابا للوعظ والارشاد وقص القصص في منبر مسجد النبي ويمنع ذلك على غيرهم ,لابد أن كان يخطط لنشر أفكار اليهود وأهل الكتاب بين المسلمين . وقد تحقق ذلك فازدحمت كتب التاريخ والحديث بروايات كعب وهو ما أطلق عليه المفسرون وكتبة التاريخ بالاسرائيليات , وفضل نشر تلك الاسرائيليات يعود الى عمر !




اليهود يخلعون لقب الفاروق على عمر
يروي ابن عباس أنه سأل عمرا عن سبب حصوله على لقب الفاروق, فيجيب عمر في رواية طويلة ويذكر قصة أسلامه التي ذكرنا شيئا منها عندما ذهب لبيت أخته, ثم يكمل في ذات الرواية ويقول أن إسلامه كان السبب في اعلان دعوة الدين واخراج المسلمين من السرية والتخفي الى العلن( راجع تهافت هذه الدعوة وتسلسل عمر في الاسلام في فصل الخليفة الثاني عمر) ,وبذلك الاعلان أستحق لقب الفاروق ! ويروي كذلك  أنه أقنع النبي (ص) ليغير مسيرة تنظيم الدعوة من دعوة سرية الى  علنية , حيث يقول :
( فقلنا ففيم الإختفاء, والذي بعثك بالحق لتخرجن, فأخرجناه في صفين حمزة في أحدهما وإنا في الآخر له كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد, قال فنظرت إلي قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله  يومئذ الفاروق وفرق بين الحق والباطل)(   تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر ج 44 ص 30  ) . ماهي القوة الخارقة التي أضافها عمر الى المسلمين بإسلامه ؟ وقد مرت  سيرته في حروب المسلمين والتي أجمع المؤرخون بأختلاف مذاهبهم  على أن حصيلة ماقام به عمر في كل حروب المسلمين هو قتله لرجل واحد فقط! وقتله لذلك الرجل كان بالمشاركة مع مسلم آخر. فكيف صار عمر المفرق بين الحق والباطل؟ أين كان عمر عندما حاصرت قريش بني هاشم في شعب من شعب مكة؟ ذلك الحصار الذي مات فيه ناصر النبي عمه أبوطالب ووكذلك ماتت زوجته السيدة خديجة. إن لقب الفاروق الطنان الذي التصق بإسم عمر لانجد له معنى في سيرة الرجل, الا اذا كان قول النبي (ص) باطلا, وحاشى النبي الكريم عن ذلك.  إن لقب الفاروق لم يكن الا خلعة خلعها اليهود على عمر ردا لجميله معهم. يقول جمع من المؤرخين أن اليهود هم الذين اطلقوا على عمر لقب الفاروق وصاروا يسمونه بعمر الفاروق !
روى الطبري عن حقيقة لقب الفاروق فذكر آراء المسلمين في حصول عمر على لقب الفاروق : (عن صالح بن كيسان قال قال ابن شهاب بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر الفاروق وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم ولم يبلغنا أن رسول الله  ذكر من ذلك شيئا)( تاريخ الطبري ج2 ص562). وقد ورد مثل ذلك تماما  في كتاب الطبقات الكبرى للمؤرخ ابن سعد في ج3 ص 271. وكذلك ذكر المؤرخ ابن عساكر في كتابه تاريخ مدينة دمشق عين النص في الصفحة 51 من الجزء 44 من الكتاب.. روى ابن الاثير في عمر : (وسماه النبي (ص) الفاروق ,وقيل‏:‏ بل سماه أهل الكتاب)( الكامل لابن الاثير , باب نسب عمر وصفته). تامل استدراك ابن الاثير لما ذكر فهو يذكر ماهو شائع عند الناس وهو تسمية النبي لعمر بالفاروق ثم يقول أنه أهل الكتاب سموه كذلك.‏ ( راجع فصل الامام علي, باب سرقة الالقاب).




