الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

8- أمية ..دولة الطلقاء \ مؤامرة المسلمين على النبي محمد (ص)



الفصل الثامن من كتاب مؤامرة المسلمين على النبي محمد (ص)
8- أمية ... دولة الطلقاء
فهرس الفصل :
مقدمة, معاوية بن أبي سفيان الأموي, مثالب معاوية: حربه لأمام زمانه الامام علي, شربه الخمر, معاوية ولبس الحرير , معاوية وأحاديث النبي (ص) , معاوية ينصب نفسه ملكا ويلقي باللوم على أحداث السقيفة,
معاوية يستحدث قانون سب ولعن الامام علي على منابر الدولة, معاوية يسب الامام علي علانية , ولاة بني أمية يلعنون الامام علي ويسبوه على المنابر, نتائج قانون سب الامام علي.
معاوية ينصب لنفسه وزيرا ليس على دين محمد (ص), معاوية يستعين بنصارى قبيلة كلب في تثبيت حكمه, ميسون أم ولي العهد من نصارى كلب, نصارى كلب يتحكمون في دولة المسلمين،  معاوية يهئ يزيد للخلافة ويلقي باللوم على أحداث السقيفة, الارهاب في زمن معاوية ودولته, جرائم معاوية في أغتيالات الصحابة وقتلهم, اغتيال الحسن بن علي بالسم, إغتيال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد, اغتيال مالك الاشتر وقتل عمار بن ياسر, اغتيال عبدالرحمن بن الخليفة الاول أبوبكر, إغتيال محمد بن الخليفة الاول ابوبكر, قتل حجر عدي وأصحابه, هلاك معاوية.
خليفة المسلمين وملكهم الجديد يزيد ماجن وسكير, نسب يزيد ونشأته,
كربلاء, الامام الحسين بن علي, الحسين يعلنها أنه لايبايع ليزيد, خروج الحسين نحو العراق, الامام علي يذكر كربلاء قبل وقوعها بسنين, الحسن بن علي يذكر أخيه الحسين بيوم مقتله, الصحابي سلمان يذكر المسلمين بيوم مقتل الحسين قبل وقوعه بعشرات السنين, استشهاد مسلم بن عقيل, يزيد مصمم على قتل الحسين, الحسين يأخذ الحجة من أفواه الناس, عاشوراء يوم الملحمة , النداء الاخير للامام, شهداء آل النبي (ص) في كربلاء, الامام يقاتل لوحده, جيش الطاغية الهمجي يسلب وينهب ويقتسم رؤوس الشهداء, خبر المذبحة يصل للطاغية, آل محمد (ص) أسرى وسبايا في قصر الطاغية.
موقعة الحرة, جيش يزيد يستبيح المدينة, نتائج الحملة العسكرية على المدينة, جيش الخليفة يقصف الكعبة بالمجانيق ومشاعل النار, هلاك الطاغية, سبب هلاك يزيد, صرخة حق في قصر الطاغية.
الصراع على الملك, قدوم مروان بن الحكم الى الشام, دولة المسلمين في دوامة الصراعات, طاغية يخلف طاغية, بنو أمية والمسلمون يحجون الى بيت المقدس بدلا عن الذهاب لمكة.




-8-أُمية , دولة الطلقاء
(وما جعلنا الرؤية التي أريناك إلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن )(الأسراء 60)

قال السيوطي في تفسيرالآية : (عن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم : سمعت رسول الله يقول : لأبيك وجدك إنكم الشجرة الملعونة في القرآن. ) ( الدرالمنثور للسيوطي ج4 ص 191)
تصافقت كتب التفسير على تنوعها على أن الشجرة الملعونة في القرآن هي عشيرة بني أمية! نقل الطبري قول العباسي المأمون:  (والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلاّ طغياناً كبيراً ، ولا إختلاف بين أحد أنه أراد بها بنى أمية) ( الامم والملوك للطبري ج8 ص185).
إذا كانت الشجرة الملعونة ترمز لبني أمية , فما هي رؤيا النبي في أول الاية؟
(عن سعيد بن المسيب في تفسير قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس  (الاسراء 60) , قال : رأى ناساً ( أي رأى النبي ناساً) من بني أمية على المنابر فساءه ذلك) ( البداية والنهاية لابن كثير ج10 ص 53).
(عن أبى هريرة: أن رسول الله  رأى في منامه كأن بنى الحكم ينزون على منبره وينزلون فأصبح كالمتغيظ ، فقال : ما لي رأيت بنى الحكم ينزون على منبرى نزو القردة ، قال : فما رؤى رسول الله (ص) مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتى مات) ( مجمع الزوائد للهيثمي ج5 ص 243 , المستدرك على الصحيحين للنيسابوري , باب الفتن. دلائل النبوة للبيهقي , باب غزوة تبوك. كنز العمال للمتقي الهندي ج11 ص 167. تفسير الدر المنثور للسيوطي ج4 ص 191. البداية والنهاية لابن كثير ج6 ص 272. تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 57 ص 256. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج9 ص220. شواهد التنزيل للحسكاني ج2 ص 457. مسند أبي يعلى الموصلي ج11 ص 348).
بنو الحكم هم بنو العاص بن أمية, وقول النبي أنه رأى بني أمية أو بني الحكم على منبره كان أخبارا عن غيب تحقق, فقد صار مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ملك المسلمين بعد وفاة معاوية بن يزيد بن معاوية وخلفه ابنه عبد الملك بن مروان وخلف عبد الملك ولداه هشام والوليد  وجميع خلفاء بني أمية من بعد معاوية  هم من بني الحكم أو بني العاص بن أمية.
عن أبي ذرالغفاري قال سمعت رسول الله (ص) يقول ( إذا بلغت بنو أمية أربعين ، اتخذوا عباد الله خولا ، ومال الله نحلا ، وكتاب الله دغلا .) ( المستدرك للحاكم ج5, تاريخ الإسلام للذهبي ج5 ص 233) ,وعن أبي هريرة قال النبي:( إذا بلغ بنو العاص أربعين رجلا اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا) (البداية والنهاية لابن كثير ج10 , باب أنقضاء دولة بني أمية, تاريخ الإسلام للذهبي ج5 ص 233). الدغل هو الفساد , والخول معناها العبيد الاذلاء , ودولا أو نحلا تعني أنهم يقسمون مال الله بينهم .
قال النبي (ص) : ( إذا رأيتم معاوية على منبري فأقتلوه) ( تاريخ الطبري ج8 ص186, تاريخ ابن عساكر ج59 ص 155 ومابعدها, ميزان الاعتدال للذهبي ج1 ص571, الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ج7 ص83, كتاب المجروحين لابن حبان ج1 ص 157)
وبلفظ آخر عن عبد الله بن مسعود قال النبي (ص) : (إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على المنبر فأضربوا عنقه) ( أنساب الاشراف للبلاذري ج5 ص 130)
هذه نبواءات تجلت للنبي (ص) في الغيب , وتحققت بعد رحيله . فصار لبني الشجرة الملعونة دولة تسلطت على رقاب المسلمين وحرفت وشوهت دين محمد (ص) وتآمرت على صحابة النبي المخلصين . لقد علم النبي (ص) أن معاوية وبنو الحكم وبنو العاص بن أمية سيتسلطون على أمته ولهذا حث المسلمين من بعده على قتل معاوية أن هو تسدى كرسي الخلافة أو طلع على منبر الرسول ليخطب. وسيقول قائل : كيف إذن تناست الامة توصيات النبي في ذلك ولم تنفذ تلك الاوامر النبوية؟ ونقول لقد تخلى الناس عن النبي (ص) أثناء حياته أكثر من مرة , فمن السهولة تناسي آوامره بعد رحيله.




