الأحد، 1 نوفمبر 2015

3- قصة السقيفة وكيف تمت البيعة \ مؤامرة المسلمين على النبي محمد(ص)



الفصل الثالث من كتاب مؤامرة المسلمين على النبي محمد (ص)


-3-قصة السقيفة وكيف تمت البيعة, وكيف تم الانتخاب؟

بعد وفاة النبي (ص) واجهت المسلمين مسألة من سيكون الخليفة من بعده ؟ وتقدم ذكر أراء الفريقين في نظام الحكم ,وكانت تلك المشكلة الاولى في افتراق المسلمين الى فريق يؤمن بأن الخلافة للامام علي بن ابي طالب بنص من النبي (ص) , وفريق لايؤمن بذلك.  الذين لم يؤمنوا بأحقية علي بن ابي طالب في الخلافة خرجوا من مسجد النبي (ص) والنبي مُسجى , وذهبوا الى منطقة في المدينة يقال لها السقيفة. السقيفة هي ساحة في يثرب ( المدينة المنورة) تم فيها تنصيب الخليفة الاول أبوبكر والنبي (ص) لم يُدفن بعد .
فيما يلي الشخصيات الرئيسية التي كانت حاضرة في السقيفة وينقسمون الى جماعتين , الجماعة الاولى وهم أهل مكة من قبيلة قريش ويسمون بالمهاجرين, والثانية هم اهل المدينة (يثرب) ويسمون بالانصار لأنهم نصروا النبي (ص) في دعوته.
الخليفة الاول ابوبكر بن ابي قحافة ( مهاجر من قبيلة قريش )
عمر بن الخطاب العدوي ( مهاجرمن قبيلة قريش )
أبوعبيدة عامر بن الجراح (مهاجر من قبيلة قريش )
عبد الرحمن بن عوف الزهري (مهاجر من قريش)
سعد بن عبادة الخزرجي ( أنصاري من أهل المدينة وهو سيد قبيلة الخزرج , معارض لخلافة أبي بكر ) 
الحباب بن منذر . ( أنصاري من اهل المدينة)
زيد بن ثابت ( أنصاري من المدينة من المؤيدين للخليفة أبو بكر, يهودي الاصل . سيرته ستأتي في فصل دور اليهود في المؤامرة )
أسيد بن حضير الكتائب الاوسي( انصاري من سادات قبيلة الاوس الانصارية  من المؤيدين لأبي بكر وحزبه لحسده لسيد الخزرج سعد بن عبادة , كان اسيد من المتخلفين عن معركة  بدر كما في  شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج14 ص 186 ، عيون الأثر لابن سيد الناس  ج1 ص 3251 ,سيرة ابن حبان ج1 ص182)
بشير بن سعد ( أنصاري من أهل المدينة من المؤيدين لأبي بكر ومن الحسودين لسيد الخزرج سعد بن عبادة)
وستاتينا سير حياة هؤلاء بتفصيلاتها في فصول الكتاب القادمة .

تهيئة المنصب:
بعد وفاة النبي (ص) طاف عمربن الخطاب بالناس وهو يصيح مقسما: (والله ما مات رسول الله. والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك. وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. وجاء أبو بكر فقال: أيها الحالف على رسلك. فلما تكلم أبو بكر جلس عمر.).(صحيح البخاري, باب فضائل ابوبكر).  كانت غاية عمر هي تهدئة الناس كي لا يطمعوا في الخلافة حتى وصول صاحبه أبوبكر, وفي الروايات اثبات ذلك :
أعلن العباس عم النبي وفاة النبي (ص) في المسجد فقام عمر منفعلاً وقال:
) ان رسول الله لم يمت, ولكن ربه أرسل اليه كما ارسل الى موسى فمكث عن قومه اربعين ليلة, والله أني لارجو أن يعيش رسول الله حتى يقطع ايدي رجال من المنافقين والسنتهم يزعمون أن رسول الله قد مات, لا اسمع رجلا يقول مات رسول الله الا ضربته بسيفي هذا!) (مسند احمد ج 3 ص 196 , سنن الدارمي ج1 ص 139 , كنز العمال  ج 7 ص 244 , السيرة النبوية لابن كثير ج4 ص 178.)
فقال العباس عم النبي:
 ( إن رسول اللّه يأسَنُ كما يأسَنُ البشر، وإن رسول اللّه قد مات فادفنوا صاحبكم، أيميت أحدكم إماتة ويميته إماتتين ؟! هو أكرم على اللّه من ذلك، فإن كان كما تقولون فليس على اللّه بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء اللّه. ما مات حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً .)( عبد الله بن سبأ للعلامة العسكري عن طبقات ابن سعد ج 2 ص 53, أنساب الاشراف للبلاذري ج1 ص 567, سنن الدارمي ج 1 ص39 ،  كنز العمال ج4 ص 53 , نهاية الارب  للنويري ج 18 ص 286 )
فقام رجل في آخر المسجد واسمه عمرو بن قيس بن زائدة فقرأ الاية :( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم), فقال المغيرة بن شعبة لعمر : يا عمر مات رسول لله , فقال عمر بل كذبت فأنت رجل تحوسك فتنة , والله أن رسول الله لايموت حتى يفني الله المنافقين) ( مسند احمد ج 3 ص 196 , سنن الدارمي ج1 ص 139 , كنز العمال ج 7 ص 244 سيرة ابن كثير ج4 ص 178. ). لم يأبه عمر لقول الرجل بل استمر في صياحه  : (فما زال عمر يتكلم حتى أزبدَّ شَدْقاه)(  أنساب الاشراف للبلاذري ج1 ص 567, طبقات بن سعد ج2 ص 53, كنز العمال ج4 ص 53 ) , -أزبد شدقاه تعني أن جوانب فمه أمتلأت باللعاب وبزبد ريقه من كثر الصياح والانفعال-. في اثناء ذلك يصل رجل اسمه  سالم بن عبيد الاشجعي الى بيت أبي بكر في منطقة السنح ليعلمه بوفاة النبي. (تاريخ ابن كثير ج5 ص 244), ومنطقة السنح تقع في اعالي المدينة وتبعد بأميال عن بيت النبي ومسجده, وهذا يعني أن أبابكر كان في بيته الذي يبعد بأميال عن بيت النبي ولم يشهد وفاة النبي وكان المفروض وقتها أن يكون أبوبكر في سرية أسامة بن زيد التي أمر بها النبي لتخرج خارج المدينة , وقال النبي في ذلك عندما سمع تخلف بعض الصحابة عن الخروج ( انفدوا سرية أسامة لعن الله من تخلف عنها), وقد تقدم ذكر ذلك في الفصل السابق. روى الهندي :(فما أن جاء  أبوبكر من بيته في السنح حتى جلس عمر) (كنز العمال ج 4 ص53) وكذلك روى البخاري كما تقدم  , إذن اطمأن عمر بوصول صاحبه ,فجلس!. 
روى ابن سعد  أن أبابكر عندما دخل المسجد ورأى عمر في صياحه وانفعاله قال ابوبكر لعمر : ( ايها الحالف على رسلك ,أن الله يقول أنك ميت وأنهم ميتون, وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأمن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم... ) ثم اردف قائلاً  (من كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات.) وفي لفظ آخر قال أبوبكر ( ومن كان يعبد محمدا فقد هلك الهه!). ( الطبقات لابن سعد  ج 2 ص 54, تاريخ الطبري ج 1 ,السيرة النبوية لابن كثير, السيرة الحلبية ج 3 ص 392, سنن ابن ماجة حديث رقم 1627 , المصادر الثلاثة الاخيرة عن كتاب ابن سبأ للعلامة العسكري ,باب السقيفة)
فقال عمر: هذا في كتاب اللّه ؟ قال ابوبكر: نعم(طبقات ابن سعد ج2 ص 54).
فقال عمر: (واللّه ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت على الارض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول اللّه قد مات)( ابن سبأ للعلامة العسكري باب السقيفة , وعن سيرة ابن هشام ج4 ص334, تاريخ الطبري ج 2 ص444, البداية والنهاية لابن كثير ج5 ص 242, الكامل لابن الاثير ج2 ص 242,  شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1 ص 128،  كنز العمال ج4 ص 48 الحديث 1053، ونهاية الارب  للنويري).
الاية التي تلاها أبوبكر وهي آية ( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل أنقلبتم على اعقابكم) هي ذات الاية التي تلاها قبله بقليل الصحابي عمرو بن قيس بن زائدة الذي كان جالساً في نهاية المسجد , فلماذا لم يصدقه عمر بن الخطاب بينما صدق أبابكر عندما قرأ نفس الاية؟ ثم أعقب ذلك بتجاهل قائلا : هذه الاية في كتاب الله؟  هذه الاية أنزلت بعد معركة أحد أي قبل وفاة النبي بما يقارب عشر سنين ,وسمعها الصحابة ونزول الاية كان  بسبب فرارهم عن النبي في معركة أحد ,وظنوا حينها أن النبي قد قُتل وعمر بن الخطاب كان أحد أولئك الصحابة الفارين- وسيأتي ذكر ذلك في فصل ( عمر )-, فعمر كان يعرف الاية  لكنه تجاهلها قبل مجئ أبوبكر , ثم سكت عندما قالها أبوبكر !وهذا يدل على تخطيط مسبق لتهيأة الخلافة لأبي بكر . بالاضافة الى ذلك, المتأمل في اعلاه سيتذكر قصة رزية يوم الخميس التي تقدم ذكرها عندما طلب النبي (ص) كتاب ودواة وصاح عمر ومن معه بأن النبي قد غلبه الوجع فاتركوه ,وفي رواية أخرى يقول عمر ان النبي (ليهجر) ! والهجر هو التخريف الذي يحصل للرجل قبل الوفاة. اذن عمر كان على يقين من موت محمد ولذا يصفه بالذي يهجر , واغلب المسلمين عرفوا أن ذلك العام كان اخر عام مع النبي فقد قال النبي الكريم لهم اكثر من مرة : نعيت لي نفسي.. وقال في حجة الوداع أمام الناس: )إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني هذا العام مرتين، وما أراه إلا قد حضر أجلي( (صحيح البخاري باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ، الطبقات لابن سعد ج2 ص 194), وقد رأى العباس (عم النبي) ذات ليلة في منامه أن القمر قد رفع من الأرض إلى السماء. فقال النبي(ص)  له: هو ابن أخيك. وقال العباس: عرفنا أن بقاء رسول الله  فينا قليل (طبقات ابن سعد), وقال النبي قبل رحيله بليلة لأبي مويهبة: )إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة... لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي) (دلائل النبوة، البيهقي ج7 ص 162  ، البداية والنهاية لابن كثير ج 5 ص 224), فموت النبي (ص) لم يكن مستحيل الوقوع , بل عرف الناس جميعا أن النبي يموت كباقي البشر ,واحتمال موته في ذلك العام أو في العام الذي بعده حتم سيحصل, فليس هناك مفاجأة في ذلك . وإذا فاتت عمر هذه الاية فما قوله في غيرها من الايات مثل آية: ( أنك ميت وانهم ميتون)( الزمر30) أو الاية  ( أينما تكونوا يدرككم الموت)( النساء87) أو الاية(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.)(آل عمران144) أو آية( كل نفس ذائقة الموت )( ال عمران 185), فكيف يقول : (ولله ما مات رسول الله.) ؟
عمر ناقض ما قال في يومه السابق , فإذا كان حقاُ يعتقد بخلود النبي كما صرح, أو يؤمن أن ذلك اليوم ليس يوم النبي الأخير ,فلماذا تخلف عن سرية أسامة متحججا بمرض النبي وبصغر القائد أسامة؟ وكيف يقول أن النبي ليهجر والهجران هو التخريف قبل ساعة الموت؟  ما حصل بين وهو كمايلي :  عند وفاة النبي  أراد عمر تهدئة المسلمين  منتظرا  مجئ  صاحبه أبوبكر من بيته البعيد في منطقة السنح بالمدينة, فما فعله كان تخطيطاً  لصاحبه ابوبكر و حتى تكون له بعد ذلك , وتحقق ذلك كما خُطط له , وفي ذلك يقول  أمير المؤمنين علي في خطبة حول الخليفة الاول وصاحبه عمر : ( لشدا ما تشطرا ضرعيها) .( الخطبة الشقشقية في  نهج البلاغة) ,  والخطاب بصيغة المثنى فهو يقصد عمرا وابابكر بذلك, وتشطر الضرع مثل يُضرب لمن يقاسم ما تأتي به الناقة من الحليب , فهما تقاسما الخلافة وكذلك يقول كما سيأتي بعد قليل : (احلب يا عمرحلبا  لك شطره ، اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا).  نعود لتكملة الرواية , بعد كلام أبوبكر في المسجد وبعد سكون عمر واطمئنانه بوجود صاحبه ,قال عمر : (يا ايها الناس هذا ابوبكر وهو ذو شيبة المسلمين فبايعوه )( مسند احمد ج3 ص 196 , سنن الدارمي ج 1 ص 39 , كنز العمال 7 ص 144  , السيرة النبوية لابن كثير  ج4 ص 144) وقول عمر هذا دليل آخر على تخطيط عمر وأبوبكر للحصول على الخلافة.
ثم يأت آت بخبر اجتماع الانصار في سقيفة بني ساعدة ( الانصار هم سكان المدينة الاصليين الذين نصروا النبي في المدينة وأسكنوا المسلمين المهاجرين من مكة في المدينة, ويتكون الانصار من قبليتين  الاولى قبيلة الخزرج وشيخها سعد بن عبادة الانصاري , والثانية قبيلة الاوس وشيخها أسيد بن حضير , وسقيفة بني ساعدة هي ساحة مسقفة  في المدينة يجتمع فيها الناس )
روى ابن هشام : ( لما أتى الخبر الى أبي بكر وعمر , كان رسول الله في بيته لم يُفرغ من امره قد أغلق الباب دونه أهلُه) ( السيرة لابن هشام ج4 ص271)
ويعني هذا انشغال أهل النبي (ص) وهم  بنو هاشم في تجهيز النبي لمثواه , والعباس عم النبي وعلي بن أبي طالب من بني هاشم. وقول ابن هشام ( لما أتى الخبر ) يعني به وصول خبر أجتماع الانصار في سقيفة بني ساعدة. وكان المغيرة بن شعبة  هو الذي اعلم أبابكر وعمرا بذلك فقال لهما ( ان كان لكم بالناس حاجة فأدركوهم, فتركوا رسول الله كما هو وأغلقوا الباب دونه وأسرع أبوبكر وعمر وأبوعبيدة الى سقيفة بني ساعدة)( البدء والتاريخ للمقدسي ج5 ص65). فخرج ابوبكر وعمر مسرعين يركضان نحو السقيفة ( فانطلق  أبوبكر وعمر يتقاودان ) (تاريخ الطبري ج 3 ص 203 ),وبلفظ ابن كثير ( فأنطلق أبوبكر وعمر يتعاديان ) ( السيرة النبوية لابن كثير ج4 ص 491) , وقوله يتعاديان أي يتراكضان ويسبق أحدهما الآخر في سيرهما السريع نحو السقيفة.
روي النويري المتوفى 721 هجرية في كتابه نهاية الارب :
(قال عمر لأبي بكر لما أتاه خبر أجتماع القوم في السقيفة : أما علمت أن الأنصار قد أجتمعت في سقيفة بني ساعدة ( السقيفة هي مظلة يجتمع تحتها الناس) على أن يولى هذا الأمر سعد بن عبادة. وأحسنهم مقالة من يقول منا أمير ومنكم أمير!فخرجا مسرعين نحو السقيفة وجمعا في طريقهما عددا من المهاجرين وتنازعوا بين الذهاب أو حسم الأمر بينهم دون الأنصار. ثم قرروا الذهاب.حيث قال عمر: والله لنأتينهم.) . هذه الاستعدادات والتخطيطات  حدثت والنبي مسجى ميت لم يجهز ولم يدفن بعد , لقد ترك الصحابة رسولهم ميتا وخرجوا يتنازعون على الامر ,فتأمل وفاء الصحابة للنبي! ثم أن قول عمر : والله لنأتينهم ! دليل آخر على تخطيط لهذا الامر. ولما وصلوا للسقيفة , كان الانصار مجتمعين فيها ومعهم شيخ الانصار سعد بن عبادة الانصاري وكان يومها مريضاً جالساً وكذلك كان هناك الحباب بن منذر الانصاري مع لفيف من قومه.
صاح أبو بكر في أهل السقيفة قائلا: ان العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أواسط العرب دارا ونسبا... وصاح أحد الانصار: منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش..( بتصرف عن نهاية الارب للنويري). فقام عبدالرحمن بن عوف، وتكلم فقال: يا معشر الانصار! إنكم وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعليّ. وقام المنذر بن الارقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، وإنَّ فيهم لرجلاً لو طلب هذا الامر لم ينازعه فيه أحد ـ‍ يعني علي بن أبي طالب ـ)( ابن سبأ للعلامة العسكري , باب السقيفة وعن تاريخ اليعقوبي المتوفي سنة  284 هجرية) (فقالت الانصار أو بعض الانصار: لا نبايع إلاّ عليّاً)( شرح ابن أبي الحديد ج 1 ص 122 حيث يروي : إن الانصار لمّا فاتها ما طلبت من الخلافة قالت لا نبايع إلاّ علياً)(ومثله في الموفقيات ج2 ص 8  للزبير بن بكّار المتوفى 256 هجرية ). كان علي بن أبي طالب غائبا عما يجري في السقيفة فهو بجانب النبي (ص) المسجى, لم يتركه ميتاً ليخرج ينازع الناس.
بعد ذلك تعالت الاصوات في السقيفة حتى قال الحباب بن منذر يدعو قومه الأنصار: ( يا معشر الأنصار ، املكوا عليكم أمركم ، فإن الناس في ظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولا يصدرون إلا عن رأيكم . أنتم أهل العز وأولو العددوالمنعة وذوو البأس ، وإنما ينظر الناس ما تصنعون ، ولا تختلفوا فيفسد عليكم أمركم ، إن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنكم أمير ). (تاريخ الطبري ج2  حوادث سنة 11 )
فيقول عمر بن الخطاب : (يا ايها الناس هذا ابوبكر وهو ذو شيبة المسلمين فبايعوه ).
ليرد الحباب بن المنذر : ( يا معشر الأنصار ,لا تسمعوا مقالة هذا ( يقصد عمربن الخطاب) وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم فأجلوهم من هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور ، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم ، فإنه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين ، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب( الجذيل تصغير الجذل وهو أصل الشجرة والمحكك عود ينصب في مبارك الابل !) أنا أبو شبل في عرينة الأسد ، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة - أي فتية - . فقال عمر : إذا ، ليقتلك الله ! فرد عليه الحباب : بل إياك يقتل..(تاريخ الطبري ج2 ص 446 حوادث سنة11هجرية ، سيرة ابن هشام ج 1 ص 65) وقيل أن عمر ضرب الحباب على انفه اثناء ذلك(كنز العمال للمتقي الهندي ج 3, حول السقيفة).
وقال سعد بن عبادة شيخ الانصار لعمر بن الخطاب: (أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض، لسمعتم مني في أقطارها زئيرا، يخرجك أنت وأصحابك. ولألحقنك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز)(الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج1 ص 10 ، تاريخ الطبري ج2 ص 459.)
وصاح أبو عبيدة عامر بن الجراح: (يا معشر الأنصار أنكم اول من نصر وآزر. فلا تكونوا أول من بدل وغير..)-( أبوعبيدة عامر بن الجراح هو أحد الثلاثة المتحالفين في السقيفة وهم : ابوبكر , عمر وأبوعبيدة ثالثهم)- وطالب بشير بن سعد الانصاري قومه من الانصار بالتخلي عن هذا الأمر لقريش ابتغاء وجه الله. والحقيقة أن بشير بن سعد كان حاسدا لشيخ الانصار سعد بن عبادة فتحزب مع الثلاثة ابوبكر وعمر وأبوعبيدة, ضد شيخ الانصار سعد بن عبادة.
وقام زيد بن ثابت (وهو من يهود المدينة  الذين أسلموا عند هجرة النبي وهومن المتحمسين لأبي بكر) ، فقال : إن رسول الله كان من المهاجرين ونحن أنصاره ; وإنما يكون الإمام من المهاجرين ونحن أنصاره 
وقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا.) وفي أثناء ذلك الجدال تدخل قبيلة أسلم المدينة وتحرس الطرق والدروب لنصرة أبي بكر وعمر وأبي عبيدة , وفي ذلك يقول  عمر بن الخطاب عندما علم بدخول قبيلة أسلم  وسيطرتها على المدينة : (ما هو إلا أن رأيت أسلم. فأيقنت بالنصر).) الكامل لابن الأثير ج 2 ص 224 ) .( ومن شيوخ قبيلة اسلم المنافق سفيان بن عوف المكنى بأبي الاعور السلمي وله دور في محاولة اغتيال النبي كما سيأتي في فصل رحيل النبي ).
تأمل أيها القارئ أن هناك تخطيطا عسكريا لتثبيت حكم أبي بكر وليس الامر كما يقول من يقول ان بيعة الخلافة تمت باتفاق جميع الصحابة, أو أنها كانت بوصية من النبي (ص), فلو كانت بوصية من النبي لاغرقنا المؤرخون بذلك النص ولكن لاوجود لذلك النص إلى اليوم  سوى رواية عائشة التي تقول فيها أن النبي أمَرَّ أبيها (ابوبكر) على امامة الصلاة  , وقد تقدم ذكر الرواية في فصل (نظام الحكم), فلو كانت حجة الامامة في الصلاة حجة شرعية لم يكن لأبي بكر أن يقول : (هذا عمر وأبو عبيدة فأيهما شئتم بايعوا), بل كان سيقول أنا أحق بالخلافة من غيري فقد كنت إمام الصلاة بأمر النبي! ولكنه لم يقل ذلك لتهافت حجة الامامة في الصلاة  وكذب تلك الدعوى . 
روى الطبري عن الكلبي :( إنّ قبيلة أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر ، فكان عمر يقول : لما رأيت أسلم أيقنت بالنصر) ( تاريخ الطبري ج3 ص 222) , ومثله روى ابن سعد في الطبقات. وقال عمر بعد ذلك : (فكثر اللغط وارتفعت الاصوات حتى تخوَّفتُ الاختلاف فقلت لأبي بكر: أُبسط يدك لاُبايعك )( السيرة النبوية لابن هشام ج4 ص 336)
ذكر الطبري مايدل على تقاسم عمر وابو بكر للخلافة :
( فقال عمر : ابسط يدك يا أبا بكر فلأبايعك ؛ فقال أبو بكر : بل أنت يا عمر ، فأنت أقوى لها منى . قال : وكان عمر أشد الرجلين ، قال : وكان كل واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ، ففتح عمر يد أبي بكر وقال: إن لك قوتى مع قوتك .)( تاريخ الرسل والملوك للطبري ج2 ص 116)
إذا كان هناك نصا من النبي (ص) على خلافة أبي بكر , فلماذا يقول أبوبكر لعمر (بل أنت ياعمر فأنت أقوى لها مني؟ ) , قوله هذا  يدل على عدم وجود نص لخلافة أبي بكر!!!
 في تلك الأثناء يذهب أبو عبيدة الجراح بجانب عمر بن الخطاب ليبايعا (أبوبكر) فيسبقهما إليه بشير بن سعد الانصاري ويصفق على يد أبي بكر فيبايعه نكاية بالانصار وتخذيلاً لسعد بن عبادة , فيناديه الحباب بن المنذر قائلاً: يا بشير بن سعد عَقَقْتَ عقاق! ( يعني مافعلته هو العقوق ) أنْفَسْتَ على ابن عمك الامارة، فقال: لا واللّه ولكنّي كرهت أن اُنازع قوماً حقاً جعله اللّه لهم.  ولمّا رأت قبيلة الاوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة قال بعضهم لبعض، وفيهم أُسيد بن حضير وكان أحد النقباء وهو من الحاسدين لسعد بن عبادة: واللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لازالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً فقوموا فبايعوا أبا بكر(بتصرف عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج2). أسيد بن حضير من قبيلة الاوس أما سعد بن عبادة فمن قبيلة الخزرج ولهذا يقول أسيد بن حضير: (لئن وليتها الخزرج عليكم مرة .. الخ) , لقد استفاد عمر وأبوبكر وأبوعبيدة من انقسام الانصار الى قسمين قسم لايود إيثار قبيلة الخزرج لأنه من قبيلة الاوس وقسم لايود إيثار قبيلة الاوس لأنه من الخزرج ,ومن هذا الانقسام خرج جماعة من الاوس والخزرج فتحالفوا مع أبي بكر وعمر وأبي عبيدة . ثم يأتي الامر الحاسم :
وارتفعت الأصوات واحتدم القوم في صياحهم, وعندها قال عمر لأبي بكر: أبسط يدك نبايعك , فبسط يده فبايعه المهاجرون , وبايعه الأنصار. ثم نزوا على سعد-(  سعد بن عبادة شيخ الانصار كان مريضا لايستطيع القيام ). حتى قال قائلهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقال عمر: ( قتل الله سعدا بن عبادة.).. ويروى أن الناس أقبلوا من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطئون سعد بن عبادة( لان سعد كان جالسا لمرضه لايستطيع القيام). وقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطئوه. قال عمر: اقتلوه. اقتلوه... قتله الله. ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضدك.. فأخذ ابنه قيس بن سعد بن عبادة  بلحية عمر ثم قال: والله لو حصصت منها شعرة مارجعت وفي فيك واضحة) ( بتصرف عن مروج الذهب للمسعودي , الإمامة والسياسة , وتاريخ اليعقوبي)
ويروي الطبري كذلك: (فوثب قيس بن سعد وأخذ بلحية عمر وقال له : يابن صهاك الجبان في الحرب والليث في الملأ والأمن ! لو حرّكت منه ( يقصد أبيه سعد ) شعرة ما رجعتَ وفي فيك واضحة ). ( تاريخ الطبري ج2 أحداث السقيفة) ( صهاك هي جدة عمر الحبشية  وكانت سيئة السمعة وكان عمر بن الخطاب يُعير بها وسيأتي ذكرها في فصل عمر) .
وحُمل سعد بن عبادة وهو مريض ، فادخل الى منزله ، فامتنع من البيعة في ذلك اليوم وفيما بعده ، وأراد عمر أن يكرهه عليها ، فأشير عليه ألا يفعل ، وانه لا يبايع حتى يقتل وانه لا يقتل حتى يقتل أهله ، ولا يقتل أهله حتى يقتل الخزرج ، وان حوربت الخزرج كان الأوس معها وفسد الأمر فتركوه فكان لا يصلي بصلاتهم ، ولا يجمع بجماعتهم ، ولا يقضي بقضائهم ، ولو وجد أعوانا لضاربهم (بتصرف عن تاريخ الطبري, وعن الكامل لابن الاثير) ,وكان المشير على أبي بكر وعلى عمر بترك سعد بن عبادة خوف الحرب هو المدعو بشير بن سعد الانصاري وهو من الحاسدين لسعد بن عبادة .