تهجير اليهود في عهد عمر الى فلسطين
على مر التاريخ كان دأب اليهود وديدنهم هو العودة الى بيت المقدس وفلسطين, ولازال هذا الامر قائما الى يومنا هذا , وقد تقدم ذكر ذلك  في بداية الفصل. حقق الخليفة الثاني عمر بن الخطاب هذا الحلم ليهود الحجاز فهجرهم الى فلسطين . إن النبي نفسه لم يفعل ذلك وكذلك الخليفة الاول, لكن عمر وربما بتأثير من كعب الاحبار اليهودي حقق حلم اليهود بالهجرة.  إن تحقيق الحلم اليهودي ذلك من قبل عمر موضوع يدعو للتأمل لمن لايعرف الثقافة التوراتية التي كان يحملها عمر ,ولمن لايعرف الرابطة القوية بين اليهود وبين عمر . أما الذي أدرك كنه العلاقة العميقة بين عمر وبين حبر اليهود كعب فسيدرك أن ذلك أمر متوقع. إن تهجير اليهود الى فلسطين في عهد عمر أحتاج الى مقدمة شرعية ونص لتنفيذ تلك العملية, وكان ذلك النص الشرعي حديثا  أدعى عمر بأنه سمعه من النبي نفسه  ! يقول النبي في حديثه الذي يرويه عمر :
 (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب . حتى لا أدع إلا مسلما)( راجع صحيح مسلم , سنن ابي داود, سنن الترمذي) وقد ذُكر الحديث بلفظ آخر وبأختلاف يسير أحمد بن حنبل في مسنده كما يلي: قال النبي  (ص) (لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أترك فيها إلا مسلما).أو كما رواه الترمذي في صحيحه (لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب). الحصيلة هي أخراج أهل الكتاب من جزيرة العرب كما شرع النبي وفقا للحديث  هذا, لكن المجلب للأنتباه أن الرجل الذي نقل هذا الحديث عن النبي ورواه للناس هو رجل واحد في كل كتب الحديث! إنه عمر بن الخطاب ,فهو الرواي الوحيد لهذا الحديث  وأنفرد به عن غيره من المسلمين, ماعدا حديث يرويه أبوعبيدة الجراح ويقول فيه أن آخر ماتكلم  به النبي قبل وفاته مايلي : ( أخرجوا يهودَ أهل الحجاز ، وأهل نجران من جزيرة العرب ، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) (مسند أحمد ج 3 ص 221, وذكره ابن عبد البر في التمهيد ج1 ص 169 . وكذلك حققه الالباني في السلسلة الصحيحة.)  ونقول أما قول أبوعبيدة أن الحديث هو آخر ماتكلم به النبي ففيه نظر, لأن النبي توفي ولم يكن ابوعبيدة حاضراً في وفاة النبي, بل كان من الذين طردهم النبي قبيل وفاته عندما قال لهم ( تبا لكم قوموا عني) ..(راجع قصة السقيفة)  , وقد ذكر البخاري قصة الطرد وسماها رزية يوم الخميس  في كتابه صحيح البخاري  إذن قول أبوعبيدة لم يكن ألا تقولا على النبي لأسناد احاديث صاحبه عمر بن الخطاب التي رواها في حق أخراج أهل الكتاب من جزيرة العرب, وكأن عمر وصاحبه أبوعبيدة دبرا أمر أجلاء أهل الكتاب من جزيرة العرب.
وذكر أبوهريرة كذلك حديثا يشبه حديث عمر يقول فيه:
(بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله فقال : (انطلقوا إلى يهود، فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس فقام النبي فنادى : يا معشر يهود : أسلموا تسلموا، فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم . فقال : ذلك أريد، ثم قالها الثانية، فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم، ثم قالها في الثالثة فقال : اعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله)( النص عن  صحيح البخاري, وصحيح مسلم) . سؤال يطرح نفسه الان : إذا كان  النبي  يريد أجلاء اليهود عن ديارهم , فما الذي منعه من تهجيرهم ذلك اليوم؟ أوفي اليوم الذي يليه أوفي سنة بعدها؟ كل ما كان  يقوله النبي ينفذه المسلمون والدولة قوية فلماذا التأخير؟ ولماذا لم يقم الخليفة الاول أبو بكر بذلك  في عهد  حكمه تنفيذا لأمر النبي؟  ولماذا أنتظر عمر بن الخطاب مدة من زمن في حكمه ثم فجأة يعتدي  يهود خيبر على ابنه عبد الله ويفدعوا يديه وهو نائم فيغضب عمر  ويجلي اليهود بعد حادثة الاعتداء تلك ,وسيأتي ذكر حادثة الاعتداء . القضية تبدو للمدقق أنها مدبرة فأحاديث النبي في أجلاء اليهود رواها عمر لوحده, ثم عزز تلك الاحاديث صاحبه أبوعبيدة  عندما أدعى ان النبي أوصى قبل موته بأجلاء اليهود, وكأن إجلاء اليهود أهم من أمر الخلافة والأمامة وقيادة الامة فمات النبي بلا وصية سوى من هم واحد  ألمَّ به وأرق ليله وهو تهجير اليهود, فياللعجب! ثم يأتي أبوهريرة بحديثه الذي لم ينفذه النبي (ص) نفسه ولم يعمل به وكذلك الامر كان زمن خلافة الاول وشيئا من خلافة الثاني عمر.