معاوية بن أبي سفيان الأموي
قال الامام علي بن أبي طالب في معاوية:
( معاوية طليق ابن طليق، حزب من هذه الأحزاب، لم يزل لله عز وجل ولرسوله وللمسلمين عدوا هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين )(تاريخ الطبري , حوادث سنة 37هـ ). الطليق هو كل قريشي أسلم بعد فتح مكة , أي بعد دخول جيش المسلمين الى مكة بقيادة النبي محمد (ص). فالطلقاء هم الذين أعلنوا أسلامهم كرها وليس إيمانا و تطوعا, ومن هؤلاء الطلقاء معاوية وأبوه أبو سفيان ,وكذلك أمه هند بنت عتبة. أسلم أبو معاوية وهو ابوسفيان صخر بن حرب بعد يأسه من الانتصار على النبي  , ففي يوم فتح مكة  يقول النبي محمد لأبي سفيان : (ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال أبو سفيان بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك !! أما هذه ففي النفس منها شيء. فقال له العباس ويحك , أسلم قبل أن يُضرب عُنقك) ( كتاب الغدير, فصل معاوية ,للعلامة الأميني , العبر لابن خلدون). كان أبو سفيان قائد المشركين في كل الحروب التي سبقت فتح مكة, فهل يعقل أن يدخل الاسلام رجلا كأبي سفيان ويصلح أسلامه؟  ذكر المقريزي في ابي سفيان (وكان كهفا للمنافقين، وأنه كان في الجاهلية زنديقا)( النزاع والتخاصم للمقريزي) ,والزنديق هو الكافر بوجود الخالق. في أثناء حروبه للمسلمين لم يتورع أبوسفيان عن الاتيان  بكل مايستطيع في سبيل قهر المسلمين, ومن ذلك أنه عزم يوماً على  نبش قبر السيدة آمنة أم النبي ليساوم على رفاتها قبل معركة أحد, وكما يلي:
(وقد مروا بالابواء في طريقهم إلى أحد ـ فاقترح عليهم أبو سفيان أن ينبشوا قبر آمنة بنت وهب أم النبي محمد (وكانت قد توفيت ودفنت هناك في منطقة الابواء) وقال لهم:  فإن يصب محمد من نسائكم أحداً قلتم: هذه رمة أمك, فإن كان باراً ـ كما يزعم ـ فلعمري ليفادينكم برمة أمه. وإن لم يظفر بإحدى نسائكم فلعمري فليفدين أمه بمال كثير. فاستشار أبو سفيان أهل الرأي من قريش في ذلك. فقالوا: لا تذكر من هذا شيئاً) (المغازي للواقدي ص 158 ـ 160)
كان أبو سفيان قائد أحزاب قريش في معركة الخندق ولهذا سميت المعركة أيضا بوقعة الاحزاب ,وفيها  يتوعد أبوسفيان النبي (ص) فيقول :
 ( باسمك اللهم أحلف باللات والعزى واساف ونائلة وهبل، لقد سرت إليك أريد استئصالكم، فأراك قد اعتصمت بالخندق، فكرهت لقائي، ولك مني كيوم أحد))  السيرة الحلبية لبرهان الحلبي , باب غزوة الخندق), فيرد عليه النبي ويصفه بالسفيه فيقول(ص) :(الله بينك وبين ما تريد، ويجعل لنا العاقبة، وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وساف ونائلة وهبل, يا سفيه بني غالب).(السيرة الحلبية , غزوة الخندق)
بعد رحيل النبي (ص) وفي زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان الاموي يسلك أبو سفيان عين سلوكه عندما أراد نبش قبر السيدة آمنة أم النبي ! فبعد تولي عثمان الاموي الخلافة , يقف أبوسفيان على قبر حمزة عم النبي محمد (ص) ويطأه بقدمه قائلاً: ( يا أبا عمارة إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا اليوم يتلاعبون به) ( عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد), وحمزة هو عم النبي الذي استشهد في معركة أحد ,وكان أبو سفيان صخر بن حرب قائد جيش كفار قريش في معركة أحد , وقُتل حمزة في المعركة بتخطيط من هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان  ومرت بنا موقعة أحد في فصل ( الامام علي), ومرت كذلك  تهنئة أبي سفيان لابن عشيرته عثمان عفان بالخلافة عندما قال له : (صارت إليك بعد تيم وعدي فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار) (  الغدير ,فصل أبو سفيان للعلامة الاميني , الاستيعاب لابن عبد البر ج4  ). تيم هي عشيرة الخليفة الاول, وعدي عشيرة الخليفة الثاني  , فأبو سفيان يذكر عثماناً بأن الملك صار لبني أمية بعد حكم الخليفة الاول والثاني. وعلى لفظ المسعودي: (يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة)( مروج الذهب  ج2 ص 360, تاريخ الطبري ج 8ص 185 ).
بعد موت أبو سفيان يتحقق حلمه على يد ابنه  (غير الشرعي) معاوية بن أبي سفيان  ليصير معاوية ملكاً على المسلمين, والقول في أن معاوية  ولد غير شرعي لأبي سفيان هو قول  مصادر التاريخ, ومنها قول الزمخشري : (كان معاوية يعزى إلى أربعة إلى أبي عمرو بن مسافر, وإلى عمارة بن الوليد, وإلى العباس بن عبد المطلب. وإلى الصباح مغنى أسود كان لعمارة) ( كتاب ربيع الابرار للزمخشري, باب القرابات والأنساب), ويعني هذا  أن أم معاوية وهي هند بنت عتبة كانت قد ضاجعت هؤلاء الاربعة عندما كانت متزوجة بأبي سفيان. وقد فعلت هند مثل ذلك في أبنها الاخر عتبة بن أبي سفيان, فعندما جاءها المخاض خرجت الى منطقة في مكة يقال لها أجياد فوضعت أبنها عتبة هناك ,ومنطقة أجياد بمكة كانت محل رمي اولاد الزنى ,وفي ذلك يقول الشاعر حسان بن ثابت في هند:  
لمن الصبي بجانب البطحاء * في الترب ملقى غير ذي مهد
نجلت به بيضاء آنسة * من عبد شمس صلبة الخد؟ ( عن ديوان حسان بن ثابت)
واذن فمعاوية في الحقيقة هو ابن الصباح ولكن أباسفيان لم يجد سوى أن يقبله  فهو ابن زوجته هند بنت عتبة , وستأتي سيرة هند وأبي سفيان في فصل ( اعداء النبي ).
بعد استشهاد الامام علي, ينجح معاوية في اغتيال  الحسن بن علي  بدس السم له , وهو ماسيأتينا في باب الاغتيالات , ثم يعلن معاوية دولته.
لقد سعى معاوية وأبوه أبوسفيان بالحصول على الحكم منذ أيام الخليفة الاول وتم الامر كما خططا . لايخلو أغتيال الخليفة الاول ابوبكر بالسم من شرك أيادي بنو أمية فيه ,وتبين دور عثمان الأموي في ذلك , أما اغتيال الخليفة الثاني عمر فلمعاوية وصاحبه المخلص المغيرة بن شعبة والاخر كعب الاحبار دورا في ذلك ( راجع فصل عمر ). لقد تباطأ معاوية عن تعمد في نصرة ابن عشيرته الخليفة الثالث عثمان ( كما تقدم ذكره) لتأتي نهاية عثمان قتلاً في المدينة . وبعدها ينادي معاوية بحرب أمير المؤمنين لتقوم معركة صفين  .
روى البلاذري عن المدائني فقال ( لما توفي أبوبكر وولي عمر ولى يزيد بن أبي سفيان بعد وفاة أبي عبيدة بن الجارح الشام , فقدم معاوية من الشام على عمر وقد حج عمر فقال معاوية قد بدأت بك ( أي بدأت بزيارتك قبل زيارة عائلتي) , قال (عمر)  فأت أبويك وابدأ بهند , فانصرف معاوية فبدأ بهند فقالت له : يابني إنه والله قل ماولدت حرة مثلك , وقد أستنهضكم هذا الرجل فأعملوا بما يوافقه واجتنبوا ما يكرهه, وقال أبوسفيان : إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقوا وتأخرنا, فرفعهم سبقهم وقصر بنا تخلفنا, وصاروا قادة وصرنا أتباعا , وقد ولوكم جسيما من أمرهم فلا تخالفوهم وإنك تجري إلى أمد لم تبلغه وستبلغه) ( أنساب الاشراف للبلاذري ج5 ص 17) . تأمل قول هند لابنها معاوية : (وقد أستنهضكم هذا الرجل ..) تعني عمر بن الخطاب , وقد تقدم فيما سبق دور عمر في تأسيس دعائم دولة أمية , ثم تأمل قول أبوسفيان لمعاوية : ( وإنك تجري إلى امد لم تبلغه وستبلغه) وفيه أيحاء وتخطيط للحصول على الخلافة والملك وهو ماسعى له معاوية طوال عمره حتى ناله. 
إن عرض ماجرى في زمن معاوية يختصره  أعتراف حفيده  وهو معاوية بن يزيد بن معاوية ,حيث يصعد الحفيد منبر الخلافة ليخطب خطبته الاستهلالية وهو الملك الثالث من ملوك بني أمية فيقول:
 ( إن هذه الخلافة حبل الله وإن جدي معاوية نازع الأمر أهله، ومن هو أحق به منه، علي بن أبي طالب، وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته فصار في قبره رهينا بذنوبه، ثم قلد أبي-( يعني به يزيد)- الأمر، وكان غير أهل له، ونازع ابن بنت رسول الله-(يعني بذلك الحسين بن علي)- فقصف عمره، وانبتر عقبه، وصار في قبره رهينا بذنوبه ثم بكى.) ( الغدير للأميني , فصل معاوية وعن, الصواعق لابن حجر ص 34, شرح ابن ابي الحديد ج 6 ص 152,  البدء والتاريخ ج6ص16) . هذا الحفيد يعترف  بما فعل أبوه وجده  فكلاهما نازعا الأمر أهله فخرج معاوية متمردا على الامام علي في موقعة صفين كما تقدم , ونازع يزيد بن معاوية الحسين بن علي فكانت وقعة كربلاء . اعتراف الحفيد هذا يُدان به الذين يدافعون عن معاوية وسلالته,  فمن صلب أولئك الموتى في قلوبهم وعقولهم خرج هذا الحفيد حياً بأيمانه ونزاهته فصدح بالحق.
لم تترك آلة الاغتيالات الاموية  الحفيد معاوية بن يزيد فمات بظروف غامضة فيُروى أنه:
(قد تُنوزِع في سبب وفاته، فمنهم من رأى أنّه سقي شربة، ومنهم من رأى أنّه حتف أنفه، ومنهم من رأى أنّه طُعن! وقبض وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، ودفن بدمشق، وصلّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ليكون الأمر له من بعده، فلمّا كبَّر الوليد بن عتبة  الثانية طُعن  فسقط ميّتاً قبل تمام الصلاة)(نظريات عثمان للعلامة الطائي , شرح ابن أبي الحديد ج6 ص152, البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص 260) .

مثالب معاوية
حربه لامام زمانه الامام علي بن أبي طالب
ليس هناك ذنبا أفدح من محاربة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, ومهما قيل في ذنوب معاوية فأنه يكفيه ذنباً أنه حارب خليفة المسلمين الأمام علي  في معركة صفين, وفرق أمر المسلمين . كانت حصيلة معركة صفين التي أثارها معاوية  خمس وعشرون ألف قتيل من العراق وسبعون ألف قتيل من الشام , وفي بعض الروايات أن حصيلة القتلى جميعاً سبعون ألف قتيل!وقد تقدم ذكرها. تلك الدماء التي أريقت يتحملها معاوية بن هند فما أفدحه من ذنب أبتدأ به قبل أن ينصب نفسه ملكاً على رقاب الناس. لقد استعان معاوية بالدولة البيزنطية في حربه لعلي, و ذلك بأن عقد هدنة مع الامبراطور قسطنطين الثاني مقابل جزية سنوية يؤديها له ( تاريخ الشعوب الاسلامية لكارل بروكلمان , باب موت علي الصفحة 120). وفي أثناء تلك الهدنة أمن جانب الروم و تفرغ لحرب الامام علي, فتأمل!


شربه الخمر
عن ابن بريدة : (دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش ثم أتينا بالطعام فأكلنا، ثم أتينا بالشراب فشرب معاوية ثم ناول أبي ثم قال: ما شربته منذ حرمه رسول الله!) ( معاوية للعلامة الاميني,  مسند أحمد بن حنبل ج5 ص 347)
في زمن عثمان بن عفان كان معاوية واليا على بلاد الشام, وأتى الشام الصحابي عبد الرحمن بن سهل  فمرت بعبد الرحمن بن سهل هذا روايا خمر لمعاوية فقام اليها برمحه فبقر كل راوية فناوشه الغلمان حتى بلغ شأنه معاوية فقال : دعوه فإنه شيخ قد ذهب عقله (  بتصرف عن الغدير للأميني, الاصابة لابن حجر ج2 ص 401, أسد الغابة لابن الاثير ج3 ص 299 باب معاوية, وكذلك تاريخ دمشق لابن عساكر) الروايتان أعلاه تدل على معاقرة معاوية للخمر, وقول النبي(ص) في الخمر ( شارب الخمر كعابد الوثن ) لا يعني المحرفين ومنهم   ومنهم معاوية.