دفع عمر لابي بكر لنيل الخلافة
 وقال عمر لأبي بكر إصعد المنبر. فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة.(  صحيح البخاري ,باب فضائل الصحابة). وهكذا تمت البيعة بلا مشورة , ويؤكد عمر عدم وجود مشورة في بيعة ابي بكر , فيقول في ايام خلافته :(كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمت ، وإنما كانت كذلك ، إلا أن الله قد وقى شرها. فمن بايع رجلا من غير مشورة المسلمين فإنه لا بيعة له ) (صحيح البخاري  ج4 ص 119, ومسند أحمد بن حنبل ج1),.وفي رواية  يقول عمر (.. فمن عاد لمثلها فأقتلوه)( تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 51 , الكامل لابن الاثير ج2 ص 326)
إن عمرا يقر بأنها كانت فلتة بلامشورة ,وما يقوله بعض كتابنا المعاصرين في تعريف الشورى يبدو كلاما لامعنى له , ولن تسعفهم كلماتهم أمام تلك الفرقة وذلك الصراع على كرسي الحكم, فأين حجج وبراهين الذين اوجدوا مصطلح (أهل الحل والعقد) أو مصطلح ( أهل الشورى) في كل تلك الفوضى؟  ترى أين كان باقي الصحابة أثناء السقيفة ؟ فالتمعن في قراءة احداث السقيفة يبين غياب كثير من الصحابة كالامام علي بن أبي طالب, الزبيربن العوام, المقداد, خزيمة ذو الشهادتين, ابو ذر الغفاري, عمار بن ياسر , العباس, بلال بن رباح, جابر بن عبد الله .. , أين كان كل هؤلاء عند البيعة؟ هؤلاء هم صحابة النبي أيضا فهل هم من اهل( الحل والعقد) كما يقول أصحاب مصطلح الحل والعقد ؟ ام أنهم من غير الصفوة ؟ولو تحرى الطالب في كتب التاريخ لأحصى عشرات من الصحابة المقربين لم يكونوا في سقيفة بني ساعدة عندما تمت البيعة, ليبدو أن مصطلح (اهل الحل والعقد) أكذوبة من خيال كتابنا المعاصرين  حيث نقلوا مايرون في عصرهم من صور الديمقراطية والانتخابات الحديثة فأقحموها في التاريخ بلا دليل ولابرهان, ان الشباب المتحمس يقرأ تفسيرات المزخرفين والمجملين للتاريخ , فيؤمن بنظام إسلامي في الشورى والحكم , والواقع يبين أنه نظام ( متخيل) لاوجود له , فالحقيقة هي غير ما صوره اولئك الكتاب. نعود للسؤال : أين كان علي واصحابه يوم السقيفة؟
لم يترك علي ابن عمه خاتم الانبياء (ص) مسجى ليخرج ينازع الناس على الخلافة كما فعل غيره , لقد قام بتجهيز النبي بعد وفاته ولن تفلح أمة تترك نبيها ميتا وتخرج تتنازع حول السيادة والامارة ! يقول الامام بخصوص تجهيزه النبي(ص) :( ولقد وليت غسله والملائكة أعواني فضجت الدار والأفنية ملأ يهبط وملأ يعرج ( يقصد بذلك افواج الملائكة التي كانت حول النبي العظيم) وما فارقت سمعي هينمة منهم يصلون عليه حتى وأريناه في ضريحه فمن ذا أحق به مني حياً وميتاً.)( عن كتاب نهج البلاغة)
قد يتعجب القارئ ويقول كيف يترك المسلمون نبيهم ويخرجون للنزاع على الامارة والملك, ولكن ليس من عجب أذا ما تقصى احداث قبلها , فقد ترك المسلمون نبيهم وحيدا أكثر من مرة في حياته, مرة في المسجد وهو يخطب وسمع القوم حينها أن قافلة تجارية وصلت المدينة من الشام فتركوا محمدا(ص) قائما يخطب وخرجوا نحو القافلة وانزلت الاية ( واذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا اليها وتركوك قائما) ( الجمعة11) , ومرة في معركة أحد وفيها هرب كثير من الصحابة وتركوا النبي ومنهم عثمان بن عفان الذي هرب لثلاثة أيام , حتى عاتبه النبي بعد عودته قائلا: (لقد ذهبت بها عريضة) (تاريخ الطبري ج2 ص 203 ,الكامل لابن الأثير ج2 ص 158، البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 32)  وهرب كذلك عمر بن الخطاب وابوبكر وغيرهم وكان عمر عندما يتحدث عن معركة أحد يقول أنه هرب وصعد الجبل مثل المعزى ( وكنت اصعد الجبل كأني أروى) (تاريخ الطبري, تاريخ ابن الاثير , باب معركة أحد) . ومرة أخرى تخلى المسلمون عن النبي في معركة حنين وبقيت قلة مخلصة معه منهم الامام علي , وكان عمر بن الخطاب وأبوبكر من الفارين في معركة حنين, وسيأتي تفصيل ذلك ,ومرة أخرى ترك المسلمون نبيهم وخرجوا وهو على فراش الموت عندما قال ( ائتوني بكتاب ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا به من بعدي أبدا) ( كتاب صحيح البخاري , رزية يوم الخميس) فقال عمر اتركوا الرجل فقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله وفي رواية أخرى دعوه فأنه ليهجر , فليس عجيبا أن يتركوه ميتا بلا تجهيز ولا صلاة ولاتغسيل ويخرجوا لطلب الامارة.
واذن لقد تحقق الامر وبايع بعض الناس وبعض لم يبايع فمن هم اهل الشورى اذن؟  إن الذي تم لم يكن شورى وانما نزاع وسباق على السلطة تماما كما أعترف عمر بعدها حينما وصف بيعة ابي بكر بأنها كانت فلتة وقى الله شرها وأن من يعود لمثلها فجزاءه القتل!
وقد يسأل سائل فيقول: اذا كان ابوبكر وعمر وابوعبيدة قد اغتصبوا الخلافة فما القول في سعد بن عبادة الانصاري فالذي يبدو أنه كان طامعا في الخلافة أيضا, ونقول لو كان أبوبكر وعمر أوفياء للنبي لذكروا أن علياً أولى بالخلافة من غيره , وتقدم ذكر قول الانصار في السقيفة : (: لا نبايع إلاّ عليّاً)( شرح النهج لابن أبي الحديد في ج1 ص 122 حيث يروي قائلا : إن الانصار لمّا فاتها ما طلبت من الخلافة قالت لا نبايع إلاّ علياً)(  ومثله في كتاب الموفقيات للزبير بن بكّار في ج2 ص 8). إن سعدا بن عبادة لما رأى الناس يبايعون أبا بكر نادى : (أيها الناس إني والله ما أردتها حتى رأيتكم تصرفونها عن علي , ولا أبايعكم حتى يبايع علي , ولعلي لا أفعل وإن بايع) ( البحار ج30 ص 120 للمجلسي)
 لكن أبابكر وعمراً وأبا عبيدة الجراح  لم يأبهوا لذلك بل أصروا على أن تكون الخلافة بين أحد الثلاثة أبوبكر أو عمر أو أبوعبيدة ولعب الثلاثة دوراً ماهرا في تقسيم الانصار حتى نالها أبوبكر. ثم ليس من الغريب أن يطمع سعد بن عبادة والانصار بالخلافة بعدما علموا أن المهاجرين كأبي بكر وعمر بن الخطاب وعبيدة قد هيئوا أمرهم لذلك.
فيما يلي تلخيص لما حدث في السقيفة يرويه عمر بن الخطاب نفسه في خطبة ألقاها زمن خلافته :
 (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك ( اعتراف صريح )، غير أن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان من خيرنا حين توفى الله نبيه, أن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة وتخلفت عنا الأنصار بأسرها، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار  فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدرا فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ( صيغة الجمع تبين أن عمر وابابكر لم يكونا لوحدهما فمعهما مجموعة من الرجال)  فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. قالا: فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم , فقلنا: والله لنأتينهم، قال (عمر): فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة، قال: وإذا بين أظهرهم رجل مزمل، قال قلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما شأنه؟ قالوا: وجع، فقام رجل منهم، فحمد الله، وقال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا وقد دفت إلينا من قومكم دافة ( لم يذكر الرجل  شيئا عن الخلافة )، قال (عمر): فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويغصبونا الأمر، وقد كنت زورت في نفسي مقالة-( هذا دليل على أن عمر قد حضر مقالة في نفسه فهو قد خطط مسبقا لما سيحدث منذ أن قال ان النبي ليهجر ساعة وفاته ومنذ أن نكر وفاته بعد ذلك والان جاء وقت المقالة)- أقدمها بين يدي أبي بكر وقد كنت أداري منه بعض الحد، وكان هو أوقر مني، وأحلم، فلما أردت أن أتكلم قال: على رسلك، فكرهت أن أعصيه، فقام فحمد الله وأثنى عليه، فما ترك شيئا كنت زورت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت إلا قد جاء به أو بأحسن منه، وقال: أما بعد يا معشر الأنصار فإنكم لا تذكرون منكم فضلا إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وهم أوسط دارا ونسبا، ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم( الغاية جعل الخلافة بيد احد الثلاثة والخطة واضحة كخطة مقالة عمر)، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وإني والله ما كرهت من كلامه شيئا غير هذه الكلمة، إن كنت لأقدم فتضرب عنقي فيما لا يقربني إلى إثم أحب إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر( هذه اضافة لمدح نفسه)، فلما قضى أبو بكر كلامه، قام منهم رجل( الحباب بن منذر)، فقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. قال فارتفعت الأصوات وكثر اللغط، فلما أشفقت من الاختلاف، قلت لأبي بكر: ابسط يدك أبايعك، فبسط يده، وبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار، ثم نزونا على سعد، حتى قال قائلهم: قتلتم سعد.... الخ) وقد تقدم ذكر الرواية.  (تاريخ الطبري ج2 ص446) . إن أبابكر وعمرا وحزبهما أستغلوا إنشغال بني هاشم في تجهيز النبي (ص) ولو لم يكن الامر كذلك لما حدث الذي حدث.  قال الصحابي زيد بن أرقم لعبد الرحمن بن عوف واصفا ماحدث  :( يا ابن عوف لولا أن علي بن أبي طالب وغيره من بني هاشم أشتغلوا بدفن النبي وحزنهم عليه وجلسوا في مجالسهم ماطمع فيها من طمع ) ( الردة للواقدي ص 45, الفتوح لابن أعثم  ج1 ص 12).
روى الجوهري عن الصحابي البراء بن عازب قوله:
( سمعت البراء بن عازب ، يقول: لم أزل لبني هاشم محباً ، فلما قبض رسول الله خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم ، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول الله ! فكنت أتردد الى بني هاشم وهم عند النبي في الحجرة وأتفقد وجوه قريش ، فإني كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر وعثمان ، وإذ قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة ، وإذ قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر ! فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى! فأنكرت عقلي !! وخرجت أشتد حتى انتهيت الى بني هاشم والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضرباً عنيفاً وقلت: قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة ، فقال العباس: تربت أيديكم إلى آخر الدهر ، أما إني قد أمرتكم فعصيتموني!)( السقيفة للجوهري ص 48 المتوفى 323 هجرية , والكتاب في شرح ابن أبي الحديد) ويستأنف البراء بن عازب : 
( فمكثت أكابد ما في نفسي ، ورأيت في الليل المقداد ، وسلمان ، وأبا ذر ، وعبادة بن الصامت ، وأبا الهيثم بن التيهان ، وحذيفة ، وعماراً ، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين ! فلما كان بليل ، خرجت الى المسجد ، فلما صرت فيه تذكرت أني كنت أسمع همهمة رسول الله بالقرآن ، فامتنعت من مكاني فخرجت الى الفضاء فضاء بني قضاعة ، وأجد نفراً يتناجون فلما دنوت منهم سكتوا فانصرفت عنهم ، فعرفوني وما أعرفهم ، فأتيتهم فأجد المقداد بن الأسود ، وعبادة بن الصامت ، وسلمان الفارسي ، وأبا ذر ، وحذيفة ، وأبا الهيثم بن التيهان ، وإذا حذيفة يقول لهم: والله ليكونن ما أخبرتكم به ، والله ما كذبت ولا كُذبت ، وإذ القوم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين ! ثم قال: إئتوا أبي بن كعب فقد علم كما علمت ، قال فانطلقنا الى أبي فضربنا عليه بابه حتى صار خلف الباب فقال: من أنتم؟ فكلمه المقداد فقال: ما حاجتكم؟ فقال له: ما أنا بفاتح بابي وقد عرفت ما جئتم له كأنكم أردتم النظر في هذا العقد ؟ فقلنا: نعم ، فقال: أفيكم حذيفة ؟ فقلنا: نعم ، قال: فالقول ما قال! وبالله ما أفتح عني بابي حتى تجرى على ما هي جارية ، ولَمَا يكون بعدها شرٌّ منها ، والى الله المشتكى !) (  السقيفة للجوهري, الصفحة 48 ما بعدها) . النص يبين ان عصبة الخلافة استعملوا  التعنيف مع عامة الناس , فالرواي يقول: (لايمرون بأحد الا خبطوه), لقد انتهزوا غياب علي بن أبي طالب فحصلوا على مرادهم , وكان الدور كبيرا لقبيلة أسلم المناصرة لأبي بكر فقد نشروا رجالهم في السكك والساحات كما تقدم ,ولذلك كان رجال العصبة المعارضة لأبي بكر يتحدثون بسرية وتكتم كما ذكر البراء بن عازب , فقد وصل الامر أن يخشى الصحابي أبي بن كعب فتح باب بيته حتى يتأكد من وجود حذيفة بن اليمان المخلص للأمام علي بن أبي طالب, إن هذه العصبة القليلة لم تكن تستطيع أن تواجه الغوغاء من المؤيدين للخليفة الجديد ولم تكن قادرة على حرب قبيلة أسلم كثيرة العدد تلك التي سيطرت على المدينة وشوارعها وساحاتها .