الاحاديث النبوية أعلاه كانت مقدمة شرعية لخطة في قلب عمر لأجلاء اليهود وتسفيرهم الى أريحا في فلسطين , ثم حصلت واقعتين سمع بها الناس في خلافة عمر جعلت عمر يقوم خطيبا على الناس ويأمر بطرد اليهود , لنقرأ النصوص :
 (عن يحيى بن سهل بن أبي حثمة قال : أقبل مظهر بن رافع الحارثي إلى أبي بأعلاج ( عمال أجانب)من الشام عشرة ليعملوا في أرضه فلما نزل خيبر أقام بها ثلاثاً فدخلت يهود للأعلاج وحرضوهم على قتل مظهر ودسوا لهم سكينين أو ثلاثاً فلما خرجوا من خيبر، وكانوا بثبار وثبوا عليه فبعجوا بطنه فقتلوه ثم انصرفوا إلى خيبر فزودتهم يهود وقوتهم حتى لحقوا بالشام ، وجاء عمر بن الخطاب الخبر بذلك فقال : إنى خارج إلى خيبر فقاسم ما كان بها من الأموال ، وحاد حدودها ومورف أرفها ومجل يهود عنها ، فإن رسول الله ص قال لهم أقركم ما أقركم الله ، وقد أذن الله في إجلائهم ففعل ذلك بهم)  ( النص عن تدوين القران للعلامة الكوراني ص  527 , ونقله عن طبقات ابن سعد , كنز العمال ج 4 ص 509)
إن الاجلاء لم يتم الا بعد الاعتداء على ابن عمر كما في الرواية الاتية:
( قال ابن اسحاق : وحدثني نافع ، مولى عبدالله بن عمر ، عن عبدالله بن عمر ، قال : خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها ، فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا ، قال : فعدي عليَّ تحت الليل ، وأنا نائم على فراشي ، ففدعت يداي من مرفقي ، فلما أصبحت استصرخ عليَّ صاحباي فأتياني فسألاني من صنع هذا بك ؟ قلت : لا أدري ، قال : فأصلحا من يدي ، ثم قدما بي على عمر ، فقال: هذا عمل يهود ، ثم قام في الناس خطيباً فقال : أيها الناس إن رسول الله  كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا ، وقد عدوا على عبدالله بن عمر ، ففدعوا يديه كما قد بلغكم ، مع عدوهم على الأنصاري قبله ، لا نشك أنهم أصحابه ، ليس لنا هناك عدو غيرهم ، فمن كان له مال بخيبر فليلحق به ، فإني مخرج يهود ، فأخرجهم )(. تدوين القران للكوراني ص 527, وعن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 389)
وقال عمر في خطبة له يبين سبب تهجيره ليهود خيبر (وأن عبدالله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه ، وليس لنا هناك عدو غيرهم ، هم عدونا وتهمتنا ... فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال وغير ذلك )(  تدوين القران للكوراني العاملي ص 527, وعن  صحيح مسلم ج 5 ص 27 ، وأبو داود ج 2 ص 35 وأحمد ج 1 ص 14 ، والبيهقى في سننه ج6 ص115 و135 وج9 ص56 و137 و207 و208 و224، وابن شبة في تاريخ المدينة ج1 ص176 ـ 194 والسيوطى في الدر المنثور ج3 ص 228 ، والهندي في كنز العمال ج 4 ص 503)
وبذلك تم أجلاء اليهود في عهد عمر الى تيماء في شمال الجزيرة والى أريحا بفلسطين كما روى البخاري في صحيحه  ج 4 ص 61. وبذلك التهجير تحقق حلم كبير كان يراود اليهود منذ عهد  تهجيرهم القسري على يد الرومان ,وتم لليهود العودة الى فلسطين في عهد عمر , فهل يوحي هذا التهجير المخطط له مسبقا  اليك بشئ ايها القارئ؟ أنه يبين تعاون اليهود وأحبارهم مع عمر في سبيل تحقيق أمنية اليهود التي لم تتغير ولن تتغير منذ العهود الغابرة وحتى يومنا هذا, ويبين كذلك دور عمر المهم والذي لن ينساه اليهود ابدا, فكان أن خلعوا عليه لقب الفاروق كما تقدم.



انتهى فصل ( دور اليهود في المؤامرة على النبي (ص), 
ويليه بتوفيقه تعالى فصل :
( أعداء النبي وأعداء آله (ص) مجمع رذائل وأصحاب أصل وضيع)
مروان