معاوية ولبس الحرير
 حرم الاسلام لبس الحرير على الرجال لكن معاوية لبسه! عن ابن عباس إنّ النبيّ (ص)  قال: ( إنّه محرّم على رجال أمّتي )، فقال معاوية: أنا لا أرى به بأساً!! حتّى قال ابن عباس: مَن عذيري من معاوية بن أبي سفيان؟ أنا أقول له: قال رسول الله، وهو يقول: لا أرى به بأساً! ( معاوية للعلامة الاميني , مسند أحمد بن حنبل ج4 ص 130, سنن أبي داود ج2 ص 186). إن المخالف لحديث النبي في الخمر وتحريمها ليس غريبا عليه أن يفعل أفحش من ذلك !

معاوية وأحاديث النبي (السنة النبوية) 
قال معاوية في عهده : (إيّاكم والاَحاديثَ عن رسول الله، إلاّ حديثاً ذكر على عهد عمر!)( منع تدوين الحديث لعلي الشهرستاني ص  273 ,وعن تاريخ دمشق  ج3 ص 69) . وقال معاوية كذلك : (إيّاكم وأحاديث، إلاّ حديثاً كان في عهد عمر, فإنّ عمر كان يُخيف الناس في الله عزّ وجلّ)(منع تدوين الحديث للشهرستاني ص  273 وعن صحيح مسلم ج 2 ). وقال عمرو بن العاص والي معاوية على مصر: (سمعتُ رسول الله يقول : ما أقرأكم عمر فاقرءُوه ، وما أمركم به فأتمروا)(منع تدوين الحديث  ص 267 ,وعن كنز العمّال ج 12 ص593 رقم الحديث 35844). مقولة عمرو  هذه تدل على تآمر القوم على طمس مايخالفهم من أحاديث النبي (ص).
أدرك معاوية أن سياسة  الخليفة الاول والثاني في إنتقاء الاحاديث النبوية  كانت قد طمست  الاحاديث التي تُفَّصل في  أسلوب نظام الحكم في الاسلام كحديث الغدير وغيره. اذن من مصلحة معاوية التكتم على تلك الاحاديث ايضا ,فبوجود تلك الاحاديث يصبح معاوية بن هند مغتصباً للخلافة كما اغتصبها الذين من قبله, ولذا أقرَّ معاوية الأحاديث المروية في عهد ابوبكر وعمر وهي الاحاديث التي تحث على السمع والطاعة والبر والخير والجهاد وغيرها مادامت لا تتطرق من قريب أوبعيد الى أسلوب الحكم وادارة الدولة , ولو علم أهل الشام بأن علياً هو أولى بالخلافة من غيره لنص حديث النبي يوم الغدير  لما قاموا مع معاوية لحرب علي في صفين.
مثلما شجع معاوية على عدم نشر الحديث النبوي بقوله ( أياكم والأحاديث عن رسول الله ), فأنه شجع افشاء أحاديث الخنوع والقبول بالسلطان فصب ذلك في مصلحته أيضاَ . وفي عهده خرجت أحاديث نبوية جديدة وضعهاالمتكسبين من امثال أبو هريرة وغيره .
قال معاوية:
(إنّ الحديث في عثمان قد كَثُر وفشا في كلّ مصر، وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعُوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاَوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب (علي) إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة)(شرح ابن أبي الحديد ج 11 ص 44).  تأمل قوله ( إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة) فهو يحث كتبة البلاط  على ابتداع أحاديث تروج فضائل عثمان والخلفاء الاولين , لكنه يريد أن يحط من قدر أبا تراب ,فمن هو أبو تراب هذا؟
  يقول جمع من المؤرخين أن النبي  كان قد سمى علياً بن أبي طالب بأبي تراب , وقال غيرهم من المحققين أن لقب أبوتراب أخترعه معاوية لعلي للحط من منزلته , وفي الأمرين النتيجة واحدة وهي الحط من شخصية الامام علي عند الناس وعند المهتدين للدين الجديد. إن الحط من مقام الامام علي وطمس فضائله ومناقبه واختراع مثالب له هو في الحقيقة سبُ للنبي (ص) محمد نفسه,وقد فعل ذلك معاوية أيضا
(عن المغيرة أنه طلب من معاوية ترك إيذاء بني هاشم-(بنو هاشم هم عشيرة النبي محمد)- لأنها أبقى لذكره , فقال معاوية : هيهات , هيهات ! أي ذكر أرجو بقاءه؟ ملك أخو تيم-(يقصد به الخليفة الاول ابوبكر)- فعدل وفعل ما فعل , فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره, إلا أن يقول قائل : ابوبكر. ثم ملك أخو عدي-(يعني به الخليفة الثاني عمر)-, فأجتهد وشمر عشر سنين, فما عدا أن هلك ذكره , إلا أن يقول قائل : عمر. وإنَّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرّات, أشهد أنَّ محمّداً رسول الله , فأي عمل يبقى؟ وأيَّ ذكر يدوم بعد هذا لا أباً لك! لا والله ألا دفناً دفنأ.) ( النص عن الغدير للأميني ونقله عن صحيح مسلم بشرح النوويّ ج1 ص 181 ,كتاب المسترشد للطبريّ ص 174 , شرح ابن أبي الحديد ج5 ص 129). الرواية تبين بغض معاوية للنبي  فهو يسميه (أبو كبشة) وهي تسمية كفار قريش للنبي (ص) .  معاوية يسترجع ذلك اللقب الجاهلي , ويتمنى أن يمحي أسم النبي محمد من آذان الصلاة ويكمل قائلا: لا والله ألا دفناً دفناً. فهو يسعى بكل السبل الى دفن تراث النبي ودفن دينه, ولما كان علي بن أبي طالب أقرب الناس للرسول وأول الناس أسلاماً, فأن معاوية حاربه ولم يشف حقده  ألا بتشريع لعن علي بن أبي طالب على منابر بني أمية ,وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد .
 في عصرنا الراهن شاهد أكثرنا ممن نشأ تحت تسلط ألانظمة الطاغوتية ما تفعله الانظمة في تغيير الحقائق ولبس الحق بالباطل, وفي عمليات غسل الأدمغة بالترغيب وبالترهيب وارعاب الناس وبواسطة وسائل ألاعلام المتطورة. في عصر معاوية كانت أقوى وسيلة أعلام هي منابر الجوامع وخطب الوعاظ للناس, فاستخدمها بمكر في ترويج كذبة أحقيته بالخلافة وفي الحط من مقام الامام علي وفي دفن تراث النبي محمد . لم يكن معاوية الاول في استغلال المنبر فقد فعل الخلفاء قبله ذلك, ففي عهد الخليفة الثاني عمر  مُنع الصحابة من نشر أحاديث النبي وأمرهم الخليفة عمر بالاقامة في المدينة تحت مراقبته , و جعل عمر منابر الجوامع تحت سيطرة سياسته بل وظف بعض المتكسبين والوعاظ في نشر الخرافات والقصص التي يميل لها الناس وشجع على نشر الشعر العربي حتى ينسى الناس قصة الخلافة والسقيفة ,  ووظف عمر  بعض اليهود الذين أسلموا بعد وفاة النبي (ص) من أمثال كعب الاحبار وتميم الداري وجعلهم يقصون القصص التوارتية والخزعبلات اليهودية في حلقات المساجد لتلهية الناس ولتشويه معالم الرسالة( تفصيله في فصل دور اليهود في المؤامرة) , وعلى منوال عمر في موقفه من أحاديث النبي  نسج معاوية , فمنع الصحابة من نشر أحاديث النبي سوى التي أقرها الخليفة الاول والثاني.
روى ابن الاثير : ( كان الحجّاج بن يوسف والي العراق من قبل الاَمويّين قد ختم في يد جابر بن عبد الله الاَنصاريّ وفي عُنق سهل بن سعد الساعديّ وأنس بن مالك، يريدُ إذلالهم، وأن يتجنّبهم الناس ولا يسمعوا منهم)(, منع تدوين الحديث للشهرستاني ص 396 ونقله عن أُسد الغابة لابن الاثير ج2 ص 472  ). هؤلاء المذكورين أعلاه من المسلمين الاوائل من رواة الحديث النبوي, وكما توسم الدواب  قام  الحجاج عامل دولة بني أمية, بختم أيديهم وأعناقهم لكي يعرف الناس أن هؤلاء ممن يجب الابتعاد عنهم وعدم الاختلاط بهم, فهم ( مختومين) من قبل سلطة الدولة, ويفعل مثل ذلك كل نظام غاشم وفي كل عصر عندما يصدر احكاما بالاقامة الجبرية على المعارضين ويعزلهم  عن الناس .
لقد نجح معاوية الى حد بعيد في منعه نشر الحديث النبوي الذي لايلائم سياسته, ونتيجة ذلك نشأ فقه بديل وظهرت قوانين جديدة بعيدة عن تعاليم النبي (ص) وتوصياته , ومرت بنا ابتداعات الخلفاء الثلاثة الاوائل وتشريعاتهم المخالفة لدين محمد (ص)  , فمعاوية ثبت ما أقره الخلفاء الثلاثة الاوائل واضاف ماشاء في عهده فنشأ كيان فقهي بديل عن تعاليم النبي (ص) , وسارت الأمة  حتى يومنا هذا على منهاج جديد مبتدع  لايمت إلى دين محمد إلا بالأسم والشعارات.