المعارضون لأبي بكر
جمع  من الصحابة لم يبايعوا لابي بكر بالخلافة , فكانت معارضتهم دليلا على أن خلافة أبي بكر لم تكن بوصية من النبي ,ودليل آخر على أن البيعة دُبرت  بعيداً عن مشورة المسلمين , ومن الصحابة  الذين لم يوافقوا على بيعة ابي بكر:
الفضل بن العباس وهو ابن عم النبي (ص).
 لما سمع بتنصيب (أبوبكر( للخلافة قال : ( يا معشر قريش إنه ماحقت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها دونكم وصاحبنا أولى بها منكم) ( كتاب عبد الله بن سبأ للعلامة العسكري ج1, عن تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 103, شرح النهج ج1 ص 287) . إن قوله ( وصاحبنا أولى بها منكم) , أنما عنى به عليا بن أبي طالب.
عتبة بن أبي لهب
 عند سماعه بخبر خلافة ابي بكر قال عتبة بن أبي لهب شعراً: 
ماكنت أحسب هذا الامر منصرفا عن هاشم ثم منها عن ابي الحسن
عن أول الناس أيمانا وسابقة وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وآخر الناس عهدا بالنبي ومن جبريل عون له في الغسل والكفن (  شرح النهج ج6 قصة السقيفة). يعني عتبة في قصيدته الامام علي بن أبي طالب فهو ابو الحسن.
سلمان الفارسي
 قال سلمان بعد تنصيب الخليفة الاول (.. اخطأتم أهل بيت نبيكم, لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم أثنان ولاكلتموها رغدا) ( كتاب السقيفة للجوهري). وكذلك قال ( لوبايعوا عليا لاكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم) ( عبد الله بن سبأ للعسكري ج1, عن أنساب الاشراف للبلاذري ج 1 ص 591)
أبوذر الغفاري جندب بن جنادة
  قال ابو ذر في عهد عثمان بن عفان (وعلي بن أبي طالب وصيّ محمّد ووارث علمه. أيّتها الاُمّة المتحيرة بعد نبيّها أما لو قدّمتم من قدّم اللّه، وأَخَّرْتُم من أخّر اللّه، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيّكم لاكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم، ولما عال وليُّ اللّه ولا طاش سهمٌ من فرائض اللّه، ولا اختلف اثنان في حكم اللّه إلاّ وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب اللّه وسُنَّة نبيّه. فأما إذا فعلتم ما فعلتم فذوقوا وبال أمركم ,وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون)( عبد الله بن سبأ للعسكري ج1, عن تاريخ اليعقوبي ج1 ص 173.) وقال كذلك (لوجعلتم هذا الامر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم أثنان) ( السقيفة وفدك للجوهري في شرح النهج ج 6)
خالد بن سعيد الاموي
 خالد بن سعيد بن العاص بن اُمية بن عبد شمس، أسلم قديماً فكان ثالثاً أو رابعاً وقيل كان خامساً، وقال ابن قتيبة  في المعارف ص 128: (أسلم قبل إسلام أبي بكر). كان عاملاً لرسول اللّه (ص) على صنعاء اليمن (فلمّا مات رسول اللّه رجع هو وأخواه أبان وعمر عن عِمالتهم، فقال أبو بكر: ما لكم رجعتم عن عمالتكم؟ ما أحد أحق بالعمل من عُمّال رسول اللّه (ص)، ارجعوا إلى أعمالكم. فقالوا: نحن بنو اُحيحة لا نعمل لاحد بعد رسول اللّه)( الاستيعاب لابن عبد البر ج 1 ص 398 ترجمة خالد, أسد الغابة لابن الاثير ج2 ص 406) , وذهب خالد الى علي بن أبي طالب(وأتى عليّاً، فقال: هَلُمَّ اُبايعك فواللّه ما في الناس أحد أولى بمقام محمّد منك)( ابن سبأ للعلامة العسكري ج1, وعن تاريخ اليعقوبي ج2 ص105 , (فلما بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد)( اُسد الغابة لابن الاثير ج 2 ص 82). تأمل أن الرجل كان في اليمن وقت وفاة النبي ,لكنه كان موقناً بأن الخلافة لعلي بن ابي طالب وليست لغيره , وهذا دليل من أدلة على معرفة المسلمين قبل رحيل النبي بوقت طويل أن علياً هو الخليفة على الناس , فالنبي (ص) كان قد بين ذلك في مواقف كثيرة بخطبه وأحاديثه, ولم يكن ليترك  أمته بلا خليفة ولاوصية.
ابو سفيان صخر بن حرب
 لما أتى خبر ولاية أبي بكر, طاف أبوسفيان ينشد :
بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم ‌ولا سيّما تيم بن مرّة أو عدي
 فما الامر إلاّ فيكم وإليكم ‌وليس لها إلاّ أبو حسن عليّ        
( كتاب ابن سبأ للعلامة العسكري , وعن العقد الفريد ج3 ص 62, السقيفة للجوهري في شرح ابن ابي الحديد ج3 ص120). تيم هي عشيرة الخليفة الاول وعدي هي عشيرة عمر بن الخطاب , فهو يعني أن الأمر لبني هاشم فهم أولى بها من أبي بكر وعمر.
 إن أبوسفيان بن حرب قائد جيوش قريش في حروبها للنبي (ص) لم ينسى خسارته بانتصار محمد(ص) عليه, فكيف ينتصر لعلي بن أبي طالب كاسر خياشيم أئمة قريش وأبطالها ؟ إن الميل مع علي  دليل واضح على أحقية علي بالخلافة على غيره من المسلمين ,وعلم أبوسفيان كما علم غيره أن هذه الحقيقة قد لمح وصرح النبي بها في أكثر من موضع قبل رحيله ولهذا جاء أبوسفيان يطلب أولوية علي بن أبي طالب على غيره ليس حباً  في علي, ولكن طمعاً بما في يد الخليفة الاول ابوبكر وتهديدا له بنفود عشيرة بني أمية وكثرتهم . إن أباسفيان طمع أن يجد في علي بن أبي طالب عهداً جديداُ للحصول على ما افتقده في عهد النبي محمد (ص) , و لما رأى عزوف علي عنه أتجه لأبي بكر واستعمل أسلوبا ماكرا لنيل وجاهته من جديد!
 جاء أبوسفيان شيخ قريش يتوعد أبابكر: ( ما بال هذا الامر في أقل حي من قريش؟! والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا... والله إني لأرى عجاجة لايطفؤها إلا دم ! يا آل عبد مناف فيمَ أبو بكر من أموركم؟! أين المستضعفان ، أين الأذلان عليٌّ والعباس؟! ) ( تاريخ الطبري ج2 ص449)
ولهذا يروى  أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر بعد سماعه بقول أبي سفيان مايلي:
(فقال عمر لابي بكر: إنّ هذا ( أبوسفيان) قد قدم وهو فاعلٌ شرّاً، وقد كان النبي يستألفه على الاسلام فدع له ما بيده من الصدقة، ففعل، فرضي أبو سفيان وبايعه)(كتاب ابن سبأ للعلامة العسكري ج1 , العقد الفريد ج 3 ص 62). وهكذا وهب أبوبكر أموال صدقات المسلمين لابي سفيان فرضي أبوسفيان وبايع الخليفة الجديد . ثم يعين أبوبكر يزيد بن أبوسفيان على بلاد الشام حاكماً فيقول له أبوسفيان : (وصلته رحم ) , ويعين ابنه الاخر عنبسة بن أبي سفيان واليا على الطائف(ابن سبأ للعلامة العسكري ج1 , وعن تاريخ الطبري ج 2 , ص 449). وفي عهد الخليفة الثاني يعين عمر بن الخطاب معاوية بن أبي سفيان حاكما على الشام بعد وفاة  أخيه يزيد بن أبي سفيان . كان الاتفاق هو ترضية أبي سفيان لأسكاته فتركوا ما في يديه من الصدقة وعينوا أولاده في مناصب مهمة في الدول وتلك كانت بداية تغلغل بنو أمية في الحكم.


سعد بن عبادة الخزرجي الانصاري
امتنع سعد بن عبادة عن بيعة أبابكر :( فكان لا يصلي بصلاتهم ، ولا يجمع بجماعتهم ، ولا يقضي بقضائهم ، ولو وجد أعوانا لضاربهم.) ( الكامل لابن الاثير , تاريخ الطبري,  الرياض النضرة لمحب الدين الطبري ج1 ص168.)
لما كان سعد بن عبادة شيخا للانصار لم يجسر ابوبكر ولا عمر وقتذاك بالقضاء عليه ,لأن قتله يعني مواجهة  قبيلته أيضا, روى الطبري : (وأراد عمر أن يكرهه (يكره سعد بن عبادة على البيعة) عليها ، فأشير عليه ألا يفعل ، وانه لا يبايع حتى يقتل وانه لا يقتل حتى يقتل أهله ، ولا يقتل أهله حتى يقتل الخزرج ، وان حوربت الخزرج كان الأوس معه) , أي أن قتل سعد بن عبادة سيؤدي الى تحالف الخزرج والاوس ضد قبيلة قريش وباقي المسلمين وهذا لن يخدم الدولة وحاكمها. روى ابن الاثير
 ( أن ابوبكر بعث إلى سعد بن عبادة : أقبلْ فبايع ؛ فقد بايع الناس . فقال : لا والله ، لا أبايعكم حتى أقاتلكم بمن معي . فقال بشير بن سعد : يا خليفة رسول الله ، إنه قد أبى ولجَّ ، فليس يبايعكم حتى يقتل ، ولن يقتل حتى يقتل معه ولده وعشيرته ، فلا تحركوه ما استقام لكم الأمر ، وإنما هو رجل وحده ما ترك . فتركه أبو بكر. ويروي ابن الاثير في تاريخه قول سعد بن عبادة مهددا ابابكر وعمرا ورافضا بيعتهم قوله: ( لا والله ، حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي ، وأخضب منكم سناني ورمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم مع من معي من أهلي وعشيرتي) ( الكامل لابن الأثير ج2 ، حوادث سنة 11 ) وهكذا عاش سعد بعيدا عن السياسة آمنا أن لا يقربه أحد لقوته ومنعته فهو سيد من الانصار . ولكن هل ترى سيُترك بلا عقاب؟
روى الطبري وابن سعد فيه  : (كان  نقيبا سيدا جوادا,. لما قدم النبي (ص) المدينة كان يبعث إليه كل يوم جفنة من ثريد اللحم أو ثريد بلبن أو غيره ، فكانت جفنة سعد تدور مع رسول الله  في بيوت أزواجه . كان سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصفة يعشيهم.( اهل الصفة هم فقراء المسلمين في المدينة الذين ليس لهم قوت يومهم) . وناداه النبي في غزوة بني قريظة عندما خاطب الانصار بخير الانصار عندما سأل عنه قائلا : أين خيركم . فجعله خير الانصار) ( باختصار عن تاريخ  الطبري)
وعن ثعلبة بن أبي مالك قال: (كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول الله في المواطن كلها، فإذا كان وقت القتال أخذها علي بن أبي طالب )(أسد الغابة لابن الاثير ج4 ص 20، أنساب الأشراف للبلاذري ج 2 ص 106. )
بقي سعد مستقلا برأيه ولم يبايع ابابكر حتى عهد الخليفة الثاني عمر وكان بينهما جدال كما  تقدم عندما قال عمر: اقتلوه اقتلوه قتل الله سعدا بن عبادة ! روى ابن سعد أن عمرا أيام خلافته  لقي سعد بن عبادة  فقال له:
(إيه يا سعد ! فقال : إيه يا عمر ! فقال عمر : أنت صاحب ما أنت صاحبه ؟ قال : نعم . وقد أفضى إليك هذا الأمر ، وكان صاحبك -والله- أحب إلينا منك ، وقد أصبحت كارها لجوارك . قال : من كره ذلك تحول عنه . فلم يلبث إلا قليلا حتى انتقل إلى الشام ، فمات بحوران) (  طبقات ابن سعد ج2 ص 145 ، تاريخ ابن عساكر ج6 ص 90 ترجمة سعد بن عبادة. كنز العمال للمتقي الهندي ج3 ص134)
كانت نهاية سعد اغتيالا! : (أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام فبعث عمر رجلاً، وقال: أُدعُهُ إلى البيعة واحتل له فإن أبى فاستعن اللّه عليه، فقدم الرجل الشام فوجد سعداً في حائط بحوارين( وهي من قرى حلب) , فرماه بسهم فقتله)( باختصار عن عبد الله بن سبأ للعلامة العسكري , أنساب البلاذري ج1 ص 589, العقد الفريد ج3 ص64) . قال المسعودي: (وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع فصار إلى الشام فقتل هناك سنة 15 ه‍‍جرية) ( مروج الذهب للمسعودي ج1 ص414)
وانتشر بين الناس أن مقتل ابن عبادة كان على يدالجن , وقُيدت جريمة القتل ضد مجهول, فمن يستطيع الاقتصاص من الجن ؟
أورد الذهبي وغيره أن الجن قتلت ابن عبادة : (توفي سعد بحوران لسنتين ونصف من خلافة عمر ، فما علم بموته بالمدينة حتى سمع غلمان قائلا من بئر يقول
 قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة  ورميناه بسهمين فلـــم نخط فؤاده, فذعر الغلمان ، فحفظ ذلك اليوم ، فوجدوه اليوم الذي مات فيه.) ( سير أعلام النبلاء للذهبي , ترجمة سعد ج 1ص278) ويروى أن قاتله هو رجل الاغتيالات محمد بن مسلمة وهو رجل عمر القوي , وستأتي سيرته في فصل (دور اليهود).

تثبيت الحكم
بعد أن استبب الامر لأبي بكر قام عمر وأبوعبيدة وأصحاب السقيفة  بتثبيت الحكم باجبار الناس على البيعة بالقوة وبالتهديد, وتقدم قول الصحابي البراء بن عازب :( أقبل ابوبكر وعمر وابوعبيدة الجراح وجماعة من الصحابة من اهل السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد الا خبطوه وقدموه ومدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء أو أبى),  فأين الانتخاب الحر الذي  ينادي به أصحاب نظرية الحل والعقد ؟ إن الصحابة الذين امتنعوا عن بيعة أبي بكر كانوا يقولون أن عليا بن أبي طالب أولى بالخلافة من غيره ومر ذكر بعضهم, وهناك جمع آخر امتنعوا عن بيعة أبي بكر واجتمعوا في بيت علي بن أبي طالب, منهم الزبير بن العوام, البراء بن عازب, طلحة بن عبيد الله, عمار بن ياسر, والمقداد . إن صاحب الحق في الخلافة هو علي بن أبي طالب ولكن أثناء اتمام تجهيز النبي (ص) والصلاة عليه تمكن جماعة السقيفة من تنصيب (ابوبكر) خليفة , وبعد أتمام تجهيز النبي (ص)  خرج علي وزوجته السيدة فاطمة في الليل يذكرون الناس بوصية النبي(ص).
روى اليعقوبي (واجتمع جماعة إلى عليّ بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة فقال لهم: أُغدوا عليّ محلّقين الرؤوس؛ فلم يغد عليه إلاّ ثلاثة نفر)(  عبد الله بن سبأ للعلامة العسكري ,فصل السقيفة .وعن تاريخ اليعقوبي ج2 ص 105, شرح النهج لابن أبي الحديد ج2 ص 4) .
(ثم إن علياً حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلاً إلى بيوت الانصار يسألهم النُصْرة وتسألهم فاطمة الانتصار له فكانوا يقولون: يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال عليّ: أفكنتُ أترك رسول اللّه(ص) ميتاً في بيته لم أُجَهزه وأخرج إلى الناس اُنازعهم في سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما اللّه حسيبهم عليه!)(  ابن سبأ للعلامة العسكري باب السقيفة,  كتاب السقيفة للجوهري ، الامامة والسياسة لابن قتيبة  ج1 ص12).
ولقد أشار معاوية في أيام حكمه على الشام الى ليلة  السقيفة تلك  في كتاب أرسله لعلي أثناء معارك صفين حيث يقول  :
(وأعهدُك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع ابو بكر الصدّيق، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلاّ دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك، وأدللت إليهم بابنيك، واستنصرتهم على صاحب رسول اللّه، فلم يجبك منهم إلاّ أربعة أو خمسة، ولَعَمري لو كنتَ مُحقّاً لاجابوك ولكنّك اُدعيت باطلاً وقلت ما لا يعرف ورُمت ما لا يدرك. ومهما نسيت فلا أنسى قولك لابي سفيان لمّا حرَّكَك وهيَّجك: لو وجدتُ أربعين ذوي عزم منهم لناهضتُ القوم)( ابن سبأ للعلامة العسكري باب السقيفة , وعن شرح النهج ج2 ص67، ، صفين لنصرالمنقري ص 182 ). وفي رسالة آخرى من معاوية لعلي يذكر فيها يوم السقيفة  :
 (وعلى كلهم بغيت عرفنا ذلك في نظرك الشزر، وقولك الهجر، و تنفسك الصعداء، و إبطائك عن الخلفاء، تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع وأنت كاره)( كتاب صفين, لنصر المنقري )
وأجاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب :( أما بعد، فقد أتاني كتابك.. وقلت: إني كنت أُقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع.. ولعمر الله لقد أردت أن تذمّ فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكّاً في دينه ولا مرتاباً بيقينه..)( رسائل الامام في  نهج البلاغة , ومثله في كتاب  صفين لنصر المنقري),  هذا دليل على أن الامام علي بن أبي طالب أُجبر على بيعة الخليفة الاول, ودليل على محاولته تذكير الناس بأنه هو وصي النبي والاولى بالخلافة من غيره .

الهجوم على بيت فاطمة ع
( يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم....) (  الاحزاب آية 53).
كانت العقبة الكبرى أمام خلافة أبي بكر هي معارضة علي بن أبي طالب له ومعارضة السيدة فاطمة بنت محمد(ص) لذلك أيضاً ,  لذلك قرر الخليفة الجديد الهجوم على بيت السيدة فاطمة لاجبار أهل الدار على بيعته. على الرغم من تعتيم السلطات على مر التاريخ لمؤامرة الهجوم على بيت فاطمة ومحاولة طمسها, ظلت الواقعة تلمع بين سطور الكتب تبين حقيقة مؤامرة الهجوم تلك, وسيأتي ذكر نصوص التاريخ في ذلك.
تقدم أعتراض الامام علي بن أبي طالب على خلافة ابي بكر وتحزب جمع من الصحابة معه , فكانوا يختلفون الى بيته ومنهم طلحة والزبير والمقداد وعمار, ولما علم الخليفة الجديد ذلك أصدر أوامره  بالهجوم على بيت فاطمة واخراج من فيه بأي وسيلة وكذلك الاتيان بعلي بن أبي طالب ومن معه بالقوة كي يبايعوا الخليفة الجديد  ! قال أبوبكر لعمر بن الخطاب يأمره بعلي بن أبي طالب : ( إئتني به بأعنف العنف) (  أنساب الاشراف ج1 ص 587 للبلاذري المتوفى 279 هجرية ) .
 وذكر صاحب العقد : (فأما علي والعباس والزبير ، فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث اليهم ابوبكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال له أن أبوا فقاتلهم ! فأقبل (عمر) بقبس من نار على أن يُضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة ، فقالت يا ابن الخطاب أجئت لتُحرق دارنا ؟ قال : نعم )(  العقد الفريد ج 4 ص 259 لابن عبد ربه  المتوفى 328 هجرية.). وبلفظ البلاذري:
 ( إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب أتراك محرقا علي بابي؟ قال: نعم وذلك أقوى فيما جاء به أبوك) (أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 586 . المختصر في تاريخ البشر لأبي الفدا المتوفى 732 هجرية , باب ابوبكر).
وكذلك أورد ابن قتيبة : (إنَّ عمر جاء فناداهم وهم في دار عليّ فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجُنَّ أو لاحرقنّها على من فيها، فقيل له: يا أبا حَفص إن فيها فاطمة، فقال: وإن) ( الامامة والسياسة ج1 ص 12لابن قتيبة المتوفى 276 هجرية)
وذكر الطبري :
( ولما بويع لأبي بكر ، كان الزبير ، والمقداد ، يختلفان في جماعة من الناس الى علي ، وهو في بيت فاطمة ، فيتشاورون ويتراجعون امورهم ، فخرج عمر حتى دخل على فاطمة  ، وقال : يا بنت رسول الله تأمني أحد من الخلق احب الينا من أبيك ، وما من أحد أحب الينا منك بعد أبيك ، وأيم الله ما ذاك بما نعى ان اجتمع هؤلاء النفر عندك ان آمر بتحريق البيت عليهم ، فلما خرج عمر جاءوها فقالت : تعلمون ان عمر جاءني وحلف لي بالله ان عدتم ليحرقن عليكم البيت ، وأيم الله ليمضين لما حلف له...)  (تاريخ الطبري ج3 ص 198)
وذكرت باقي كتب التاريخ الرواية بألفاظ شتى ولكنها اتفقت على أن حزب الخليفة الأول أرسل جماعة من المؤيدين له الى بيت فاطمة ابنة النبي , وأضرم القوم النار بباب البيت وأخرجوا من كان في البيت بقوة السلاح ومنهم الزبير بن العوام الذي خرج شاهراً سيفه فعثر فسقط السيف من يده فأقتادوه بالقوة الى الخليفة الجديد ابوبكر , ويروى أن خالد بن الوليد ضربه من خلفه بحجر فعثر الزبير وسقط السيف من يده فقام محمد بن مسلمة بكسر السيف على صخرة. روى الطبري:
(أتى عمر بن الخطّاب منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه) ( تاريخ الطبري ج2 ص 443 ) وروى كذلل: (وذهب عمر ومعه عصابة منهم محمد بن مسلمة واسيد بن حضير وسلمة بن أسلم  الى بيت فاطمة، فقال لهم : انطلقوا فبايعوا ، فأبوا عليه ، وخرج إليهم الزبير بسيفه ، فقال عمر : عليكم الكلب ( يقصد عمر بالكلب الزبيربن العوام ) ، فوثب عليه سلمة بن أسلم . فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار ، ثم انطلقوا به وبعلي ومعهم بنو هاشم ، وعلي يقول : انا عبد الله وأخو رسول الله  ، حتى انتهوا به الى ابي بكر ، فقيل له : بايع فقال : انا أحق بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله ، فأعطوكم المقادة ، وسلموا اليكم الامارة ، وانا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ( يعني أنه اقرب رحما وصلة للرسول منهم فهو ابن عمه فاذا المهاجرين احتجوا على الانصار بحجة القرابة للرسول فهو (علي) أقرب انسان للرسول وبذلك ووفقا لحجة المهاجرين فأنه أولى بالخلافة منهم ) ، فانصفونا ان كنتم تخافون الله من انفسكم ، واعرفو لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم ، وإلا فبؤوا بالظلم وأنتم تعلمون فقال عمر : انك لست متروكا حتى تبايع ، فقال له علي : احلب يا عمرحلبا  لك شطره ، اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا ، الا والله لا اقبل قولك ولا ابايعه ، فقال له أبو بكر : فإن لم تبايعني لم أكرهك ، فقال له ابو عبيدة الجراح : يا ابا الحسن ، انك حديث السن  ، وهؤلاء مشيخة قريش قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر الا أقوى على هذا الأمر منك ، واشد احتمالا له ، واضطلاعا به ، فسلم له الأمر وارض به ، فإنك ان تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك
فقال علي : يا معشر المهاجرين ، الله الله ، لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته الى بيوتكم ودوركم ، دفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن ـ أهل البيت ـ أحق بهذا الأمر منكم ، أما كان منا القاريء لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بالسنة ، المضطلع بأمر الرعية ، والله انه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى ، فتزدادوا من الحق بعدا .
فقال بشير بن سعد : لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار ياعلي قبل بيعتهم لأبي بكر ، ما اختلف عليك اثنان ، ولكنهم قد بايعوا . وانصرف علي الى منزله ، ولم يبايع ، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع  ) .( تاريخ الطبري ج3 ص 207  , شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد  ج6 ص 612.)
ويروي الدينوري فيذكر تهديد عمر لعلي بالقتل إن لم يبايع  :
(لما أخرجوا عليا مضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا(عمر وصحبه) :إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك، قال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخا رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك فقال: لا أكرهه على شيء، ما كانت فاطمة إلى جنبه )(الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج1  ص 13) ! تأمل موقف عمر المشهور بمقولة ( دعني أضرب عنقه), فهو لايمانع  من ضرب عنق أول المسلمين و خير الناس بعد النبي.
  كان وجود  فاطمة  على قيد الحياة هو المانع  من قتل علي بن أبي طالب والتخلص منه , فأبو بكر يقول : (لا أكرهه على شئ ماكانت فاطمة الى جنبه) . إن قول الخليفة هذا يرجح أن فاطمة لم تمت ميتة طبيعية فهناك من عجل بأجلها في سبيل تصفية الامور, فبموتها اصبح قتل علي بن ابي طالب ممكنا ولذا لم  يكن لعلي بعد رحيلها سوى مبايعة الخليفة. إن إمتناع علي بن أبي طالب عن البيعة ثم مبايعته لابي بكر بالاكراه دليل ساطع على عدم قبول أمير المؤمنين  بما حدث ,وكأن بيعته بالاكراه والتهديد كان رسالة للأجيال لكي تعرف أنه لم يبايع عن طيب نفس وبايع بالاكراه. ذكر ابو الفدا عن عائشة قولها‏:‏( لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة وذلك بعد ستة أشهر لموت أبيها )(  تاريخ ابو الفدا, باب موت النبي)
يؤمن جمع من المسلمين بأن ماقام به عمر بن الخطاب وصاحبه أبوبكر من الحسنات , ونرى مثل ذلك في كل الازمنة  عندما يتوج الحاكم القاسي على شعبه بطلاً لأنه أستطاع أن يطوع الناس بالقوة والارهاب, وفي حكام العرب أشباه لذلك  ,فحكام العرب المعاصرين حكموا شعوبهم بالارهاب وأذاقوهم  الذلة ,ورغما عن ذلك  ترى من يمجد أولئك الحكام ويعتبرهم أبطالا أسطوريين في فن إرهابهم وارعابهم للجماهير , فترى الشعراء والمتكسبين  يكيليون المدائح للظلمة ويتطوعون دفاعا  عنهم مبررين أسباب جبروتهم وسطوتهم بحجة العدالة وقوة الحكم والسيطرة, فكم من قرى أحرقت وهدمت وكم من مقابر جماعية أكتشفت تحكي ظلم الطغاة ولكن مع ذلك تجد من تغنى شعرا مدح فيه أولئك الظلمة وظل غيره يتغنى بذلك حتى بعد هلاك الطغاة ! ليس عجباً أن يكون حكم الغاب والتسلط على الشعوب حكماً على كثير من شعوب الارض الذليلة الخانعة وبالذات الشعوب العربية المسلمة , وسبب ذلك هو توالي أنظمة طاغوتية مستبدة متعاقبة على حكم تلك الشعوب حتى نشأت اجيال لا تعرف سوى تقديس الحاكم الظالم  وتبجيل أعماله ,ولو يأتي حاكم متسامح طيب لرأيت الناس يقولون انه حاكم ضعيف لايصلح للحكم . إن الخنوع الذي عانت منه شعوب المسلمين تحت وطأة الحكام الظلمة, ولَّد الرضا بالذلة والمسكنة , وخرج كثير من الكتاب والشعراء يفلسفون ذلك الظلم بأسلوب ادبي مزخرف, ومن مثل ذلك شاعر النيل حافظ ابراهيم الذي ذكر جريمة الهجوم على بيت السيدة فاطمة بأسلوب الخنوع الممجد لقوة الحاكم الظالم , فبدلا من نقده لذلك العمل الهمجي  تراه يمدح الذين حملوا النار وأتوا بها لحرق دار سيدة النساء ابنة النبي محمد (ص) الوحيدة, وكان في الدار أطفالها الصغار أحفاد النبي الكريم. يقول حافظ ابراهيم الملقب بشاعر النيل في جريمة تحريق دار السيدة فاطمة مايلي:
وقولة لعليّ قالها عمر أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حَرَّقْتُ دارك لا أُبقي عليك بها إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غيرُ أبي حفص يفوه بها أمام فارس عدنان وحاميها ! ( ديوان حافظ ابراهيم ص 75 ,  طبعة دار الكتب المصرية)
هل عملية الهجوم على البيت وحرق بابه بالعمل الذي يرضي النبي لوكان حياً؟  إن النبي يقول في أكثر من موضع أن من أغضب فاطمة فقد أغضب النبي نفسه وأغضب الله تعالى, وكان عليه السلام يقول رضا فاطمة من رضاي وغيرها من أحاديث مسندة في كتب الفريقين. إن قضية حرق بيت فاطمة والهجوم عليه  وردت في بعض كتب الجمهور التي  تقدم ذكرها , أما النصوص التي كتبت خارج نطاق السلطة فإنها فصلت في قصة الهجوم على البيت . روى الدينوري: (ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة) ( الامامة والسياسة ج1 ص 20).
يندم الخليفة الاول على فعلته بالهجوم على بيت فاطمة فيتمنى الاستقالة من منصبه من جراء ذلك , لكن عمرا زين له الامر وشجعه على البقاء في كرسي الخلافة . يروى أن الخليفة الاول ابوبكر ومعه عمر اتيا لزيارة فاطمة في بيتها بعد حادثة الهجوم: : (فقالت (فاطمة وهي جالسة في حجرتها ): أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله  تعرفانه وتفعلان به ؟ قالا: نعم. فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ قالا نعم سمعناه من رسول الله ، قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لاشكونكما إليه، فقال أبو بكر أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب أبو بكر يبكي، حتى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله لادعون الله عليك في كل صلاة أصليها، ثم خرج باكيا فاجتمع إليه الناس، فقال لهم: يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته، مسرورا بأهله، وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي.)( الامامة والسياسة للدينوري ج1 ص 20) .
تأمل أن الخليفة يستقيل من بيعته بعد كلامه مع فاطمة , فإذا كانت خلافته بنص من النبي لم يكن ليستقيل وهذا دليل على عدم وجود نص في خلافته.
ثم يكمل الدينوري (فلم يبايع علي حتى ماتت فاطمة ، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمسا وسبعين ليلة ) ( الامامة والسياسة  ج1 ص 21)
كان هدف السلطة هو مبايعة علي  للخليفة حتى يستقر أمر الحكم والسلطان, ولكن كانت فاطمة هي العائق الكبير أمام ذلك وتقدم قول الخليفة لأصحابه : (لا أكرهه على شئ ماكانت فاطمة الى جنبه) ! إن هذه الاحداث تؤنس كل محقق كي يشك في سبب وفاة السيدة فاطمة؟