معاوية ينصب نفسه ملكاً ويلقي باللوم على أحداث السقيفة:
بعد الذي مر من أحداث السقيفة وما بعدها , تبين عدم وجود نظام اسلامي للحكم بعد رحيل النبي , ودليل ذلك تباين طريقة اختيار الخليفة أو الحاكم في كل عهد . إكمالاً لتلك الفوضى التي بدأها أبوبكر في كيفية الحكم , قام معاوية بن هند  بأحياء نظرية قديمة في نظام الحكم وهي نظرية الوراثة والملك, و أعلن للناس بأن الخليفة بعده هو ابنه يزيد ! على اختلاف الفقهاء في استخلاصهم لنظرية الحكم في الاسلام فأنهم يتفقون على أن النظام الوراثي في الحكم هو نظام مبتدع لايمت للدين بشئ, ويعني هذا أن ماسنه معاوية كان بدعة خارجة عن نصوص الدين. ونتيجة لذلك يصبح معاوية مبتدعاً ومحرفاً أهم أمر في الاسلام وهو نظام الحكم ,وفعل الخلفاء قبله كذلك لكنهم لم يجعلوها ملكية ! لم يأت الخلفاء والسلاطين بعد ذلك بجديد بل ساروا على سنة معاوية الى عهدنا الراهن, ونظام الجمهوريات الشكلي المعاصر في بلاد العرب ليس سوى نظام ملكي فيه يرث الابن أباه كما هو حال نظام معاوية, فما فعله معاوية لازال سائدا الى يومنا هذا في أنظمة الحكم في بلاد العرب . ومن العجيب في عصرنا أن يقوم المسلمون ثائرين على انظمة حكمهم الوراثية مطالبين بالاصلاح والانتخابات الحرة والديمقراطية, قائلين أن الاسلام دين العدالة والحرية ,لكن الثائرين أنفسهم يبجلون معاوية وسلاطين الدول التي قامت بعد ذلك ويترضون عنهم ويلحقون كلمة (رضي الله عنه) عند ذكر أحدهم !
ان معاوية بمكره لم يفوته أن يذَّكر الناس أن ماقام به من تأسيس مملكة بأسم عشيرته أمر لايتحمل وزره لوحده بل يشاركه في حمل وزره الخلفاء السابقين وبالأخص أبوبكر وعمر, فعندما عارض بعض المسلمين المعاصرين لمعاوية نظام الحكم الملكي ومنهم محمد بن أبي بكر  كان رد معاوية سريعاً فكتب  يذكره بأن أول من حارب الامام علي كان الخليفة الاول وصاحبه عمر : (فقد كنا وأبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب وحَقه لازماً لنا مبروراً علينا، فلما اختار اللهّ لنبيه  ما عنده، وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته، وأبْلَجَ حجته، وقبضه اللهّ إليه صلوات اللّه عليه، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه حَقَه، وخالفه على أمره، على ذلك اتفقا واتَّسقا، ثم إنهما دَعَوَاه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهمَّا به الهموم، وأرادا به العظيم.)
ثم يستأنف في رسالته محذرا محمد بن أبي بكر  : (فخذ حذرك يا ابن أبي بكر، وقس شبرك بفترك، يقصر عن أن توازي أو تساوي مَنْ يَزِنُ الجبال بحلمه، لا يلين عن قَسْرٍ قناته، ولا يدرك ذو مقال أناته, أبوك مهد مِهَاده، وبنى لملكه وسادة، فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك استبدَ به ونحن شركاؤه، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب، ولسلمنا إليه، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثله، فعب أباك بما بدا لك أودع ذلك، والسلام على من أناب.) ( مروج الذهب للمسعودي , ج3 ص 353)
هذه الرسالة تبين تآمر الخليفة الاول والثاني على الخلافة وأغتصابها من صاحبها الشرعي علي بن ابي طالب. تأمل كيف يلق معاوية اللوم على الخليفة الاول  وعلى صاحبه عمر الذي سماه فاروقا بقوله : ( فكان أبوك وفاروقه أول من أبتزه حقه),و تأمل قوله : ( أبوك مهد مهاده وبنى لملكه وساده , فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك أستبد به ونحن شركاؤه) , هذا تبرير معاوية لاغتصاب الحكم ولاعلانها ملكية رغما عن أنوف الناس .
 عودنا المخالفون  في أي رواية لاتوافق مذهبهم بقولهم أنها رواية موضوعة أو ضعيفة ,وليس بعيداً أن يقول من يقرأ هذه السطور أن المسعودي صاحب  مروج الذهب يميل الى علي بن أبي طالب وقد يكون متشيعا له فأتى بهذه الرسالة , ونقول إن نص الرسالة لم ينفرد به المسعودي فهناك غيره من المؤرخين ذكروا أمر الرسالة لكنهم لنوازع العصبية لم يذكروا نصها وهي خيانة تاريخية يحاسبون عليها, وجريمة من جرائم كتبة البلاط في تضليل جماهير الناس عن الحقيقة. بخصوص هذه الرسالة المهمة لنقرأ مايقول المؤرخ الطبري:
(ذكر هشام، عن أبي مخنف، قال: وحدثني يزيد بن ظبيان الهمداني، أن محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لما ولي؛ فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعها العامة.) ( تاريخ الرسل والملوك للطبري ج3 ص 73, باب ولاية محمد بن أبي بكر). تأمل أن الطبري ينصب نفسه حكما على عقول العامة من الناس ,فيقول أنه أحجم عن ذكر المكاتبات لأن العامة لايحتملوا سماع هكذا حقائق! إذن الرسالة معروفة للمؤرخين لكن الطبري لايذكرها وكلامه أعلاه دليل على وجودها , وقد تبع الطبري في ذلك المؤرخ ابن الاثير كذلك فكتب بعد ثلاثمئة سنة من الطبري مايلي:
 (وقد قيل إنه جري بين محمد ومعاوية مكاتبات كرهت ذكرها فإنها مما لا يحتمل سماعها العامة)( الكامل لابن الاثير ج3 ص157, باب ولاية قيس بن سعد). ان اخفاء الحقائق عن جماهير الناس لم يكن إلا ترضية للسلاطين الظلمة الذي قضوا بحلية خلافتهم وحكمهم استنادا لحكم أول من أغتصب الخلافة , فقالوا ان كان الخليفة الاول والثاني فعلا ما فعلا  فأننا وبعد تطاول السنين لم نأت ببدع  انما أتبعنا ماسَنَّه الاول والثاني , وهي ذات الحجة التي قالها معاوية في رسالته حيث أسند فعله الى الخليفة الاول عندما قال : (فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك استبدَ به ونحن شركاؤه، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب، ولسلمنا إليه، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثله، فعب أباك بما بدا لك أودع ذلك، والسلام على من أناب), فتأمل. ( ملاحظة: نص كلام الطبري وكلام ابن الاثير في أمر رسالة معاوية مقتبس عن كتاب  في رحاب العقيدة ج2  لاية الله محمد سعيد الحكيم, وقد ذكر السيد الحكيم أن نص رسالة معاوية ذَكرته مصادر أخرى وهي ( وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 118, شرح نهج البلاغة ج3 ص188, أنساب الاشراف للبلاذري ج3 ص 165), وقد راجعنا المصادر جميعاً.
إن معاوية يلقي باللوم على أبي بكر بما حدث, فأصل الانحراف بأعترافه كان يوم السقيفة ومعاوية يقر بأن ماسَنَّه في اسلوب الحكم هو ابتداع خارج عن نصوص الدين ولكنه يبرر فعلته بقوله أن أبابكر هو الذي سن الانحراف في الحكم فلماذا يلومني المسلمون على جعل الحكم ملكياً وراثياً؟
 الرسالة أعلاه التي كتبها معاوية لمحمد بن أبي بكر , يأتي مثلها في عهد وريثه يزيد , فبعد  وقعة كربلاء التي يستشهد فيها الحسين بن علي  وجمع من آل بيته -( سيأتي ذكر وقعة كربلاء فيما بعد)- يكتب عبد الله بن عمر بن الخطاب الى ملك المسلمين يزيد بن معاوية مايلي:
(أما بعد: فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة، وحدث في الإسلام حدث عظيم، ولا يوم كيوم قتل الحسين.) فرد عليه يزيد  : (أما بعد، يا أحمق، فإنا جئنا إلى بيوت مجددة، وفرش ممهدة، ووسادة منضدة، فقاتلنا عنها فإن يكن الحق لنا فعن حقنا قاتلنا، وإن كان الحق لغيرنا، فأبوك أول من سن هذا، واستأثر بالحق على أهله ) . تأمل أن يزيد يلقي باللوم على عمر الذي أستأثر بالحق على أهله , وهو عين ما قاله أبوه  معاوية لمحمد بن أبي بكر في الرسالة التي تقدم ذكرها. ( نص رسالة ابن عمر وجواب يزيد , ورد في كتاب نهج الحق وكشف الصدق ص 356 للعلامة الحلي  , ونقله عن البلاذري ولم أجد نص الرسالة في كتب البلاذري المتوفرة لدينا ,  فقد يكون النص من بعض كتب البلاذري التي ضاعت فلا نجدها اليوم , أو صحفت طبعاته لتمحى منها هذه الرسالة وقد فعل المصحفين مثل هذا كثير).
 أورد الدينوري في ذلك خطبة لمعاوية خطبها في المدينة المنورة أستحث فيها المسلمين على بيعة ابنه يزيد وكان مما قال فيها
(ثم التفت معاوية إلى الناس وقال: أيها الناس قد علمتم أن رسول الله قبض ولم يستخلف أحداً فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر وكانت بيعته بيعة هدى فعمل بكتاب الله وسنة نبيه ، فلما حضرته الوفاة رأى أن يستخلف عمر فعمل عمر بكتاب الله وسنة نبيه فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين ، فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول الله ، وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر ، كل ذلك يصنعونه نظراً للمسلمين فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الإختلاف ، ونظراً لهم بعين الإنصاف . قال: وذكروا أن عبد الله بن الزبير قام إلى معاوية فقال: إن رسول الله قبض فترك الناس إلى كتاب الله فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر ، ثم رأى أبو بكر أن يستخلف عمر وهو أقصى قريش منه نسباً ، ورأى عمر أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين ، وفي المسلمين ابنه عبد الله وهو خير من ابنك ، فإن شئت أن تدع الناس على ما تركهم رسول الله فيختارون لأنفسهم ، وإن شئت أن تستخلف من قريش كما استخلف أبو بكر خير من يعلم وإن شئت أن تصنع مثل ما صنع عمر تختار رهطاً من المسلمين وتزويها عن ابنك  فافعل . فنزل معاوية عن المنبر وانصرف ذاهباً إلى منزله ). (الإمامة والسياسة للدينوري ج1 ص 161) . تأمل أن الفوضى في نظام الحكم في الاسلام نشأت في أول يوم بعد رحيل النبي (ص) وكان الخليفة الاول وصاحبه وحزب السقيفة أول المؤسسين في ذلك( راجع فصل نظام الحكم وفصل السقيفة ), واستفاد معاوية من تلك الفوضى فلخصها في خطابه هذا  وبها برر حكمه الملكي الوراثي.