هل توفيت السيدة فاطمة ع وفاة طبيعية؟
هناك مصادر عديدة لايأخذ بها الجمهور بينت أن السيدة فاطمة بنت محمد (ص) تعرضت لضرب في اثناء الهجوم على بيتها , ويرجح جمع من الرواة أنها كانت حاملا فأجهضت ! ثم توفيت بعد أيام  من الهجوم على بيتها. كانت السيدة فاطمة يوم وفاتها  في أوائل العشرينات من عمرها  بأتفاق المصادر جميعاً.. روى الشهرستاني المتوفى سنة 543 هجرية  عن ابراهيم بن سيار النظام المعتزلي المتوفي سنة 231 هجرية أنه قال : (إنّ عمر ضرب بطن فاطمة  يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها,وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين ) ( كتاب الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص 46 وفي بعض الطبعات ص 56).
وذكر الصفدي في ترجمته للنظام  (قالت المعتزلة إنما لقب ذلك النظام لحسن كلامه نظما ونثرا ، وكان إبن أخت أبي هذيل العلاف شيخ المعتزلة ، وكان شديد الذكاء ، ونقل آراءه ، فقال : أن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسن في بطنها) ( الوافي بالوفيات ج1 ص 57, لصلاح الدين الصفدي المتوفى 674 هجرية)
روى ابن شهر آشوب المتوفى 588 هجرية في كتابه المناقب ونقلا عن كتاب المعارف لابن قتيبة  قوله: ( إن محسنا فسد من زخم قنفذ العدوي) ويعني بذلك  أن جنين السيدة فاطمة كانوا سيسمونه محسنا ولكنه فسد ومات من ضغط قنفذ العدوي , وقنفذ هذا رجل من عشيرة الخليفة عمر كان من المهاجمين على البيت . الملفت أن عبارة الدينوري ( أن محسنا فسد من زخم قنفذ العدوي ) اختفت في الطبعات الحديثة لكتاب المعارف , لكن ابن شهر آشوب ذكرها في كتابه المناقب  مما يدل على وجودها في تلك الازمنة ولكن صحفت وحرفت بعد ذلك . ذكرالعلامة المعاصر مرتضى العاملي اسقاط عبارة ( أن محسنا فسد....)  في كتابه القيم ( مأساة الزهراء) ,ومثله ذكر الباحث السيد عبد الله الناصر في كتابه (محنة الزهراء ص66) المصادر اليسيرة التي تقدم ذكرها كافية لأثبات حادثة الاعتداء ,أما مسألة الاجهاض وموت الجنين فهي مسألة فيها اخذ ورد عند المحققين وإن كانت الرواية  باقية في حواشي وسطور بعض الكتب تلمع كفصوص نار تحت الرماد. ومن أمثال في ذلك  قول المؤرخ الذهبي حيث ذكر في ترجمته لمحمد الكوفي مايلي :
(أحمد بن محمد بن السري بن يحيى المعروف ب‍ : إبن أبي دارم : قال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي فيما قال : كان في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب . حضرته ورجل يقرأ عليه : إن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن) ( ميزان الاعتدال ج1 ص 139 للذهبي المتوفي سنة  708) وفي كتاب آخر يقول :
 (كان مستقيم الامر عامة دهره ، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب ، حضرته ورجل يقرأ عليه أن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت محسنا )(سير أعلام النبلاء ج15 ص 578 للذهبي ). ومثله ذكر ابن حجر العسقلاني في ترجمة الرجل نفسه فقال: (كان مستقيم الأمر عامة دهره ثمّ في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب حضرته ورجل يقرأ عليه أن عمر رفس فاطمة  حتى أسقطت بمحسن) ( لسان الميزان ج1 ص 268 ,ترجمة رقم 824 لابن حجر) ( ملاحظة , مصادر الذهبي والعسقلاني  أعلاه عن كتاب محنة الزهراء ص 66 للسيد عبدالله الناصر).
هذه النتف في بطون الكتب تدل على قضية خطيرة كانت معروفة في تلك الازمنة وحاول المؤرخون وكتبة البلاط طمسها  حتى يُظهروا أحقية الخليفة الاول , لأن الانظمة التي جاءت بعد ذلك على أختلافها كالدولة الاموية والعباسية والعثمانية وما بينها من دويلات كانت تؤيد شرعية خلافة أبوبكر, فليس غريبا أن يقوم المدونون والكتاب بتشذيب وحذف أخطر مظلمة قام بها الحاكم الاول, لأن الاعتراف بالاعتداء على السيدة الزهراء يعني بالتأكيد أعتداء على النبي نفسه, وهذا يعني بطلان الخلافة وبطلان أنظمة الحكم التي أتت بعد ذلك. فكان أن قام المدونون  وكتبة البلاط  بتجميل التاريخ وتنزيهه عن المظالم التي وقعت فيه فصوروه تاريخا نظيفا فاضلا.
إن موت السيدة فاطمة في عنفوان شبابها من دون مرض أوعاهة, يرجح انها توفيت وفاة غير طبيعية, وحتى لو أهمل ذكر حادثة الاجهاض أو الضرب التي يصر البعض على نكرانها, فأن الموت المفاجئ للسيدة فاطمة يوحي لكل محقق أن هناك سبباً أدى لذلك الموت, وهذا يرجح حقيقة الاعتداء وملابساته.
لم تكن زيارة الخليفة ومساعده عمر بن الخطاب لبيت فاطمة  عليها السلام بعد الهجوم على بيتها وأحراق بابها سوى زيارة سياسية لغسل جريمة الهجوم على البيت وترضية سياسية لكسب ود جماهير الناس الذي عرفوا بالهجوم , وهذه طريقة يستعملها كل سياسي لكسب الجماهير ويستعملها رجال العصابات مع أعضاء عصاباتهم , ويستعملها قادة الحروب المنتصرين مع الامم المغلوبة وكذلك رجال الامن مع المسجونين للحصول على أعترافاتهم . سياسة  تحفظ ماء وجه المغلوب والمظلوم وتكسب صاحب الامر القوة وتضفي عليه  مظهر الرأفة والرحمة.  إن الزيارة تلك لم تأت بنتيجة  فلم تكلمهما السيدة فاطمة وقالت أنها ستدعو على الخليفة بكل صلاة تصليها ,وبعد ذلك  بأيام توفيت عليها السلام ,وأوصت زوجها علي بن أبي طالب أن يدفنها سرا ولايظهر مكان قبرها وأوصت أن لايحضر ابوبكر وعمر الصلاة عليها, ويبقى قبر فاطمة بنت محمد (ص) مجهولا الى يومنا هذا بأتفاق المصادر , روى الطبري :(فهجرت فاطمة ابابكر فلم تُكلمه في ذلك حتى ماتت ، فدفنها علي ليلا ولم يؤذن بها ابابكر )(تاريخ الطبري ج3 ص 202). إن وصية فاطمة لزوجها (ع)  بأن يدفنها ليلا ولايُعلم بقبرها أحد شاهد آخر على جريمة غمط حقها. فكأنها عليها السلام أرادت أن تعرف للأجيال مظلوميتها .
في آخريات أيام الخليفة الاول وربما لدنو أجله صرح  نادماً على فعلته بالهجوم على بيت فاطمة , روى الطبري (أما إنّي لا آسى على شي‌ء في الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلهن ـ إلى قوله ـ فأما الثالثة التي فعلتها فوددت أني لم أكشف عن بيت فاطمة وتركته ولو أُغلِقَ على حرب)(تاريخ الطبري ج 2 ص 619 , ووردت الرواية في أكثر من عشرين مصدراُ وسيأتي ذكرها في فصل ابوبكر). 
هذا إعتراف من الخليفة بما فعل ,وندم على جريمة بحق إبنة النبي الكريم , ودليل جلي للناس كي يعرفوا أن الهجوم على البيت وكسره والاعتداء على من فيه حقيقة تاريخية, فالخليفة نفسه يصرح أنه نادم على فعلته تلك , ثم تأمل قوله ( ولو أغلق على حرب) , أي أن بيت السيدة فاطمة لو أدى أغلاقه الى حرب لترك الخليفة أمر ذلك ولم يستعمل التعنيف, وهذا يعني أن إغلاق الباب كاد أن يصل إلى حالة حرب , أي كان عنفا ومصادمة ! إن سبب وفاة فاطمة يشير إلى عصبة الهجوم على بيتها ,فجميعهم اشتركوا في الجريمة, ولذلك أبدى الخليفة ندما على فعلته. إن الحق لايمكن أن يُبنى على الباطل ولايمكن للعدل أن يبنى على مظلمة وإن تباعدت الامكنة وتطاولت الازمنة .




عصبة الهجوم على بيت السيدة فاطمة الزهراء بنت محمد(ص) :
بينت كتب التاريخ أن الهجوم على بيت فاطمة كان أكثر من مرة ,وكان المهاجمون كثر, يروى  أنهم أكثر من ثلاثمائة رجل من أنصار الخليفة ,ويروى أنهم كانوا أضعاف ذلك , وهو قول يقبل التصديق لأن المعني بالهجوم هو الامام علي وبأس علي في الحرب والقتال فاق الاولين والاخرين  ( سيأتي  دور الامام  في الحروب في فصل الامام علي), ولذلك قال الخليفة كما تقدم :( فوددت أني لم أكشف عن بيت فاطمة وتركته ولو أُغلِقَ على حرب)(تاريخ الطبري ج 2 ص 619) فكأن حربا كانت ستقوم من جراء ذلك!  تباينت كتب التاريخ في عدد أسماء رجال الصحابة الذين قادوا ذلك الهجوم ولكنها تتفق على مجموعة منهم ساهموا مساهمة كبيرة في تثبيت نظام الخليفة الاول أبوبكر , وكذلك ساهمت قبيلة بني أسلم في تثبيت حكم الخليفة كما تقدم. سيأتي ذكر أسماء المهاجمين الذين قادوا الهجوم  حسبما وردوا في الكتب التي يأخذ بها جمهور السنة  كشرح ابن أبي الحديد وسنن البيهقي وغيرهم . ذٌكرت المصادر التي يأخذ بها جمهور السنة بعض اسماء المهاجمين وستجد ذلك في نهاية كل أسم سيأتينا, أما مصادر الشيعة الامامية ككتاب سليم بن قيس الهلالي وكتاب الاحتجاج وكتاب المسترشد وغيرها فإنها ذكرت  أسماء لرجال آخرين أشتركوا في الهجوم,  فذكرنا اسمائهم للفائدة ولم نأت بالمصادر فتركنا فراغا بعد اسمائهم. وقد جمع أسماء المهاجمين على بيت فاطمة مع أسماء المصادر التاريخية السيد عبد الزهراء مهدي في كتابه القيم ( الهجوم على بيت فاطمة ) .




اسماء المهاجمين على بيت الزهراء فاطمة بنت النبي محمد (ص).
1- عمر بن الخطاب العدوي الذي صار الخليفة بعد هلاك أبي بكر.( ذكرت أغلب النصوص مشاركته وقيادته للهجوم على البيت النبوي)
2- خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي ( في نهاية هذا الفصل سرد لدوره في قتل مالك بن نويرة لتوطيد حكم الخليفة ) ( ذكر مشاركته كتاب شرح نهج البلاغة: ج2 ص57, وكذلك ج6 ص48 )
3- عبد الرحمن بن عوف (له دور كبير في تنحية الخلافة عن علي بن أبي طالب بعد موت الخليفة الثاني عمر وتسليمها لعثمان بن عفان, ستأتي سيرته في فصول قادمة ) (ذكر دوره كل من السنن الكبرى للبيهقي ج8 ص 152 , كتاب المستدرك للحاكم ج3 ص 66 , حياة الصحابة للكاندهلوي ج2 ص13 ,شرح نهج البلاغة ج6 ص48)
 4-زياد بن لبيد البياضي الانصاري من بني زريق , وبني زريق فيهم يهود , وليس بعيداُ أن يكون زياد من اليهود الذين أسلموا , إن احتمال يهوديته وراد ولكن ليس أكيدا, وليس هناك تفصيلا في ذلك فلم تسعفنا كتب التاريخ ببحث مفصل عن زياد هذا سوى ذكره بالتبجيل والتمجيد كونه من عصبة السقيفة ومن رجال الحكم . كان زياد قائد  حروب اليمن وحضرموت لتثبيت حكم الخليفة الاول وسميت تلك الحروب بحروب الردة وسيأتي ذكرها,  صار زياد والي حضرموت في عهد الخليفة الاول ) ( ذكر اشتراكه في الهجوم: كتاب شرح نهج البلاغة ج2 ص56 وكذلك ج 6 ص 48)
 6-محمد بن مسلمة ( من يهود المدينة المنورة , لم يصرح المؤرخون بأصله اليهودي وستأتي دلائل يهوديته في فصل (دور اليهود في المؤامرة ). له دور كبير في خلافة ابي بكر وفي خلافة عمر وعثمان.) ( ذُكر أشتراكه في الهجوم  كتاب شرح نهج البلاغة  ج6 ص48 , السنن للبيهقي ج8 ص152 , المستدرك للحاكم ج3 ص 66, حياة الصحابة للكاندهلوي ج2 ص 13) .
7- زيد بن ثابت ( من يهود المدينة أيضا وأخفى المؤرخون أصله اليهودي , وسياتي أثبات يهوديته  في فصل ( دور اليهود)), من أقوى المتحمسين لخلافة ابي بكر, صار من أغنى أغنياء الناس في عهود الخلفاء الثلاثة الاوائل وتولى القضاء في عهد عمر وعثمان فكان القاضي الاول في الدولة ) ( لم تتفق المصادر على ذكره وربما لم يكن من المهاجمين على البيت ,ولكن تحمسه اللامحدود لأبي بكر ودوره المهم في يوم السقيفة يرجح أحتمال  كونه من المهاجمين  )
8- سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زاعوراء . (من يهود المدينة أيضا وهو ابن خالة محمد بن مسلمة, صار حاكما على اليمامة في عهد الخليفة الثاني عمر. ستأتي ترجمته في فصل (دور اليهود) ( ذكر دوره في الهجوم كتاب  شرح نهج البلاغة: ج2 ص 50 , وكذلك ج6 ص47)
  9 ـ سلمة بن اسلم بن جريش ( ليس من قريش بل من اهل المدينة,  يلتقي نسبه باليهودي المتأسلم الصحابي محمد بن مسلمة فكلاهما من أولاد عدي بن مجدعة بن حارثة (كتاب الاستيعاب لابن عبد البر , ترجمة سلمة بن أسلم). ليس بعيداً أن يكون من يهود العرب الذين أسلموا حاله حال قريبه محمد بن مسلمة فلم تذكر مصادر التاريخ تفصيلاً في ذلك.) ( ذكر هجومه كتاب شرح نهج البلاغة ج6 ص11, الامامة والسياسة ج1 ص 18)
10 ـ اسيد بن حضير الكتائب(من أهل المدينة , كان أبوه سيد قبيلة الاوس قبل الاسلام , من المتحالفين مع أبي بكر حسداً لسيد الانصار المعارض لأبي بكر وهو سعد بن عبادة الانصاري). (ذكر دوره في الهجوم : شرح نهج البلاغة ج2 ص 50, ج6 ص11,  الامامة والسياسة ج1 ص 18)
 11-   قنفذ بن عمير بن جدعان التيمي‏, أسمه خلف ولقبه قنفذ .( الاستيعاب لابن عبد البر , ج 2 باب المهاجر )‏ ( ورد اسمه في مصادر تقدم ذكرها وهو المعني بقول النظام (ان محسنا فسد من زخم قنفذ .) .(ولاه عمر مكة ثم عزله، واستعمل نافع بن عبد الحارث) ( اسد الغابة لابن الاثير , باب القاف, الاصابة للعسقلاني , حرف القاف. هامش الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص 53, الامامة والسياسة  ج1 ص12)                                                                      
وتضيف بعض المصادر التي لايأخذ بها جمهور السنة رجالا آخرين وهم :
12-سلكان بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زاعوراء ( من يهود المدينة أيضاً وهو أخو اليهودي كعب بن الاشرف بالرضاعة, وهو أخو المهاجم اليهودي المتأسلم  سلمة بن سلامة وابن خالة  المهاجم الاخر محمد بن مسلمة, سيرته ستأتي في فصل دور اليهود).
13-عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زاعوراء ( من أهل المدينة يسطع الاصل اليهودي في أسمه ولايذكر المؤرخون شيئا عن يهوديته , لكنه شارك مع ثلاثة من أصل يهودي في اغتيال كعب بن الاشرف اليهودي ( راجع اغتيال كعب بن الاشرف في مصادر التاريخ )
 14- بشير بن سعد ( وهو اول رجل صفق على يد أبي بكر  البيعة وسبق بذلك عمر بن الخطاب وأبوعبيدة الجراح, ذكر قصة بيعته لابي بكر المؤرخ الواقدي في كتابه  حروب الردة , وهو من رجال المدينة)
15-سهل بن خثيمة ( من أهل المدينة),
16- أبو عبيدة عامر بن الجراح ( ثالث الثلاثة في حزب السقيفة وهم أبوبكر وعمر وهو ثالثهم, سيأتي ذكر عنه وعن وفاته في (فصل عمر) , ذكرت كتب الامامية اشتراكه في الهجوم ,  ومنها كتاب الكوكب الدرّي ج1 ص 194)
17- المغيرة بن شعبة : صار والي البحرين في عهد عمر ثم والي البصرة ثم الكوفة , ذكر اشتراكه في الهجوم في ( الاختصاص للمفيد ص 186، تفسير العياشي ج2ص 66 ; الكوكب الدرّي ج1 ص194)
  18- سعد بن مالك والمشهور بأسم سعد بن أبي وقاص ( والي المدائن في عهد عمر ,من المتحمسين لبيعة الخليفة الاول ومن المبغضين لعلي بن أبي طالب و ستأتي ترجمته في فصل ( اعداء النبي مجمع رذائل ))
19-سالم مولى أبو حذيفة ( سيرته ستأتي في  فصل أعداء النبي مجمع رذائل  )
بطبيعة الحال هذه العصبة كان من دوافعها بغض الامام علي, فمن تتبع سيرة هؤلاء الرجال في كتب التاريخ يتبين أن أغلبهم لهم شأن غير محمود مع علي بن أبي طالب, وفيهم بعض اليهود , لكن المؤرخين لم يذكروا يهوديتهم قبل الاسلام تستراً عليهم لمناصبهم المهمة في حكومة الخلفاء الثلاثة الاوائل . بلاشك أن الدافع الأهم في الهجوم هو أغراءات السلطة وقوتها, فجميع المهاجمين نالوا مناصباً ومراكزا مهمة في حكومة أبي بكر وحكومة عمر وهو ما سيأتي في الفصول القادمة . تبين فيما تقدم , أن قبيلة بني أسلم كان لها دورا كبيرا في تثبيت حكم أبي بكر وعند دخول القبيلة برجالها المسلحين الى المدينة قال عمر : ( مارأيت أسلم الا وأيقنت بالنصر). وحتما كان لقبيلة أسلم دور كبير في الهجوم على بيت فاطمة فالمصادر التي كُتبت خارج نطاق سلطة الدولة بينت ان المهاجمين كانوا أكثر من ثلاثمئة رجل مسلح وترجح مصادر أخرى أنهم كانوا أكثر من ذلك بكثير. إن هذه العصبة جاءت معها مجموعات من الاعراب والمنافقين والباغضين لعلي بن ابي طالب انتهزوا فرصة رحيل النبي وتربع أبوبكر على عرش الخلافة فجاءوا يحملون احقادهم القديمة وثاراتهم الجاهلية. إن قضية الهجوم على بيت فاطمة التي ذكرتها كتب التاريخ  دليل على أغتصاب الخلافة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع , ودليل على عدم وجود شورى وأجماع بين الصحابة