معاوية يستحدث قانون سب ولعن الامام علي بن أبي طالب على منابر جوامع الدولة
 بعد استشهاد الامام علي بن أبي طالب تم الأمر لمعاوية وأصبح ملك المسلمين رغماً عن أنوفهم الأبية, ولغسل أدمغة الناس ومسح ذكر الأمام علي من التاريخ  فأن معاوية أستحدث في عهده بدعة جديدة وهي سب ولعن علي على منابر الدولة ومساجدها ! وهناك روايات تبين أن معاوية كان يسب الامام علي قبل أن ينصب نفسه ملكا على المسلمين , أي أنه بدأ بسب الامام وتشويه سمعته منذ أيام موقعة صفين التي تقدم ذكرها ! إن مناقب الامام علي  لاتعد, لكن معاوية سعى بآلة تحريفه الماكرة في تهميش دور علي في الاسلام لتصبح تلك التشويهات لشخصية الامام علي  قائمة إلى يومنا هذا في مذاهب الجمهور!
يحاول فقهاء الجمهور من المعاصرين أن يسدلوا الستار على مثلبة معاوية هذه ,ويختلقون الاعذار له ,ويصنعون ملابسات تاريخية أملا منهم برفع مثلبة السب هذه , ويصل الحال بأغلبهم أن ينكروا ذلك ويقولوا أن معاوية لم يفعل ذلك !. ونقول ان النصوص التاريخية التي ستأتينا هي دليل دامغ على كذب وحماقة المدافعين عن معاوية , والدليل الأقوى هو موقعة صفين التي مرت بنا  في فصل ( الامام علي ) ,فأذا كان معاوية  وأتباعه خرجوا لحرب الامام علي وشيعته فأن السباب والشتيمة تهون عند مقارنتها بحمل السلاح بنية القتل وفعله.
لنقرأ نصوص التاريخ  :

معاوية يسب الامام علي ويلعنه علانية على رؤوس الاشهاد:
ذكر ابن أبي الحديد : ( كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمَّاله بعد عام الجماعة: ( أن برئت الذمّة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب ( أبي تراب يعني به علي بن أبي طالب) وأهل بيته. فقامت الخطباء في كل كُورة وعلى كل منبر يلعنون عليًّا ويبرأون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشد الناس بلاءاً حينئذ أهل الكوفة لكثرة ما بها من شيعة علي ، فاستعمل عليهم زياد بن سُميّة ، وضم إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي  ، فقتلهم تحت كل حَجَر ومَدَر وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل، وسَمَل العيون وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم إلى أن قال : ثم كتب إلى عمَّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا من قامت عليه البيِّنة أنه يحب عليًّا وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكِّلوا به، واهدموا داره . فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه في العراق، ولا سيما الكوفة، حتى إن الرجل من شيعة علي  ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيلقي إليه سرَّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدِّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنَّ عليه). ( اضواء على الصحيحين للشيخ النجمي ص53, كتاب لله وللحقيقة للشيخ علي آل محسن ص 69, والمصدر هو شرح نهج البلاغة ج3 ص 15).  إن سياسة القمع تلك  لها أشباه في عهدنا المعاصر وفي كل العهود, والذين عاشوا تحت أنظمة طاغوتية غاشمة يتصورن سياسة قمع معاوية  تماما لأنها تذكرهم بما يجري في عهودهم من قمع واستبداد.
ان سب الامام علي كان أجباريا على كل الناس والمخالف مصيره الفقر والقتل والنفي كما في أعلاه . ذكر صاحب العقد : (عن أبي الحباب الكندي عن أبيه: أن معاوية بن أبي سفيان بينما هو جالس وعنده وجوه الناس إذ دخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبا، فكان آخر كلامه أن لعن عليا، فأطرق الناس وتكلم الأحنف، فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا القائل ما قال آنفا لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتق الله ودع عنك عليا، فقد لقي ربه، وأفرد في قبره، وخلا بعمله، وكان والله - ما علمنا - المبرز بسبقه، الطاهر خلقه، الميمون نقيبته، العظيم مصيبته؛ فقال له معاوية: يا أحنف، لقد أغضيت العين على القذى، وقلت بغير ما ترى، وايم الله لتصعدن المنبر فلتلعنه طوعا أو كرها..) (العقد الفريد لابن عبد ربه ج1 ص472). تأمل أن قانون سب الامام كان أجباريا والمخالف يعاقب!
وروى أيضاً , (لما مات الحسن بن علي حج معاوية، فدخل المدينة وأراد أن يلعن عليا على منبر رسول الله (ص) فقيل له: إن ها هنا سعد بن أبي وقاص، ولا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه وخذ رأيه. فأرسل إليه وذكر له ذلك. فقال: إن فعلت لأخرجن من المسجد، ثم لا أعود إليه. فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد. فلما مات لعنه على المنبر، وكتب إلى عماله أن يلعنوه على المنابر، ففعلوا. فكتبت أم سلمة زوج النبي (ص) إلى معاوية: إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه، وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله، فلم يلتفت إلى كلامها). ( العقد الفريد لابن عبد ربه ج2 ص127).
وذكر ابن كثير مايلي: (  لما حج معاوية أخذ بيد سعد بن أبي وقاص‏.‏ فقال‏:‏ يا أبا إسحاق إنا قوم قد أجفانا هذا الغزو عن الحج حتى كدنا أن ننسى بعض سننه فطف نطف بطوافك‏.‏ قال‏:‏ فلما فرغ أدخله دار الندوة فأجلسه معه على سريره، ثم ذكر علي بن أبي طالب ؛ فوقع فيه‏ ( سبه وشتمه) , فقال سعد‏:‏ أدخلتني دارك وأجلستني على سريرك، ثم وقعت في علي تشتمه ‏؟).( البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي ج7 ص353). تأمل أن الذي يُدعى خليفة المسلمين لايعرف شعائر الحج , فمعاوية يعترف أن نسي كيفية الطواف وشعائره , لكنه يعرف أن يسب ويلعن أول المسلمين وأمير المؤمنين , فزد عجباً.
( حدثنا موسى بن مسلم عن ابن سابط وهو عبد الرحمن عن سعد بن أبي وقاص قال قدم معاوية في بعض حجاته فدخل عليه سعد فذكروا عليا فنال منه ( شتمه وسبه), فغضب سعد وقال تقول هذا لرجل سمعت رسول الله  يقول من كنت مولاه فعلي مولاه ,وسمعته يقول أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ,وسمعته يقول لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله.) (سنن ابن ماجة ج1 ص134)
(حدثنا المدائني عن أبي زكرياء العجلاني عن عكرمة بن خالد قال: قدم معاوية المدينة يريد الحج، فلقيه الحسين عليه السلام فقال له: يا معاوية قد بلغني ذكرك وذكر ابن النابغة بني هاشم بالعيوب، فارجع إلى نفسك وسلط الحق عليها، فإنك تجد أعظم عيوبها أصغر عيب فيك، لقد تناولتنا بالعداوة وأطعت فينا عمراً، فوالله ما قدم إيمانه ولا حدث نفاقه، والله ما ينظر لك ولا يبقي عليك، فانظر لنفسك أو دع.) ( أنساب الاشراف للبلاذري ج2 ص 110) . ابن النابغة يعني به عمرو بن العاص فأمه كانت بغية من صاحبات الرايات ,ولُقبت بالنابغة لاشتهارها بعهرها -( سيرة ابن العاص ستأتي في فصل أعداء النبي)-  ولايسب الشريف إلا صاحب الاصل الوضيع فمتسافل الدرجات يحسد من علا.
روى الجاحظ : ( ان معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهم ان ابا تراب-( أبا تراب هو لقب لعلي بن أبي طالب)- ألحد في دينك وصدَّ عن سبيلك، فالعنه لعنا وبيلا وعذبه عذابا أليما )( الغدير للأميني ج2 ص 109 وعن الرد على الامامية للجاحظ).
وروى ابن الاثير : (فكان إذا قنت سب عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر .)( الكامل  لابن الأثير ج2 ص684)( القنوت هو دعاء يدعو به المُصلي أثناء صلاته), وهكذا يجعل معاوية من صلاة هذا الدين ألعوبة سياسية يخدع بها أهل الشام حديثي العهد بالأسلام, ويريهم أن سب علي بن أبي طالب سنة من سنن هذا الدين ! إن التشهد ركن من اركان الصلاة ولاتتم الا به وفي  تشهد الصلاة يُصلى على محمد وآل محمد , و علي والحسن والحسين من  آل محمد , فلا تصح الصلاة الا بالصلاة عليهم في ركن التشهد! لكن معاوية كان متفنناً في تضليل جماهير الرعية, فتشهد الصلاة يُقرأ بصمت أما القنوت فيجهر به المصلي , فكان معاوية يجهر بقنوته هذا ويسب علياً وابن عباس والحسن والحسين والاشتر حتى يسمعه السامعون, ولاندري كيف يختم صلاته بالتشهد والصلاة على محمد وآله,  سرى فعل ذلك في مذاهب الناس في الشام وهم حديثي عهد بالأسلام فنشأت أجيال تحسب أن علي بن أبي طالب من اعداء الدين, وتلك غاية معاوية فعندما أشار قوم من  بني أمية لمعاوية فقالوا له : ( أنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن سب هذا الرجل ( يعنون علي بن ابي طالب) , فقال معاوية لا والله حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلاً) ( شرح النهج ج4 ص 57).
وذكر الاصفهاني :(لما بويع معاوية خطب فذكر علياً فنال منه ونال من الحسن فقام الحسين ليرد عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال: أيها الذاكر علياً أنا الحسن وأبي علي وأنت معاوية وأبوك صخر...الخ). (مقاتل الطالبيين ص 46).