حرمان السيدة فاطمة بنت النبي(ص) من الميراث
 بسبب موقف فاطمة من البيعة , تم حرمانها من ميراث أبيها , وتمكن الخليفة الاول من ذلك بقانون شرعه استند فيه على حديث للنبي لم يروه غيره, أي أنه كان الوحيد بين المسلمين الذي سمع ذلك الحديث ولم يسمعه غيره !  فزعم أن النبي كان قد قال يوما  : (نحن الانبياء لانورث مانتركه صدقة)!
ورد في البخاري: ( إن فاطمة ابنة رسول الله سألت أبا بكر  بعد وفاة رسول الله أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله  مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله  قال: لا نورث ما تركنا صدقة. فغضبت فاطمة بنت رسول  فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرة حتى توفيت.) (صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر ، ج 5 ، ص 252)  ؟!
ونقول أن غضب فاطمة لم يكن لأن الخليفة منع ميراثها كما يصور البخاري فمنع الميراث لايستدعي أن يقوم رجال مدججون بالسلاح بالهجوم على بيت فاطمة, إنما الامر كان لأنها وزوجها رفضا بيعة الخليفة الاول ومن جراء رفض البيعة قام الخليفة بالحجر على ميراثها من أبيها النبي محمد (ص) , لكن البخاري روى الامر بالعكس فقال أنها غضبت وهجرت الخليفة لأنه منع عنها الميراث ,والصحيح أنها غضبت على الخليفة وهجرته لأنه انتحل الخلافة وهاجم بيتها ولما رأى أنها قوية في موقفها أخترع حديث ( نحن الانبياء لانورث مانتركه صدقة) وحرمها من ميراث أبيها.
روى البخاري عن عائشة أرملة النبي أنها قالت : إن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله (ص) ( وهما يطلبان أرضهما من فدك وسهمهما من خيبر ). ( عن كتاب البخاري ,كتاب الفرائض ، باب  لا نورث ما تركناه صدقة  ج 8  ص 551 ) ونقول كيف يطلبان ما ليس لهما ؟! أليس طلب فاطمة والعباس لحقهما يدل على وجود فرض وميراث لهما وكيف يقول النبي حديث ( لانورث مانتركه صدقة) لابي بكر فقط ولم يخبر ورثته بهذا الحديث ؟  فلو كان النبي قد قال ذلك لكانت فاطمة وورثة النبي من أول الناس الذين يعلمون بذلك وليس رجل من خارج عائلة النبي وعشيرته. المتفحص للقرآن يرى أن حديث ( لانورث مانتركه صدقة) باطل لامعنى له, فهناك آيات قرآنية تناقض هذا الحديث وترده, ولقد أوردت السيدة فاطمة ذلك في خطبة لها ألقتها على رؤوس الاشهاد  , فبعد سماعها بحديث الخليفة الجديد  وقفت في مسجد أبيها (ص)  وألقت خطبة طويلة سمعها الحاضرون وفيهم الخليفة نفسه أبوبكر وأعوانه , وكان فيما قالت بخصوص ميراثها مايلي:
(أنا فاطمة ابنة محمد ، أقول عودا على بدء ، وما أقول ذلك سرفا ولا شططا ، فاسمعوا بأسماع واعية ، وقلوب راعية ، ثم قالت : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم  فان تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم ، وآخا ابن عمي دون رجالكم ، ثم ذكرت كلاما طويلا  تقول في آخره :
 ( أنتم تزعمون ألا أرث لنا , ( أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حُكما لقوم يوقنون) أفلا تعلمون ؟ بلى تجلى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته. أيها المسلمون أاُغلب على أرثيه ياابن أبي قُحافة ! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ (لقد جئت شيئا فرياً) , أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء  ظهوركم , اذ يقول ( وورث سليمان داوود), وقال فيما اقتصَّ من خبر يحيى بن زكريا عليهما السلام اذ قال ( ربِّ هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) وقال : ( و أولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) وقال : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) وقال : ( أن ترك خيرا الوصية للوالدين الاقربين بالمعروف حقا على المتقين). وزعمتم ألا حِظوة لي , ولا ارثُ من أبي لا رحم بيننا! أفخصَّكم الله بآيةٍ أخرج منها أبي ؟ أم هل تقولون أهل ملتين لايتوارثان, ولست أنا وأبي من أهل ملة واحدةٍ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فدونكما مخطومةً مرحولة . تلقاك يوم حشرك , فنعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة ماتخسرون , ولا ينفعكم إذ تندمون ( ولكل نبأٍ مستقر وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يُخزيه ويحلُّ عليه عذاب مقيم) ) ( جزء من نص خطبة الزهراء فاطمة في مجلس الخليفة الاول).
تأمل أن حديث أبابكر : ( لانورث مانتركه صدقة) , يرده القرآن في أكثر من موضع, وهو ماذكرته السيدة فاطمة في خطبتها, فالقرآن يذكر ( وورث سليمان داوود) وسليمان نبي ورثه ابنه داوود, والقرآن يروي على لسان النبي زكريا ( رب هب لي من لدنك وليا يرثني) وزكريا نبي وابنه يرثه, فكيف يقول النبي ( نحن الانبياء لانورث مانتركه صدقة)؟ لأن قوله  ذلك يخالف القرآن وهذا باطل لايجوز ! 
إذن الحديث الذي نطق به أبوبكر كان حيلة سياسية أستحدثها الخليفة لأضعاف خصمه الاول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فحرم زوجته من الميراث.
وقد ذكر أصحاب كتب الحديث احتجاج فاطمة على أبوبكر وهو دليل على صحة الخطبة واسنادها, وردٌ لمن ينكر الخطبة وهو دأب المخالفين الذين أذا أعيتهم الحجة أنكروا النصوص واسقطوها, وفيما يلي بعض من روايات الجمهور في الحديث  الذي قاله أبوبكر:
(قالت فاطمة له حين أتته مطالبة بحقها ومحتجة لرهطها: من يرثك يا أبا بكر إذا مت؟ قال: أهلي وولدي قالت: فما بالنا لا نرث النبي ؟) (مسند أحمد بن حنبل ص 10،  فتوح البلدان للبلاذري ص 38، تاريخ بن كثير الدمشقي   ج 5 ص 289)
وروي ابن ابي الحديد
(أن فاطمة طلبت فدك من أبي بكر ، فقال : اني سمعت رسول الله  ، يقول : إن النبي لا يورث ، من كان النبي يعوله فأنا أعوله . ومن كان النبي  ينفق عليه فأنا أنفق عليه ، فقالت : يا أبا بكر ، أيرثك بناتك ولا يرث رسول الله  بناته ؟ قال : هو ذاك) (شرح نهج البلاغة, لابن ابي الحديد).
(قال ابوبكر في زيارة له لفاطمة سمعت رسول الله يقول:  نحن الانبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة. فقالت أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله  تعرفانه وتفعلان به؟
 فقالا (ابوبكر وعمر) نعم: فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله  يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني، قالا: نعم سمعناه من رسول الله . قالت: فإني أشهد الله وملائكته إنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه. فقال أبو بكر. أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة! ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق و هي تقول: والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها. ثم خرج باكيا فاجتمع الناس إليه فقال لهم: يبيت كل رجل معانقا حليلته مسرورا بأهله وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي.).....( الإمامة والسياسة  ج 1 ص 14) . إن قول أبوبكر ( اقيلوني بيعتي) قول لامعنى له , فإذا حقا كان نادما على فعلته وأراد أن يستقيل من منصبه فلماذا لم يفعل؟
وأخيرا, إذا كان حديث أبو بكر صحيحا فكيف لفاطمة المعنية بأمر ميراثها لم تسمع به من أبيها النبي وسمعه أبو بكر؟ وكيف تأتي مطالبة بميراثها لو كانت تعلم أنه لايحق لها الميراث ؟
فدك  في التاريخ !(ميراث الزهراء فاطمة )
 فدك قطعة أرض واسعة فيها نخيل ومزارع وهي من الغنائم التي حصل عليها المسلمون بلا حرب فصارت للنبي (ص), وبقوة الحكم وسطوته حرم الخليفة الاول السيدة فاطمة من ميراث أبيها وأدعى أن (فدك) ليس لها فتم له تجريد فاطمة وتجريد وزوجها الامام علي من قوة المال وبذلك أضعف خصومه  في الخلافة. في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان الاموي ,يهب الخليفة (عثمان) مالايملك ! فيهب فدك ميراث السيدة الزهراء الى قريبه مروان بن الحكم (تاريخ أبي الفداء  ج1 ص 168) وسيأتي تفصيل ذلك في (فصل عثمان). ومثله فعل الملك معاوية بن أبي سفيان في عهده  (فقد أقطع مروان بن الحكم ثلثها ، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها ، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها ). (شرح ابن أبي الحديد ج16 ص216 )! ولما صار مروان بن الحكم خليفة على المسلمين خلصت فدك له بأجمعها فوهبها لعبد العزيز ابنه ، فوهبها ابنه عبد العزيز ، لابنه عمر بن عبد العزيز ، فلما صار عمر بن عبد العزيز خليفة رد فدك ولأول مرة الى أصحابها الشرعيين فكتبها للحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وقيل : بل دعا علي بن الحسين السجَّاد فردها عليه . وكانت بيد اولاد فاطمة  ، مدة ولاية عمر بن عبد العزيز فلما مات عمر بن عبد العزيز تولى يزيد بن عاتكة قبضها منهم ، فصارت في أيدي بني مروان كما كانت ، حتى انتقلت الخلافة عنهم ، فلما ولي أبو العباس السفاح العباسي  ، ردها على عبد الله بن الحسن بن الحسن ، ثم قبضها العباسي أبو جعفرالمنوصر لما حدث من بني حسن ما حدث ، ثم ردها المهدي (ابن الخليفة ابوجعفر المنصور) على ولد فاطمة عليها السلام ، ثم قبضها موسى بن المهدي ، وهارون(الرشيد) أخوه ، فلم تزل في أيديهم حتى ولي المأمون ، فردها على الفاطميين .  حدثني محمد بن زكريا قال : حدثني مهدي بن سابق ، قال : جلس المأمون للمظالم ، فأول وقعة وقعت في يده نظر فيها وبكى وقال للذي على رأسه : ناد أين وكيل فاطمة ، فقام شيخ وعليه دراعة وعمامة وخف تعزى ، فتقدم فجعل يناظره في فدك ، والمأمون يحتج عليه وهو يحتج على المأمون ، ثم أمر أن يسجل لهم بها فكتب التسجيل وقرئ عليه ، فأنفذه ، فقام دعبل الخزاعي الشاعر الى المأمون فأنشده الأبيات التي أولها :
   أصبح وجه الزمان قد ضحكا * برد مأمـون هاشـم فدكــا
فلم تزل في أيديهم حتى كان في أيام المتوكل (العباسي) ، فأقطعها عبد الله بن عمر البازيار ، وان فيها احدى عشرة نخلة غرسها رسول الله صلى الله عليه وآله بيده ، فكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها ، فإذا أقدم الحجاج أهدوا لهم من ذلك التمر( بتصرف عن شرح النهج لابن ابي الحديد). فياله من حق غًصب من أهله وتدواله الناس ظلماً وعدواناً. وهكذا برحيل السيدة فاطمة وحرمانها وورثتها من أي دخل , تخلص ابوبكر وعمر من خصم كان وجوده يهددهما ويهدد شرعيتهما في تسدي الحكم ,ولذا لم يجد علي بن أبي طالب مفرا بعد وفاة فاطمة الزهراء سوى البيعة , وذكر ذلك في خطبة له بعد سنين  مفسرا ما حدث من أمر البيعة والأمامة (...أما والله لقد تقمصها ( يعني تقمص الخلافة) فلان (ابوبكر) وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى, ينحدر عني السيل , ولايرقى الي الطير..ثم يقول..فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا.....) (نهج البلاغة ج1, الخطبة الشقشقية .)
عند تولي علي الخلافة بعد رحيل أبوبكر وعمر وعثمان لم يتطرق الى فدك ,وإن كان من حقه ذلك فهي ملك لزوجته وأم أولاده غصبها الخلفاء الثلاثة الاوائل لكنه يذكر في رسالة له لعثمان بن حنيف عامله على البصرة  شيئا حول فدك : ( بلى كانت في ايدينا فدك من كل ما اظلته السماء فشحت بها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين , ونعم الحكم الله.. ) (عن نهج البلاغة, باب رسائل الامام ) ويُجيب جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب  على سؤال سائل سأله عن  سبب ترك جده  علي بن أبي طالب  المطالبة بفدك عندما صار خليفة له الامر والحكم فيقول الصادق: ( للاقتداء برسول الله (ص) لما فتح مكة ، وقد باع عقيل بن أبي طالب داره ، فقيل له : يا رسول الله ألا ترجع إلى دارك ؟ فقال النبي  (ص) : وهل ترك عقيل لنا داراً !! إنا أهل بيت لانسترجع شيئاً يؤخذ منا ظلماً ، فلذلك لم يسترجع علي بن أبي طالب فدك لما ولي .)( النص عن علل الشرائع للصدوق,  ص 154 باب  العلة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين فدك لما ولي الناس ). ورد في التاريخ مطالبة أناس لحقوقهم في عهد أبي بكر ولم يطالبهم الخليفة ببينة على مطاليبهم ومن ذلك ما ذكر البخاري  :(عن جابر بن عبدالله  ، قال : قال النبي (ص) : لو قد جاء مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا ، فلم يجئ مال البحرين حتى قبض النبي (ص) , فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر فنادى : من كان له عند النبي  عدة أو دين فليأتنا ، فأتيته فقلت : إن النبي (ص) قال لي كذا وكذا ، فحثى لي حثية فعددتها فإذا هي خمس مائة وقال خذ مثليها). ( صحيح البخاري حديث 2132, طبعة الانترنيت)  هذه الرواية تبين أن ابابكر لم يطالب الرجل بأثبات على صحة قوله ولم يسأله شاهدا على صحة مطاليبه,  بل أعطاه ماكان النبي قد وعده وزاد له فيها , لكن ابابكر طالب فاطمة ابنة النبي بالبينة في حق ميراثها وهو فعل يظهر أن الخلافة والرئاسة كانت هي الدافع الاول لتعطيل حكم ميراث السيدة  فاطمة.