ولاة بني أمية يلعنون الامام علي ويسبوه على المنابر:
في سنة 41 هجرية عين معاوية على مدينة الكوفة صاحبه المغيرة بن شعبة  وقال له : ( لا تترك شتم علي بن أبي طالب وذمه والترحم على عثمان والاستغفار له) (معالم المدرستين للعلامة العسكري ج2 ص47 وعن تاريخ الطبري ج4 ص 188 ,الكامل لابن الاثير ج3 ص 102, ,تاريخ الكوفة للبراقي ص 277) . وقال المغيرة بن شعبة لأحد أصحاب علي المخلصين وهو صعصعة بن صوحان :  (واياك أن يبلغني عنك أنك تظهر شيئاً من فضل علي ، فانا اعلم بذلك منك ، ولكن هذا السلطان قد ظهر وقد أخدنا باظهار عيبه للناس.) (تاريخ الطبري ج4  ص 144  ,الكامل لابن الاثير ج3 ص 430,). وقوله : ( أخذنا بأظهار عيبه للناس) يقصد إظهار عيب علي بن أبي طالب وتشويه سيرته.
 لم يقبل  المخلصون من شيعة علي  بتشويه شخصية الامام , ومنهم حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهم فكانوا إذا سمعوا المغيرة بن شعبة وغيره من أصحاب معاوية  يلعنون عليا على المنبر، يقومون فيردون اللعن عليهم، ويتكلمون في ذلك( تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 230). فكان جزاء حجر بن عدي وأصحابه الاعدام على يد معاوية, وستأتينا التفاصيل فيما بعد. إذن كان القتل جزاء الممتنع عن سب أمير المؤمنين في عهد معاوية , فلا تعجب! 
ذكر الحاكم : (أن المغيرة بن شعبة سب علي بن أبي طالب (!) فقام إليه زيد بن أرقم فقال يا مغيرة ألم تعلم أن رسول الله (ص) نهى عن سب الأموات , فلم تسب عليا وقد مات !) ( المستدرك على الصحيحين للحاكم ج1 ص 541,  وقريبا منه في مسند أحمد ج3 ص 112) .
أما في المدينة المنورة (يثرب) فقد كان مروان بن الحكم والي المدينة في عهد معاوية يلعن ويسب الامام علي بن أبي طالب على منبر مسجد الرسول (ص) في المدينة!
روى الذهبي: ( قال مروان: ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم - يعني علياً - عن عثمان، قال: فقلت: ما بالكم تسبونه على المنابر! قال: لا يستقيم الأمر إلا بذلك.) (تاريخ الاسلام للذهبي ج1 ص449). مر بنا في فصل (الامام علي) كيف عفا الامام علي بن أبي طالب عن مروان بن الحكم بعد معركة الجمل , لكن اللئيم مروان رد ذلك الفضل بسب الامام وشتمه من على منبر النبي (ص) في المدينة , ولايسب الشريف إلا صاحب الاصل الوضيع .
روى ابن عساكر( كان مروان بن الحكم أميرا علينا ( في عهد معاوية)ست سنين ، فكان يسب عليا كل جمعة على المنبر)( النفيس في رزية يوم الخميس لعبد الله دشتي ج2 ص 329 ونقله عن  تاريخ دمشق لابن عساكر  ج57 ص 243 ، ج21 ص 129). وروى الذهبي كذلك فقال (عن عمير بن إسحاق قال: كان مروان أميراً علينا ست سنين، فكان يسب علياً كل جمعة على المنبر، ثم عزل بسعيد بن العاص، فبقي سعيد سنتين، فكان لا يسبه، ثم أعيد مروان، فكان يسبه) ( تاريخ الاسلام للذهبي ج5 ص 321)
حاول مسلم كما حاول غيره التكتم على اسم مروان فقال في صحيحه :
(عن سهل بن سعد قال: استُعمل على المدينة رجل من آل مروان ، قال: فدعا سهل بن سعد، فأمره أن يشتم عليًّا، قال: فأبى سهل، فقال له: أما إذ أبيت فقل: لعن الله أبا التراب ). ( صحيح مسلم ج4 رقم الحديث 1874). تأمل أنه يقول رجل من آل مروان ولايقول أنه مروان, وهذا دأب كتبة البلاط, لكن القرطبي الاندلسي في شرحه لكتاب مسلم بيَّنَ أن الرجل الذي من آل مروان هو مروان بن الحكم نفسه ,فهو كان والي المدينة في عهد معاوية وعلى ذلك أتفق المؤرخون . قال القرطبي في مسألة تقديم الخطبة على الصلاة في عهد بني أمية :
 (وأما مروان وبنو أمية ، فإنما قدموها ؛ لأنهم كانوا في خطبهم ينالون من علي رضي الله عنه ، ويسمعون الناس ذلك ، فكان الناس إذا صلوا معهم ، انصرفوا عن سماع خطبهم لذلك ، فلما رأى مروان ذلك أو من شاء الله من بني أمية ، قدموا الخطبة ؛ ليسمعوا الناس من ذلك ما يكرهون.)( كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي ج1 ص148). وقوله (ينالون من علي ) يعني به أنهم يسبونه ويلعنونه. ومر بنا أن الخليفة الثالث عثمان كان أول من أستحدث بدعة تقديم الخطبة على الصلاة  وبعد هلاكه أعاد أمير المؤمنين علي الصلاة  كما كانت عليه في عهد النبي (ص), فلما حكم بنو أمية أعادوا بدعة عثمان الى الوجود فجعلوا الخطبة قبل الصلاة , فصار المسلمون وحتى يومنا هذا  يصلون صلاتهم  على دين بني أمية وليس على دين محمد (ص), فلا تعجب!
بعد هلاك معاوية بن أبي سفيان , ظل قانون سب الامام علي بن أبي طالب وسب آله سارياً ,وفيما يلي نتف من التاريخ تبين أن الولاة الذي جاءوا بعد هلاك معاوية استمروا في صيانة بدعة معاوية لسنين طويلة , وتفننوا في ذلك ومنهم :
-عبيد الله بن زياد ( ستأتينا سيرته في فصل أعداء النبي)
بعث الحسين بن علي بن أبي طالب رسالة الى وجوه القوم في الكوفة فقبض جيش عبيد الله بن زياد والي الكوفة على الرسول وسأله عن الرسالة وأمره بسب ولعن علي وآله وكما يلي :
(فغضب ابن زياد وقال : والله لا تفارقني حتّى تدلّني على هؤلاء القوم المكتوب إليهم أو تصعد المنبر فتلعن حسيناً وأباه وأخاه فتنجو من يدي أو لأقطعنّك إرباً إرباً . فقال قيس : أمّا هؤلاء المكتوب إليهم فإنّي لا أعرفهم ، وأمّا اللعن فإنّي أفعل , ولما صعد المنبر صلى على النبي وعلى آله ولم يلعنهم فأخذه الحرس وألقوا به من سقف البناء فأندقت عنقه ومات شهيداً.) (  مقتل الحسين للخوازرمي الحنفي)
-الحجاج بن يوسف الثقفي
قال ابن حزم ( كان الحجاج وخطباؤه يلعنون علياً وابن الزبير رضي اله عنهم ولعن لاعنهم) (المحلى لابن حزم  ج5 ص64), تأمل أن ابن حزم لايجرأ على قول لعن الله معاوية ودولته , بل يضع الامر في الحجاج فقط وكأن الحجاج هو من سن قانون سب الامام علي, بينما معاوية هو الذي سن السب ,وبمعاوية يلحق ابن حزم وغيره كلمة (رضي الله عنه) , فيالحمق العقول.
وروى الزركلي في ترجمة عطية الكوفي فقال (كان يعد من شيعة أهل الكوفة. خرج مع ابن الاشعث، فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفي: ادع عطية، فان سب علي بن أبي طالب وإلا فاضربه أربعمائة سوط واحلق رأسه ولحيته، فدعاه وأقرأه كتاب الحجاج، فأبى أن يفعل، فضربه ابن القاسم الاسواط وحلق رأسه ولحيته) ( الاعلام للزركلي ج4 ص 237)
وروى الزهري فقال : (روي عن أبي حصين، أن الحجاج استعمل عبدالرحمن بن أبي ليلى على القضاء ثم عزله، ثم ضربه ليسب أبا تراب رضي الله عنه، وكان قد شهد النهروان مع علي.) ( سير أعلام النبلاء للزهري ج4 ص 267)
-خالد بن عبد الله القسري والي العراق في عهد هشام بن عبد الملك سنة 90 هجرية
قال خالد على منبر الكوفة (اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم، صهر رسول الله على ابنته، وأبا الحسن والحسين، ثم يقبل على الناس فيقول: هل كنيت؟)( شرح نهج البلاغة ج 4 ص57 ,  كتاب الاغاني للاصفهاني ج 22 ترجمة خالد القسري, ومثله في تهذيب الكمال للمزي ج8 ص116, البيان والتبيين للجاحظ ج1 ص 309, الكامل في اللغة والادب للمبرد ج1 ص 187)
روى الخوارزمي في خروج الحسين بن علي على حكم يزيد  :
(ولمّا أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنّى أبا هرّة الأزدي قد أتاه ، فسلّم عليه ، ثمّ قال له : يابن رسول الله ! ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدّك محمّد (ص) ؟ فقال له الحسين : يا أبا هرّة ! إنّ بني أميّة قد أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ، يا أبا هرّة ! لتقتلني الفئة الباغية ، وليلبسنّهم الله تعالى ذلاًّ شاملاً وسيفاً قاطعاً ، وليسلّطنّ الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم ودمائهم ) ( مقتل الحسين للخوارزمي , باب خروج الحسين) . تأمل قوله : (شتموا عرضي فصبرت), وهو دليل على قانون السب الذي شرعه معاوية وسارت عليه بنو أمية.
 بقيت عادة سب علي بن أبي طالب على منابر بني أمية لسنين طويلة ونشأت عليها أجيال  لاتعرف سوى سب علي وبغضه والبراءة منه ,حتى عهد الخليفة الأموي السادس عمر بن عبد العزيز الذي ألغى قانون السب الذي ابتدعه معاوية.
اعترف الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز فصرح : (نشأت على بغض علي لا اعرف غيره، وكان ابي يخطب فإذا ذكر عليا ونال منه تلجلج، فقلت: يا أبه انك تمضي في خطبتك فإذا اتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيرا، قال: أفطنت لذلك؟ قلت: نعم ! قال :يا بني ان الذين من حولنا لونعلمهم من حال علي ما نعلم تفرقوا عنا )(أنساب الاشراف للبلاذري , ج8 ص 198). تأمل قوله : (يابني ان الذين من حولنا لو نعلمهم من حال علي ما نعلم ماتفرقوا عنا !) وهو عين قول مروان بن الحكم الذي مر بنا عندما قال في سب الامام علي : ( لا يستقيم الأمر إلا بذلك.) (تاريخ الاسلام للذهبي ج1 ص449). فعملية السباب واللعن هي تسقيط للحق والعدل الذي يمثله الامام علي ولايصون الطغاة كراسيهم ومناصبهم الا بالحط من علي وآله وتقتيل أنصارهم .
أتفق المؤرخون على أن سب الامام علي توقف في عهد عمر بن العزيز وهي سنة تسع وتسعين هجرية و قانون السب كان قد شرعه معاوية في سنة واحد وأربعين هجرية ,أي ان اللعن والسب والتسقيط وتشويه الامام علي وآل بيته استمر لمدة 58 ثمان وخمسين سنة ,فنشأت أجيال لاتعرف سوى سب الامام علي والحط منه فيالها من سُنة يتحمل من سنها وزرها ووزر ما جاءت به , وويل في يوم عظيم سيأتي.

 فيما يلي بعض من أقوال المؤرخين في أبطال قانون السب الذي شرعه معاوية :
قال ابن سعد : ( كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبدالعزيز يشتمون عليا رحمه الله فلما ولي عمر أمسك عن ذلك)(الطبقات لابن سعد ج4 ص 67 )
وقال ابن عساكر (كان لا يقوم أحد من بني أمية إلا سب عليا فلم يسبه عمر)( تاريخ دمشق ج50 ص96)
وقال ابن الاثير (كان بنو أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام، إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، فترك ذلك وكتب إلى العمال في الآفاق بتركه.( الكامل لابن الاثير ج2 ص 364)
وقال الذهبي( ثنا خالد بن يزيد عن جعونة قال: كان لا يقوم خليفة من بني أمية إلا سب علياً، فلم يسبه عمر بن عبد العزيز حين استخلف) (تاريخ الاسلام ج2 ص 337)
وقال السيوطي (كان بنو أمية يسبون علي بن أبي طالب في الخطبة فلما ولي عمر ابن عبد العزيز أبطله وكتب إلى نوابه بإبطاله) ( تاريخ الخلفاء ج1 ص 99)
وذكر الزركلي في ترجمة عمر بن العزيز فقال (وسكن الناس في أيامه، فمنع سب علي بن أبي طالب وكان من تقدمه من الامويين يسبونه على المنابر ) (الاعلام للزركلي ج5 ص50)
وقال ابو الفدا :(كان خلفاء بني أمية يسبون علياً رضي الله عنه، من سنة إِحدى وأربعين، وهي السنة التي خلع الحسن فيها نفسه من الخلافة، إلى أول سنة تسع وتسعين، آخر أيام سليمان بن عبد الملك، فلما ولي عمر، أبطل ذلك، وكتب إِلى نوابه: بإبطاله، ولما خطب يوم الجمعة، أبدل السب في آخر الخطبة بقراءة قوله تعالى : إِن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي لعلكم تذكرون. ( النمل 90),  فلم يسب علي بعد ذلك.) ( المختصر في أخبار البشر لعماد الدين أبو الفدا ج1 ص139). ولايفوتنا القول أن عمر بن عبد العزيز عندما كان واليا على المدينة كان يسب الامام علي وفقا لقوانين الدولة فلما تولى الخلافة كسر قانون معاوية وأبطل السب ( راجع الكامل لابن الاثير ج5 ص42)

ما تقدم ذكره اثبات لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد كي يعرف أن معاوية بن أبي سفيان كان سبابا طعانا لعانا وكان لعنه لأول المسلمين أمير المؤمنين وسيد الوصيين, فلاندري كيف يلحق الوعاظ والفقهاء لقب (رضي الله عنه) بمعاوية ,ومن يفعل ذلك فقد شاركه في جرمه وأيده في فعله.
مات الخليفة الاموي السادس عمر بن عبد العزيز مسموماً ! قيل دُس له السم وهو بدير سمعان من أرض المعرة، فتوفي به ومدة خلافته سنتان ونصف) (الاعلام للزركلي ج5 ص50), وخلفه يزيد بن عبد الملك وحكم سنين اربع ثم خلفه هشام بن عبد الملك بن مروان وخلافته من سنة 105  الى سنة 125 هجرية, في سنة 106 هجرية يذهب هشام بن عبد الملك الى مكة حاجاً كما يروي ابن كثير الدمشقي   :
(حج بالناس في هذه السنة ( سنة ست ومائة هجرية) أمير المؤمنين هشام بن الملك وكتب إلى أبي الزناد قبل دخوله المدينة ليتلقاه ويكتب له مناسك الحج ففعل فتلقاه الناس من المدينة إلى أثناء الطريق وفيهم أبو الزناد قد امتثل ما أمر بهن وتلقاه فيمن تلقاه سعيد بن عبدالله ابن الوليد بن عثمان بن عفان ( حفيد الخليفة الثالث عثمان ) فقال له يا أمير المؤمنين إن أهل بيتك في مثل هذه المواطن الصالحة لم يزالوا يلعنون أبا تراب -( أبا تراب لقب الامام علي )- فالعنه أنت أيضا قال أبو الزناد فشق ذلك على هشام وأستثقله وقال ما قدمت لشتم أحد ولا لعنة أحد إنما قدمنا حجاجا ثم أعرض عنه وقطع كلامه)( البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي, أحداث سنة ست ومائة), تأمل أنه كان قد مر على أبطال قانون سب الامام علي أكثر من سبع سنين لكن الناس الذين نشأوا يسمعون سبه ولعنه على المنابر  شبوا على ذلك فصار سب الامام ولعنه من طقوسهم .
يتفق فقهاء الجمهور ومشايخهم على أن لعن أو سباب صحابة النبي (ص) أمر غير مقبول ومخالف للدين ويغضب الرب ,ويستحق فاعل ذلك الطرد من رحمة الله تعالى, وبرهانهم على ذلك حديث النبي (ص)  : ( من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (السلسلة الصحيحة للالباني رقم الحديث 2340, درجة الحديث حسن )
 وروي نفس الحديث بلفظه كذلك عن أنس بن مالك في كتاب صحيح الجامع للمحدث الالباني رقم الحديث 5285. ( راجع مصدر الحديث وتوثيقه على النت في موقع http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=213200).
وروى الحديث بلفظ آخر كما يلي  ( من سب أصحابي فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين) ( فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل , الجامع الكبير للطبراني وغيرهم)
 وفق الحديث أعلاه وأمثاله يكون معاوية وأتباعه ملعونين لايستحقون رحمته تعالى لأنهم لعنوا أول المسلمين وأمير المؤمنين علي بن ابي طالب, فماذا سيكون موقف الفقهاء والمحدثين وأهل الشأن في ذلك؟ لايستطيع أهل الجمهور نكران أن معاوية ومن معه أستحدثوا قانون سب الامام على المنابر لستين عاماً ,وقد تقدم ذكر ذلك واثباته , فلماذا لايخرجوا معاوية ومن معه من خانة الصحابة الكرام ولماذا يلحقوا لقب (رضي الله عنه) عند ذكر أسمه؟ السبب في ذلك أنهم يمشون على سنة معاوية فكيف يتبرأون ممن أسس أساس بنيان فقههم وشرعهم؟
لقد حدثت محاولات في التاريخ لكشف موبقات معاوية وافعاله للناس, لكن تلك المحاولات أغلقت خوفاً من أنقلاب الناس وتفتح أذهانهم للاكاذيب التي بنى بها معاوية وأنصاره دولتهم, فالاجيال التي نشأت لاتعرف سوى سب الامام علي وسب آله والبراءة منهم, أصبحت تظن أن الدين الأصيل هو دين معاوية وأنصاره, لذلك أحجم الذين أرادوا لعن معاوية وكشف أكاذيبه عن لعنه والبراءة منه أمام جماهير الناس ,فجماهير الناس من أتباع معاوية وأنصاره تعلموا  الاستكانة ورضعوا الرضا بالحاكم المستبد وشربوا الذلة والمسكنة ,وتلك لعمري صفات يعشقها الحكام والطغاة , فغاية أماني كل طاغية  هي أستكانة الشعوب له ورضوخها لأوامره وسكوتها على ظلمه ,وتلك تربية معاوية وأنصاره ومن جاء بعده, فلماذا يغيرها الطغاة والظلمة ؟ الأفضل عندهم هو إبقاء الشعوب على عماها وضلالها واستكانتها وهو أمر مرت به أمة المسلمين الى يومنا هذا . ومن محاولات اسقاط أعتبار معاوية في التاريخ ما قام به الخليفة العباسي المأمون  عندما كتب كتابا دونَّ فيه ماقام به معاوية من بدع وتحريف لدين الاسلام  , وذكر فيه أفعاله وأفعال أبيه أبوسفيان  وسيرتهما . ذكر المؤرخ الطبري في  وقائع سنة 284 هجرية كتاب المأمون في فضائح معاوية ننقل منه مايلي :
(لا يُرفع على الإسلام رايةٌ إلاّ كان صاحبَها وقائدَها ورئيسَها فى كلّ مواطن الحرب من بدر واُحد والخندق والفتح ـ أبو سفيان بن حرب وأشياعه من بنى اُميّة الملعونين فى كتاب الله ، ثمّ الملعونين علي لسان رسول الله فى عدّة مواطن وعدّة مواضع ، لماضي علم الله فيهم وفى أمرهم ونفاقهم وكفر أحلامهم ، فحارب مجاهداً  ( يعني أن النبي محمد حارب مجاهداً)، ودافع مكابداً ، وأقام منابذاً حتي قهره السيف ، وعلا أمر الله وهم كارهون ، فتقوّل بالإسلام غير منطو عليه ، وأسرّ الكفر غير مقلع عنه ، فعرفه بذلك رسول الله  والمسلمون ، وميّز له المؤلّفة قلوبهم ، فقبله وولده علي علم منه فممّا لعنهم الله به علي لسان نبيّه  ، وأنزل به كتاباً قولُه :  والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا)( الاسراء 60)
, ولا اختلاف بين أحد أنّه أراد بها بنى اُميّة ومنه قول الرسول (ص)  وقد رأه مقبلا علي حمار ومعاوية يقود به ويزيد ابنه يسوق به : لعن الله القائد والراكب والسائق ... .) ( عن موسوعة الامام لمحمد الريشهري, ونقله عن تاريخ الطبري أحداث سنة 284 هجرية) . كتاب المأمون أعلاه لم يظهره لعامة الناس بل كان في نيته فعل ذلك لكنه لم يفعل!
بعد سنين من موت الخليفة العباسي المأمون تولى الخلافة  المعتضد سنة 279 هجرية, وأراد ان يظهر كتاب المأمون للعامة حتى يعرف القوم موبقات معاوية وجرائمه, فعزم على فضح معاوية للناس, لكن بعض حاشية المعتضد أقنعوه بالعدول عن ذلك وقالوا له أن ماسيفعله سيفتح عقول الناس فيضطربوا وربما سيكون فيه ذهاب ملكه بذلك, وقالوا له بأن الطالبيين ( احفاد الامام علي وعشيرته ) سيكسبون ود الناس وستعرف العامة أن الامام علي وأحفاده مظلومين وهم أحق بالحكم من غيرهم ,وذلك سيكون وبالا على الخلافة العباسية , فأقتنع المعتضد بذلك وأغلق القضية ( راجع تاريخ الخلفاء للسيوطي ج1 سيرة المعتضد العباسي)! روى الطبري :
( إنّ عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضى وأمره أن يعمل الحيلة فى إبطال ما عزم عليه المعتضد ، فمضي يوسف بن يعقوب فكلّم المعتضد فى ذلك وقال له : يا أمير المؤمنين ! إنّى أخاف أن تضطرب العامّة ، ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة . فقال : إن تحرّكت العامّة أو نطقت وضعت سيفى فيها ، فقال : يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبيّين الذين هم فى كلّ ناحية يخرجون ويميل إليهم كثير من الناس لقرابتهم من الرسول ومآثرهم وفى هذا الكتاب إطراؤهم ؟ أو كما قال ، وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل ، وكانوا هم أبسط ألسنةً ، وأثبت حجّةً منهم اليوم . فأمسك المعتضد فلم يردّ عليه جواباً ولم يأمر من الكتاب بعده بشىء ) (تاريخ الطبرى ج10 ص63 أحداث سنة 284 هجرية) ، قال ابن الأثير ( كان عبيد الله ـ الذى سعي فى عدم قراءة هذا الكتاب ـ من المنحرفة عن علي  ( (الكامل فى التاريخ لابن الاثير ج4 ص 585) ( نص حديث المؤرخ الطبري وتعليق المؤرخ ابن الاثير منقول عن موسوعة الامام علي للسيد محمد الريشهري ج5). تأمل أن عزم الخليفة العباسي المعتضد كان في سنة 284 هجرية أي بعد هلاك معاوية بن أبي سفيان بأكثر من قرن ونصف قرن, ولكن معاوية لم يزل آنذاك في عيون الناس في مقام عال ,ومقام أمير المؤمنين علي مهمش متروك عند جماهير الناس وعوامهم, فإلى أي مدى وصل تأثير قانون سب الامام علي وآله وتشويه سيرته في الزمان. وتأمل أن الخليفة المعتضد احجم عن نشر الحقيقة في سبيل دوام ملكه فمن صالحه أن يكون الناس جهلة يمشون بسنة معاوية وأنصاره, ففقهاء الجمهور وفي كل الاجيال يعلمون علم اليقين جرائم معاوية وموبقاته ويعلمون تشريعه سب أول المسلمين وأمير المؤمنين, ويعلمون بل يقولون أن لعن الصحابي ممقوت وعمل لايرضى الله ورسوله كما في الاحاديث التي تقدم ذكرها ,ولكنهم  يترضون على معاوية ويتبعون خطه وسنته, فلاخيار لهم بذلك لأن اسقاط معاوية وأتباعه يعني أنقراض مذهبه وبذلك ينتهي الوعاظ والفقهاء والخطباء وتتلاشى مناصبهم كما كانت ستتلاشى خلافة المعتضد والمأمون من قبله , فصار الدين  دين معاوية  وليس دين محمد . لقد حرَّف المتآمرون جوهر الدين وغاياته  وأبقوا القشور والشعارات والطقوس, وهذه من نتائج سب الامام علي بن ابي طالب على منابر دولة بني أمية, ويفعل ذلك كل نظام جائر غاشم في غسل عقول الجماهير وتضليلهم.
إن الحر من بني الانسان لاتؤثر فيه التضليلات, فإن كان جاداً ببحثه عن الحقيقة فأنه سيتوصل إليها , أما الذي أعمى قلبه العناد والعزة بالاثم وحفته الشهوات ومطالب الدنيا وزينتها فلن يصل الى الحقيقة مهما استطال الزمن. لقد أزداد الامام علي بن أبي طالب رفعة وعزة في قلوب محبيه رغماً عن التشهويات التي سنها معاوية وأنصاره وتلك كرامة ربانية ينالها محبوه والذابون عنه , روى ابن عبد البر :
( عن عامر بن عبد الله بن الزبير أنه سمع ابناً له ينتقص علياً فقال: إياك والعودة إلى ذلك، فإن بني مروان شتموه ستين سنة فلم يزده الله بذلك إلا رفعة وإن الدين لم يبن شيئاً فهدمته الدنيا. وإن الدنيا لم تبن شيئاً إلى عاودت على ما بنت فهدمته.) ( الاستيعاب  لابن عبد البر ج1 ص 344).
لقد تنبأ الامام علي بن أبي طالب بسُنة سبه ولعنه وذلك من دلائل علمه الذي أستمده من علم النبي الكريم (ص) , يقول الامام:
(أما أنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه. ولن تقتلوه. ألا وإنه سيأمركم بسبي، والبراءة مني. أما السب فسبوني؛ فإنه لي زكاة، ولكم نجاة. وأما البراءة فلا تتبرأوا مني، فإني ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة) ( نهج البلاغة شرح محمد عبدة ج1 ص 114, لسان العرب لابن منظور  ج4 ص301) . ان قول الامام : ( رجل رحب البلعوم مندحق البطن) , يعني به معاوية ذو البطن الكبيرة المندحقة, وهذا تذكير بقول النبي (ص): ( إذا رأيتم معاوية على منبري فأقتلوه) وقد تقدم ذكرالحديث وإسناده في بداية الفصل .