حجة حروب الردة لتثبيت حكم ابابكر
خلط المؤرخون عن عمد وربما خوفاً من السلطات بين حروب تثبيت حكم أبي بكر وبين حروب ردة بعض القبائل , وأطلقوا على تلك الحروب التي حصلت في الاشهر الاولى لتولي أبوبكر الخلافة بحروب الردة. ظهر رجلان وامرأة أدعوا النبوة وهم مسيلمة الكذاب في منطقة اليمامة , وسجاح بنت الحارث التميمية  تزوجت بعد ذلك من مسيلمة الكذاب , ورجل ثالث اسمه الاسود العنسي ظهر في اليمن وقتل عامل النبي (ص) وسيطر على صنعاء , ثم قُتل الاسود العنسي في أيام النبي فجاء خبر مقتله والنبي (ص) في أيامه الاخيرة . ويورد المؤرخون رجالا  آخرين يقولون بأنهم ادعوا النبوة كذلك, منهم  طلحة بن خويلد الاسدي 
(وكان يعدل فيما يقولون بألف فارس ، وهو الذي ادعى النبوة ، فاتبعه بنو أسد ، وأتاه عيينة بن حصن في سبع مائة من فزارة فصار معه) (أنساب الأشراف ج 11 ص 157 للبلاذري . عندما رأى طلحة بن خويلد الاسدي   قدوم جيش الخليفة هرب الى الشام ثم عاد تائبا أيام الخليفة الثاني عمر  حتى أنه بعد توبته تجنَّد في جيش المسلمين واشترك في حرب نهاوند ضد الفرس وقتل فيها مما يثير الشك في قصة أدعاءه للنبوة فهو لم يكن متنبئأ ولم يبشر بدين جديد بل كان متمردا على سلطة الخليفة أبي بكر.(  راجع سيرة طلحة بن خويلد في الكامل لابن الاثير ج 2 ص 345, الاصابة للعسقلاني ج 3 ص 542) ومثل طليحة هناك رجل آخر تعاون مع طليحة الاسدي أسمه عيينة الفرازي شهَّرت كتب التاريخ به وقالت أنه مرتد لتعاونًه مع طليحة الاسدي ثم عاد تائبا هو الاخر ليموت مسلمأ.( أسد الغابة لابن الاثير ج 4  ص 33) . المتنبأة سجاح هي الاخرى تابت بعد ادعائها النبوة وماتت مسلمة في مدينة البصرة (  سيرة سجاح وترجمتها في  تاريخ الطبري ج3 ص 236. الاصابة للعسقلاني ج7 ص 723, البدء والتاريخ للمقدسي ج5 , ص 194).
بعد موت النبي (ص) بشهرين قرر طليحة الاسدي غزو المدينة والسيطرة عليها  وكان معه أكثر من عشرين ألف مقاتل ,وتم القضاء على تمرده بمدة يسيرة ولكن كتب التاريخ لاتفصل في ذلك ولاندري كيف تم القضاء عليه وهو بتلك العدة والعدد ويروي الطبري أن الخليفة أبابكر كان قائد جيش المسلمين في مطاردة طليحة وقواته وتم القضاء عليهم بلا تفصيل ولاذكر لحوادث القتال ! والملفت للمحقق هو أن الخليفة أبابكر لم يكن فارساً مقاتلاً طوال حياته و في الفصل القادم نتف من مواقفه في الحروب أيام النبي (ص) , و غلب عليه في أيام الحروب تلك الفر والانسحاب ولم يخرج لمبارزة طوال حياته, فكيف يصبح القائد العسكري المهاجم لقوات طليحة الاسدي ؟ إن الابهام في الروايات وعدم ذكر التفاصيل يبين وجود حقائق  بحاجة الى تحقيق ودراسة.
 لم ينتحل منصب النبوة من هؤلاء سوى مسيلمة الكذاب وسجاح التي تابت والاسود العنسي الذي تم القضاء على حركته بمقتله أيام حياة النبي (ص)  , لكن هناك حروب ومقاتل أخرى حدثت في أول حكم أبي بكر, كان القائمون بها مسلمين وأصر كتبة التاريخ على تسميتهم بالمرتدين عن الدين. فيما يلي روايات من حروب حكومة الخليفة الاول تلك الحروب التي سمتها دولة الخليفة بحروب الردة, من قراءة الروايات يتبين أن تلك الحروب كانت لتثبيت حكم الخليفة وليس لها علاقة بردة الناس عن الدين!



حروب كندة
يذهب عامل أبوبكر على حضرموت وهو زياد بن لبيد الانصاري ( من المهاجمين على بيت فاطمة كما تقدم ذكره) ليجمع الزكاة والصدقة فيجد الناس قد امتنعوا عن دفع الزكاة للخليفة الاول  :
 ( وافترق القوم فرقتين, فرقة أقاموا على دين الاسلام, فلم يرجعوا وعزموا على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة, وفرقة عزموا على منع الزكاة والعصيان.) ( الردة ص 169  للواقدي المتوفى  207 هجرية, كتاب الفتوح لابن أعثم ) ,وهذا يدل على بقاء الناس على ولائهم ودينهم لكنهم أمتنعوا فقط عن دفع الزكاة للخليفة ,وسبب ذلك عدم ايمانهم بشرعية الخليفة في الحكم ,لأن الزكاة مثل الضريبة يدفعها المواطن للدولة فأذا كان لايؤمن بسلطة الدولة فأنه يمتنع عن دفع الضريبة , يروي الواقدي :
( فجعل قوم يعطونه (زياد بن لبيد)-- الزكاة طائعين, وقوم يعطونه إياها كارهين, وزياد بن لبيد يجمع الصدقات ولايريهم من نفسه إلا الصرامة, غير أنه أخذ يوما من الايام ناقة من إبل الصدقة فوسمها وسرحها مع الإبل التي يريد أن يوجه بها إلى أبي بكر, وكانت هذه الناقة لفتى من كندة يقال له زيد بن معاوية القشيري, فأقبل إلى رجل من سادات كندة يقال له حارثة بن سراقة, فقال له : ياابن عم , إن زياد بن لبيد قد أخذ ناقة لي فوسمها وجعلها في إبل الصدقة, وأنا مشغوف بها, فإن رأيت أن تكلمه فيها فلعله أن يطلقها ويأخذ غيرها من إبلي , فأني لست أمنع عليه. قال : فأقبل حارثة بن سراقة الى زياد بن لبيد ( عامل الخليفة الاول ) وقال له : ارأيت أن ترد ناقة هذا الفتى عليه وتأخذ غيرها فعلت منعماً. فقال له زياد : آنها قد دخلت في حق الله , وقد وضع عليها ميسم الصدقة ولا أحب أن آخذ غيرها! فغضب حارثة بن سراقة من ذلك, ثم قال : أطلقها وأنت كريم , وإلا أطلقها وانت لئيم. فغضب زياد من ذلك ثم قال : لا أطلقها حتى أنظر من يحول بيني وبينها أو يمنعها. فتبسم حارثة وقال:
 يمنعها شيخ بخديه الشيب ملمع كما يُلمع الثوب
 ماض على الريب إذا خيف الريب ما إن يبالي العيب وقت العيب.
ثم أقبل حارثة بن سراقة الى إبل الصدقة فاخرج الناقة بعينها ثم قال لصاحبها : خذ ناقتك إليك فأن كلمك أحد فأخطم أنفه بالسيف.
نحن إنما أطعنا رسول الله إذ كان حياً, ولو قام رجل من أهل بيته لأطعناه, وأما ابن أبي قحافة ( أبوبكر), فماله طاعة في رقابنا ولابيعة.ثم  أنشأ حارثة يقول:
أطعنا رسول الله إذ كان وسطنا فيا عجبا ممن يُطيعُ أبابكر
ليورثه بكراً إذا كان بعده وتلك وبيت الله قاصمة الظهر
وإن أُناسا يأخذون زكاتكم أقلًّ وربِّ البيت عندي من الذًّرِّ
فياقوم لاتعطوا اللئام مقادة وقوموا وإن كان المقام على الجمر
وما لبني تيم بن مرة إمرةُ علينا ولاتلك القبائل من فهر
لأن رسول الله أوجب طاعة وأولى بما استولى عليهم من الأمر) ( الردة ص 172 للواقدي , شرح نهج البلاغة ج1)( وفي تاريخ الطبري في باب ردة حضرموت يروي الطبري أن حارثا بن سراقة لما رأى تعنت زياد بن لبيد وعدم رده للناقة قال له غاضباً  : (إذا أنت يهودي!) وتقدم ذكر أن زيادا بن لبيد البياضي من بني زريق, وبنو زريق فيهم يهود وليس بعيداً أن يكون زياد من اليهود المتأسلمين لكن كتب التاريخ لاتسعفنا بذلك سوى من نتف يسيرة منها هذا النتفة .
رواية الواقدي  أعلاه تبين أن الناس لم يرتدوا عن الاسلام وحتى الذين أمتنعوا عن الزكاة أعطوها كارهين. فقد علم العرب المسلمون أن الخليفة بعد النبي هو وصيه علي بن أبي طالب ,فلما قام أبوبكر بالامر واأنتحل الخلافة غضب المسلمون على ذلك وقاطعوا الخليفة وامتنع بعضهم عن دفع الزكاة للخليفة . تأمل قول حارثة بن سراقة : ( نحن أنما أطعنا رسول لله إذ كان حياً , ولو قام رجل من أهل بيته لأطعناه, وأما ابن أبي قحافة ( ابوبكر) فماله طاعة في رقابنا ولابيعة), فهو يذكر أنه لن يكون معارضا لو قام رجل من آل بيت النبي  .
إن المؤرخين خلطوا عن عمد في حروب تثبيت حكم أبي بكر وأضافوا الذين أمتنعوا عن دفع الزكاة الى الذين أدعوا النبوة وهم الثلاثة ( مسيلمة , سجاح, الاسود العنسي) وجعلوهم في خانة واحدة أطلقوا عليها اسم (المرتدون عن الدين). وكان ذلك عين ماقام به أبوبكر وحكومته, فقد جعلوا الذين أدعوا النبوة والذين امتنعوا عن دفع الزكاة والضريبة المالية في خانة واحدة. هذه المغالطة لحقائق التاريخ دُرست في المدارس فصارت كحقيقة لاتقبل النقض!. نعود لنكمل ماحدث في اليمن وحضرموت وكندة :
بعد الذي حدث خرج لبيد زياد من حي كندة  ولما سار على مسيرة يومين منهم أطمأن فأرسل رسالة الى حارثة بن سراقة يهدده ويتوعد كندة , يقول لبيد في رسالته
(نقاتلكم في الله والله غالبُ على أمره حتى تطيعوا أبا بكر
وحتى تقولوا بعد خزي وذلة رضينا بإعطاء الزكاة على القسر)( الردة للواقدي). تأمل قوله ( حتى تطيعوا أبابكر) , وذلك تصريح بأن التمرد كان ضد ولاية أبي بكر وليس ردة عن الدين!
وغضبت أحياء كندة لذلك فيروي الواقدي أن الاشعث بن قيس وهو من رؤوساء كندة قال  :
(يامعشر كندة, إن كنتم على ما أرى فلتكن كلمتكم واحدة وألزموا بلادكم وحوطوا حريمكم , وأمنعو زكاة أموالكم , فإني أعلم أن العرب لاتقر بطاعة بني تيم بن مرة ( يعني بهم قوم أبي بكر ) وتدع سادات البطحاء من بني هاشم الى غيرها). تأمل قوله ,إن المشكل الاول هو عدم القبول بإمارة أبي بكر على الناس, لأن الناس كانوا يعرفون أن الوصي بعد النبي هو علي بن ابي طالب فهو سيد بني هاشم بعد رحيل النبي محمد (ص). ثم يستأنف الاشعث شعرا فيقول:
(لعمري لئن كانتْ قُريشٌ تتابعت على بيعة بعد الرسول وسمَّحوا
بها لبني تيم بن مُرَّة جهرةَ وسمُّوا عتيقا عند ذاك وصرحوا
أميراَ ونحُّوا عنه آل محمد وكانوا بها أولى هناك وأصلح
وإن صلحت في تيم مرة إمرةُ ففي كندة الاملاك أحرى وأصلح)( الردة للواقدي)
في هذه الكلمات والابيات يتبين أن قبائل كندة كغيرها من العرب لم تقبل بأمارة أبي بكر الذي هو من قبيلة تيم واسم أبوبكر هو عتيق ولذلك قال الاشعث : وسموا عتيقا عند ذاك وصرحوا.
ويكمل الواقدي  : (ثم أنه (يعني زياد بن لبيد) سار إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو ذهل بن معاوية, فخبرهم بما كان من قومهم إليه, ودعاهم الى السمع والطاعة, فأقبل إليه رجل من سادات القوم يقال له الحارث بن معاوية فقال له :  يازياد إنك لتدعو إلى طاعة لرجل لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد! فقال له زياد بن لبيد : صدقت , فإنه لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد , ولكن اخترناه لهذا الأمر, فقال له الحارث : أخبرني فلم نحَّيتم عنها أهل بيته؟ وهم أحق الناس بها لأن الله عزوجل يقول ( وأُولو الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب الله )( الانفال75 ). فقال له زياد بن لبيد : إن المهاجرين والانصار أنظر لأنفسهم منك, فقال له الحارث بن معاوية: لا والله, ما أزلتموها عن أهلها إلا حسدا منكم لهم , ومايستقر في قلبي أن رسول الله خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علماً يتبعونه, فأرحل عنا أيها الرجل فإنك تدعو إلى غير رضا. ثم أنشأ يقول:
كان الرسول هو المطاع فقد مضى صلى عليه الله لم يستخلف
هذا مقالك يازياد فقد أرى أن قد أتيت بقول سوء مُخلف)( انتهى كلام الواقدي)
تأمل قول الرجل : وما يستقر في قلبي أن الرسول خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علما يتبعونه! فالرجل عرف بالبداهة أن النبي لايمكن أن يرحل عن الدنيا دون أن ينصب إماما للناس, فلم يرض بأمارة أبي بكر وعرف أنها سوء تدبير من قريش إذ نحت الأمر عن آل بيت النبي (ص). من المهم معرفة أن آل البيت في اللغة هم أقارب الرجل في الدم, فلا يقول قائل أن أبابكر وغيره من ال البيت لأن ابنته عائشة زوجة محمد, فهذا قول فاسد يقول به غير المطلع على معاني لغة العرب. فآل بيت النبي هم من تربطهم به رابطة دم وليس رابطة زيجة , فعلي بن أبي طالب هو سيد آل بيت النبي بعد النبي, وهذا خارج عن بحثنا الآن . ثم يكمل الواقدي :
(فوثب عرفجة بن عبد الله الذهلي فقال: صدق والله الحارث بن معاوية , أخرجوا هذا الرجل عنكم, فما صاحبه بأهل للخلافة ولايستحقها بوجه من الوجوه, وما المهاجرون والأنصار بأنظر لهذه الامة من نبيها وأنشأ يقول
فمن مبلغ عنا عتيقا رسالة لبستَ لباس الظالمين علانية
لحا الله من أعطاك طاعة بيعةِ مقرَّاً ولا أبقى له الدهر باقية
أتملكها دون القرابة ظالما لك الذبحُ ذرها آنما هي عارية)( انتهى كلام الواقدي) ,وقوله عتيقا يعني به أبا بكر .عاد زياد الى الخليفة أبوبكر ليخبره بما حصل وبعدم أنصياع قبائل كندة لأمارته وامتناعهم عن دفع الزكاة لدار الخلافة في المدينة , فهيأ له أبوبكر جيشا وسار زياد من المدينة في أربعة ألف مقاتل نحو حضرموت لأجبار الناس على بيعة أبي بكر ولدفع أسهم الزكاة والخمس والصدقات اليه. وسار زياد بالجيش يقتل من يعارضه, وكان أن دخل الى حي من بني كندة يقال لهم بنو هند فكبسهم وقاتلهم وقتل منهم جماعة فانهزموا . روى الواقدي ( وأحتوى المسلمون على نسائهم وذراريهم وأموالهم)( الردة للواقدي) ! تأمل أن جيش ابي بكر يقتل الناس المسلمين وينهب أموالهم ويتخذ نسائهم  جواريا. ثم يروي الواقدي وحشية جيش زياد بن لبيد فيقول ( ثم سار زياد بن لبيد إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو العاتك فوافاهم وهو غافلون, فلما أشرفت الخيل عليهم تصايحت النساء وخرج الرجال الى الحرب فاقتتلوا ساعة ووقعت الهزيمة عليهم . فأنهزموا وأسلموا ديارهم ونساءهم وأموالهم , فاحتوى المسلمون على جميع ذلك!)  وقوله : واحتوى المسلمون على ذلك, يعني به أنهم أستولوا على النساء والاموال. ويمضي زياد بن لبيد في مهمته يقتل الناس ويسبي النساء حتى يأتي الى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو حجر فيقتل منهم مائتا رجل ويأسر خمسين رجلا منهم, وكذلك يحتوي جيشه على قليلهم وكثيرهم. ويفعل زياد مثل ذلك في حي بن جمر وهم من أحياء كندة فيوقع القتل فيهم ويسبي النساء والذراري والأموال . ثم يتصدى لزياد جيش الاشعث بن القيس الكندي وتقع معركة كبيرة يقتل فيها من جيش زياد أكثر من ثلاث مائة رجل كما يروي الواقدي, ويحاصر جيش الاشعث زياد بن لبيد وجيشه,فيكتب زياد بن لبيد الى المهاجر بن أمية وهو قائد جيش آخر من جيوش ابي بكر يستنجده فيأتي المهاجر بألف فارس لكنهم يقعوا في كمين آخر ينصبه لهم جيش الاشعث الكندي فيقعوا كذلك في حصار. فيستنجد زياد بن لبيد بالخليفة أبا بكر فينجدهم بجيش قوامه ألفين فارس ويجعل عليه عكرمة بن أبي جهل قائدا فيسير عكرمة الى صنعاء ثم الى مأرب, فلما يعلم أهل منطقة أسمها دُبا بقدوم جيش عكرمة بن أبي جهل يغضبوا على مسيرته الى محاربة كندة, فيقول بعضهم لبعض واللفظ للواقدي: ( وجعل بعضهم يقول لبعض تعالوا نشغل عكرمة عن محاربة بني عمنا من بني كندة وقبائل اليمن, فعزموا على ذلك ووثبوا على (حذيفة بن عمرو) عامل الخليفة عليهم فطردوه عن بلدهم )( الردة للواقدي).فيرسل عكرمة رسالة الى أبي بكر يخبره بما فعل أهل دُبا فيغضب ابوبكر ويكتب الى عكرمة ( أما بعد فإن قرأت كتابي هذا فسر إلى أهل دبا على بركة الله فأنزل بهم ماهم أهل له , ولاتقصر فيما كتبت به إليك, فإذا فرغت من أمرهم فابعث إلي بهم أسارى وسر إلى زياد بن لبيد , فعسى الله أن يفتح على يديك بلاد حضرموت!).( الردة للواقدي, الفتوح لابن أعثم الكوفي ج1)   فسار اليهم عكرمة حسب أوامر الخليفة حتى  : ( قتل منهم زهاء عن مائة رجل ثم سار اليهم عكرمة يريد قتالهم ثانية ودخل القوم مدينتهم فتحصنوا فيها ونزل بهم عكرمة وحاصرهم وضيق عليهم واشتد عليهم الحصار لأنهم لم يكونوا أعتادوا لذلك, فارسلوا الى عاملهم حذيفة بن عمرو يسألونه الصلح على أنهم يؤدون الزكاة ويرجعونه الى محبته , وينصرف عنهم عكرمة . فارسل أليهم عاملهم ( أنه لاصلح بيننا وبينكم, إلا على الإقرار منكم أنا على الحق وأنتم على الباطل وأن قتيلنا في الجنة وقتيلكم في النار , وعلى انا نحكم فيكم بما رأينا) . قال : فأجابوه إلى ذلك , فأرسل أليهم أن أخرجوا الان عن مدينتكم بلا سلاح, ففعلوا ذلك ودخل المسلمون إلى حصنهم فقتلوا أشرافهم, وسبوا نساءهم وأولادهم وأخذوا أموالهم ووجه برجالهم إلى أبي بكر وهم ثلاث مائة رجل من المقاتلة , وأربع مائة من النساء والذراري) (الردة للواقدي , الفتوح لابن أعثم ج1).
 هذه الوحشية والغدر بعد الامان ,وهذه الدماء التي أريقت هي نزر من معارك طويلة , و كل ذلك بسبب تسدي أبوبكر للخلافة وتشبثه بها وليس للردة عن الاسلام دورا في ذلك. إن القوم رفضوا منصب ابي بكر كخليفة بعد النبي , وعلموا بالبداهة  أن الخليفة بعد النبي رجل من اهل بيته وهو أحق بها منه. لقد أمتنع القوم عن الزكاة لعلمهم بأن الخليفة الذي يأخذ اموالهم هو ليس بالرجل المناسب وأنه أغتصب الملك أغتصابا فأطلق عليهم أبوبكر وحكومته تسمية المرتدين .
إن الواقدي يلطف في سرده عندما ذكر: ( ووجه برجالهم الى أبي بكر وهم ثلاث مائة رجل من المقاتلة) , فقد أضاف كلمة المقاتلة لرجالهم ليظهر أن العقوبة وقعت على المقاتلين فقط لكن الجملة التي تلتها ضمت للرجال (.. أربع مائة من النساء والذراري), فهل كانت النساء والذراري من المقاتلة أيضاً؟
أمر الخليفة  بحبس القوم الاسرى :( فحبسوا في دار رملة بنت الحارث فلم يزالوا هناك الى أن توفى أبوبكر) ( الردة للواقدي ص 200) . أي أن فترة حبسهم دامت أكثر من سنتين! فلما مات أبوبكر وقام عمر بن الخطاب بالخلافة أطلق سراحهم. ويذكر الواقدي أنه بعد تلك المدة في الحبس تفرق المساكين في البلدان فرجع بعضهم الى قومه وذهب بعض الى البصرة  كحال أي لاجئ إنقطع عن موطنه فصار غريباً , فأي جريمة أرتكب هؤلاء الناس؟ وماذنب النساء والاطفال؟
يذكر الواقدي وكذلك ابن أعثم في الفتوح أن أبابكر لم يكن يريد أن يضعهم في السجن أول الامر فقد عزم على ذبح الرجال وتفريق النساء المسلمات جواري على أهل المدينة ولكن  عمر وغيره من أعضاء حكومته خففوا من حدته وأشاروا عليه بأن القوم لايستحقون ذلك فأخذته الرأفة فسجنهم !





مذبحة أخرى لتثبيت الحكم , مالك بن نويرة!
المتصفح لكتب التاريخ الرواية لحروب تثبيت حكم الخليفة الاول,  لايمكنه تجاهل مذبحة أخرى أرتكبت بأمر الخليفة الاول  وهي مذبحة بني تميم ومقتل شيخ تلك القبيلة المسلم مالك بن نويرة. تمكنت حكومة أبي بكر أن تمرر تلك الجريمة وتضعها تحت خانة  حروب الردة كذلك . فمن هو مالك بن نويرة ومن هم بنو تميم ؟
(مالك بن نويرة التميمي اليربوعي أسلم في زمن النبي وهو الذي يضرب به المثل ، فيقال مرعى ولا كسعدان ، وماء ولا كصداء وفتى ولا كمالك . وكان فارسا شاعرا مطاعا في قومه ، وكان فيه خيلاء وتقدم ، وكان ذا لمة كبيرة ( كثير الشعر وجميله) ، وكان يقال له الجفول(سريع النجدة لمن يطلبها منه)( وفيات الاعيان لابن خلكان , ترجمة مالك بن نويرة). أسلم بنو يربوع بأسلامه وولاه رسول الله صدقات قومه ثقة به واعتمادا عليه ( أسد الغابة لابن الاثير ج4 ص 298 . الاصابة لابن حجر ج3 ص 236).  
بعد وفاة النبي امتنع مالك بن نويرة عن اداء الزكاة الى ابي بكر, لعلمه أن تأدية الزكاة والخمس ستكون لمن يأتي بعد النبي وهو علي بن أبي طالب , فلما أتاه خبر خلافة ابي بكر امتنع عن اداء الزكاة والخمس وقال لقومه:(  : يابني تميم, إنكم قد علمتم بأن محمد بن عبد الله كان قد جعلني على صدقاتكم قبل موته، وقد هلك محمد ومضى لسبيله ولابد لهذا الأمر من قائم يقوم به. فلا تُطعما أحدا في أموالكم و فأنتم أحق بها من غيركم)( الردة للواقدي, باب مالك بن نويرة ومسيلمة )
ثم أنشد شعرا وكان مما قاله
فقلت خذوا أموالكم غير خائفٍ                ولا ناظرٍ ماذا يجيء مع الغد
فإن قـام بالديـن المحوّق قائمٌ                أطعنا وقلنا الدين دين محمد
 ( الردة للواقدي , الإصابة للعسقلاني ج 5 ص 560)
وقوله (قام بالدين المحوق قائم ) فقد يعني به عليا بن أبي طالب.
ثم يكمل الواقدي :( وبلغ شعره وكلامه أبابكر والمسلمين فازدادوا عليه حنقاً وغيظاً, واما خالد بن الوليد فإنه حلف وعاهد الله لئن قدر عليه ليقتلنه وليجعلن رأسه أُثفية للقدر). أثفية القدر هي الحجارة التي توضع تحت القدر عند أشعال النار , وذلك ماتم حيث قتله خالد بعد أن أعطاه وقومه الامان, ثم ضع رأسه مع رؤوس قومه تحت القدور واحرقوهم لتسخين الطعام في القدور, فيا لها من وحشية  يأنف من فعلها  الوحوش الكاسرة , لكن خالد بن الوليد فعل ذلك بهذا الرجل المسلم الذي كانت جريمته هي امتناعه عن دفع الزكاة لمن أنتحل الخلافة واغتصب السلطة. في عرف قوانين الدولة تعتبر جريمة خالد جريمة قتل مع سبق الاصرار والترصد, فخالد يقول قبل الحرب بأنه سيجعل رأسه اثفية للقدر ثم يحقق ذلك .




قصة الغدر
أمر الخليفة الاول ابوبكر قائد جيشه خالدبن الوليد بالسير الى قوم مالك بن نويرة وحربهم واخذ مال الزكاة والخمس منهم, ولما قدم خالد بن الوليد البطاح (البطاح منطقة قريبة من قوم مالك بن نويرة)، بث السرايا وأمرهم بإعلان الأذان رمز الإسلام، وأن يأتوه بكل من لم يجب داعي الإسلام، ومن يمتنع يقتلوه. روى الواقدي:
(ثم ضرب خالد عسكره بأرض بني تميم, وبث السرايا في البلاد يمنة ويسرة, قال: فوقفت سرية من تلك السرايا على مالك بن نويرة وإذا هو في حائط له, ومعه أمرأته وجماعة من بني عمه. قال: فلم يعلم مالك إلا والخيل قد أحدقت به, فاخذوه أسيراً , وأخذوا أمرأته معه, وكانت بها مُسحة من جمال. وقال : وأخذوا كل ماكان من بني عمه , فاتوا بهم الى خالد بن الوليد حتى أوقفوه بين يديه. قال : فأمر خالد بضرب أعناق بني عمه بِديَأَ ( أي أولاً), فقال القوم : إنا مسلمون فعلام تضرب أعناقنا؟ قال خالد : والله لأقتلنكم! فقال له شيخ منهم : أليس قد نهاكم أبوبكر أن تقتلوا من صلى إلى القبلة. فقال خالد: بلى قد أمرنا بذلك , ولكنكم لم تصلوا ساعة قط. قال : فوثب أبو قتادة الى خالد بن الوليد وقال: إني أشهد أنه لاسبيل لك عليهم. قال خالد : وكيف ذلك؟ قال : لأني كنت في السرية التي وافتهم , فلما نظروا إلينا قالوا: من أنتم ؟ قلنا : نحن المسلمون, فقالوا : ونحن المسلمون, ثم اذنا وصلينا وصلوا معنا . فقال خالد : صدقت ياقتادة, إن كانوا قد صلّوا معكم فقد منعوا الزكاة التي تجب عليهم, ولابد من قتلهم. قال : فرفع شيخ منهم صوته يقول:
يامعشر الاشهاد إن أميركم أمر الغداةَ ببعض مالم يُؤمر
حَرُمت عيه دماؤنا بصلاتنا والله يلعم أننا لم نكفر
أن تقتلونا تقتلوا أخوانكم والراقصات إلى منى والمشفر
ياابن المغيرة إن فينا خطة شنعاء فاحشةً فخذها أو ذر
قال: فلم يلتفت خالد بن الوليد الى مقالة الشيخ , فقدمهم وضرب أعناقهم على آخرهم. قال : وكان قتادة قد عاهد الله أن لايشهد مع خالد مشهداَ أبداَ بعد ذلك اليوم. قال : ثم قدم خالد مالك بن نويرة ليضرب عنقه , فقال مالك : أتقتلني وأنا مسلم أصلي القبلة. فقال خالد : لو كنت مسلما لما منعت الزكاة ولا امرت قومك بمنعها , والله لما قلت بما في مقامك حتى أقتلك. قال فالتفت مالك بن نويرة الى أمرأته فنظر أليها ثم قال : ياخالد , بهذا تقتلني. فقال خالد : بل لله أقتلك برجوعك عن دين الاسلام وجفلك لأبل الصدقة وأمرك لقومك بحبس ما يجب عليهم من زكاة أموالهم. قال ثم قدمه خالد فضرب عنقه صبراً. فيقال أن خالد بن الوليد تزوج بأمرأة مالك , ودخل بها وعلى ذلك أجمع أهل العلم.
وفي ذلك يقول حوى بن زهرة  السعدي :
ألا قل لحي أوطئوا بالسنابك * تطاول هذا الليل من بعد مالك
قضى خالد بغيا عليه لعرسه * وكان له فيها هوى قبل ذلك
فأمضى هواه خالد غير عاطف * عنان الهوى عنها ولا متمالك
وأصبح ذا أهل وأصبح مالك * على غير شئ هالكا في الهوالك
فمن لليتامى والأرامل بعده ؟ * ومن للرجال المعدمين الصعالك ؟
(عن الردة للواقدي)

تأمل قول المؤرخ : (ويقال أن خالد بن الوليد تزوج بأمرأة مالك)! فهو لايريد تأكيد ذلك ولكنه يذكر قصيدة حوى بن زهرة السعدي وفيها يقول : (قضى خالد بغيا على لعرسه وكان له فيها هوى كذلك.) فيضمن معنى ذلك أن خالد تزوج زوجة مالك بن نويرة الجميلة في ليلة قتل زوجها .وقد أكد غير الواقدي من المؤرخين هذه الوقعة وقصة اغتصاب الزوجة ومنهم:
(تاريخ الأمم والملوك للطبري ج 3 ص 224 ,  الإصابة لابن حجر ج 5 ص560 , مختار الأغاني ج 7 ص 105 ,حياة الصحابة للكاندهلوي ج 2 ص 468 نقلاً عن كنز العمال ج 2 ص 122. تاريخ أبى الفداء ج 1 ص 158 ، وفيات الأعيان لابن خلكان ج 6 ص 14. وقد جمع هذه المصادر العلامة شرف الدين في كتابه النص والاجتهاد )
ويروي العلامة شرف الدين :
(وكان خالد قد أمر بحبس تلك السراة الأسرى من قوم مالك ، فحبسوا والبرد شديد فنادى مناديه في ليلة مظلمة أن أدفئوا أسراكم وهي في لغة كنانة كناية عن القتل فقتلوهم بأجمعهم . وكان قد عهد إلى الجلادين من جنده ، أن يقتلوهم عند سماعهم هذا النداء ، وتلك حيلة منه توصل بها إلى أن لا يكون مسئوولا عن هذه الجناية ، لكنها لم تخف على أبي قتادة وأمثاله من أهل البصائر وانما خفيت على رعاع الناس وسوادهم بقوة الساسة والسياسة ).( عن كتاب النص والاجتهاد للعلامة شرف الدين) .بعد مقتل مالك والزواج من ارملته في ليلة قتله يعود خالد الى المدينة لمواجهة ابي بكر! روى التاريخ:
 (وأقبل خالد من الميدان إلى المدينة ، ودخل المسجد في عدة الحرب مرتديا قباءا له ، صدأ الحديد ، وقد غرز في عمامته أسهما ، وقام إليه عمر إذ رآه يخطو في المسجد ، فنزع الأسهم من رأسه وحطمها وهو يقول : قتلت امرؤا مسلما ثم نزوت على امرأته ، والله لارجمنك بالأحجار) ( النص والاجتهاد لشرف الدين , وعن تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 110 ، تاريخ أبى الفداء ج 1 ص 158 ،تاريخ الطبري ج 3 ص280 ،  الاصابة للعسقلاني ج 3ص336)
ويروي  العسقلاني أن قاتل مالك بن نويرة هو ضرار الاسدي قتله بأمر خالد بن الوليد فيقول ( فقتله ضرار, ثم خلفه خالدا على زوجته . فقدم أخو (القتيل)مالك بن نويرة واسمه متمم على الخليفة أبي بكر فأنشده مرثية أخيه وناشده في دمه وفي سبيهم . فرد أبوبكر السبي( الاسرى) وقال لخالد طلق أرملة مالك بن نويرة)( باختصارعن الاصابة للعسقلاني ج 5ص 56). وكذلك بن بكار فقال ( أن ابابكر أمر خالداً أن يفارق زوجة مالك!)( الموفقيات للزبير بن بكار)
صار خالد بن الوليد وفق الشرع الاسلامي زانيا ,فالزواج لايصح لامرأة مات زوجها أو طلقها ألا بعد أن تقضي مدة العدة هي ثلاثة أشهر , لكن خالدا دخل بأمرأة مالك في ليلة القتل ذاتها , وتغافل الخليفة عن جريمة الزنا تلك وعطل حد من حدود الله. لقد كان خالد  عازماً على جعل رأس مالك بن نويرة أثفية للقدر قبل الذهاب في حملته , وهذا يعني ان جريمته  مدبرة مع سبق الاصرار!  لقد شهد ابو قتادة الانصاري وعبدالله بن عمر  لمالك بن نويرة  بالاسلام , فقد صلى القوم معهم صلاة واحدة كما تقدم ذكره , لكن خالدا ابى الا ان يمضي سيفه بحجة أن مالكا بن نويرة منع الزكاة, بينما النبي محمد (ص) قد بين للمسلمين حدودهم بقوله : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها منعوا مني دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله ) (  صحيح مسلم ج1 ص 30، وكذلك في سنن ابن ماجة ) , هذا الحديث للنبي (ص) ينص على تحريم قتل الناس الذين يقولوا لا اله الا الله, لكن خالد تناسى هذا الحديث المشهور للنبي ومضي في جريمته فقتل الرجل وأصحابه ثم نزا على زوجته في ليلة القتل! فمن ياترى اباح لخالد تلك الجسارة على المسلم المظلوم مالك بن نويرة ؟ علم خالد أن ماسيفعله سوف يرضي ابوبكر, فمضى في غروره واسقط عنه الخليفة حدا من حدود الله ,  فمن يجسر بعد تلك الجريمة أن لايبايع للخليفة؟ بعد مقتل مالك بن نويرة ومقتل رجال عشيرته لم تجد باقي القبائل  سوى الرضوخ للخليفة والقبول بحكمه.





انتهى الفصل ويليه الفصل الرابع
ابوبكر الخليفة الاول 
http://marwan1433.blogspot.ca/2013/07/4.html