نتائج قانون سب الامام علي بن أبي طالب على منابر بني أمية
لم يكن سب الامام علي على منابر بني أمية  تشهيراً إعلامياً وتسقيطاً لفظياً فقط, بل تبع ذلك تهميش وأهمال لعلم الامام وحكمه, فاللعن ليس محدداً بالسب والشتيمة فقط, فالذي يلعن ويسب رجلا فأنه  يرفض آراءه وأفكاره وأعماله .إذن سب علي على منابر دولة بني أمية كان كذلك رفضاً لفقه علي وعلومه وخطبه وتعليماته ويعني ذلك رفض دين محمد (ص) , وهل  علي إلا أول المسلمين ووصي النبي ووزيره وخليفته. وفي ذلك يقول الشيخ أبو زهرة المصري  :
(لابد أن يكون للحكم الأموي أثر في اختفاء كثير من آثار علي في القضاء والإفتاء ، لأنه ليس من المعقول أن يلعنوا عليا فوق المنابر ، وأن يتركوا العلماء يتحدثون بعلمه ، وينقلون فتاواه وأقواله ، وخصوصا ما يتصل بأساس الحكم الإسلامي .)) تاريخ المذاهب الإسلامية ، لأبي زهرة  ص 285 ).
لقد وصل الامر بالناس أن يتجنبوا تلفظ اسم الامام علي خوفاً من ارهاب السلطة, ومنهم الحسن البصري:
(قال يونس بن عبيد: سألت الحسن قلت يا أبا سعيد إنك تقول قال رسول الله وإنك لم تدركه! فقال :يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ولولا منزلتك ما أخبرتك ,إني في زمان كما ترى - وكان في زمن الحجاج - كل شيء شمتني أقوله قال رسول الله فهو علي بن أبي طالب غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا)( كتاب قواعد التحديث  ص 142 تصنيف القاسمي )! 
كانت عقوبة الرافض لسب الامام علي هي القتل و هدم الدار والنفي والتعذيب , ومر بنا قول معاوية (انظروا من قامت عليه البيِّنة أنه يحب عليًّا وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكِّلوا به، واهدموا داره . فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه في العراق، ولا سيما الكوفة، حتى إن الرجل من شيعة علي  ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيلقي إليه سرَّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدِّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنَّ عليه) ( شرح نهج البلاغة ج4 ص 44).

قام الحجاج والي الامويين على العراق بمطاردة أنصار الامام علي ومنهم الشيخ كميل بين زياد, فأخفى كميل بن زياد نفسه فترة من الزمن فقام الحجاج بقطع العطاء عن قبيلة كميل بأجمعها ! فلما رأى كميل ذلك قال
 (أنا شيخ كبير وقد نفد عمري ولا ينبغي أن أكون سبباً في حرمان قومي . فاستسلم للحجّاج ، فلمّـا رآه قال له : كنت أحبُّ أن أجد عليك سبيلا ، فقال له كميل: لا تبرق ولا ترعد ، فوالله ما بقي من عمري إلاّ مثل الغبار ، فاقض فإنّ الموعد الله عزّ وجلّ ، وبعد القتل الحساب . وقد أخبرني أمير المؤمنين أنّك قاتلي ، فقال الحجّاج : الحجّة عليك إذن ، فقال : ذلك إن كان القضاء لك ، قال : بلى ، اضربوا عنقه )(  الشيعة في موكب التاريخ للعلامة السبحاني ص 34 ونقله عن شرح ابن أبي الحديد ج17 ص 149 ). ويروي الذهبي في مقتل كميل بن زياد أن الحجاج سأل وجوه قبيلة النخع عن كميل بن زياد النخعي فقال (:منكم كميل بن زياد قالوا: نعم، قال: فما فعل ؟ قالوا أيها الأمير شيخ كبير، قال: لا بيعة لكم عندي ولا تقربون حتى تأتوني به. قال: فأتوه به منعوشاً في سرير حتى وضعوه إلى جانب المنبر، فقال: ألا لم يبق ممن دخل على عثمان الدار غير هذا، فدعا بنطع وضربت عنقه.)( تاريخ الاسلام للذهبي ج5 ص320). تأمل أن الذهبي أموي الهوى لم يذكر قطع العطاء , لكن الحجاج حسب روايته قال (لابيعة عندي ولاتقربون) , ومن البديهي أن الذي لايبايع  سوف لن يستلم العطاء ( الراتب المعاشي) ,ويعني هذا أنه (الحجاج)  قطع العطاء عنهم ولهذا أتوه بكميل بن زياد وهو في نعشه, لكن المؤرخ الذهبي لايصرح بقطع العطاء وأنما ذكره ضمناً حتى يلتبس الامر على القارئ ,وهذا مثال على الخيانة التاريخية التي ارتكبها كتبة البلاط في تضليل الناس , ثم لاينسى الذهبي أن يذكر أن سبب مقتل كميل هو اشتراكه في قتل الخليفة الثالث عثمان, بينما السبب الحقيقي هو كونه من أنصار الامام علي وشيعته . لقد لبس الامويون قميص عثمان وتذرعوا بموته لتبريرأرهابهم وانتقامهم من أنصار الامام علي  وشيعته. قتل السفاح الحجاج  كميلَ بن زياد النخعي عام 82 هجرية أي بعد مرور أربعين عاما على أستشهاد الامام علي , فتأمل وزد عجباُ.
كان الحجاج هو سيف بني أمية الضارب في شيعة علي وأنصاره فكانت صلاحياته في القتل وتهديم البيوت وتهجير الناس مفتوحة لايحاسب عليها ولايسأله الخليفة عنها مادام مستمرا في الانتقام من شيعة علي وأنصاره , وقد يتعجب القارئ لذلك, لأن الامام علي استشهد قبل وصول الحجاج للسلطة بعشرات السنين فكيف يطارد الحجاج شيعة علي وأنصاره ؟  ولا عجب فقانون سب الامام علي استمر أكثر من نصف قرن كما تقدم. عند هلاك الحجاج ظهرت السجون المخفية وسراديب التعذيب ,  وقد دون المؤرخون في ذلك وفصلوا , وفيما يلي قول أهونهم على الامويوين وهو المؤرخ الذهبي الذي  لم يستطع أنكار أرهاب الحجاج حيث روى :
( أحصوا ما قتل الحجاج صبراً، فبلغ مائة ألفٍ وعشرين ألفاً. وقال عباد بن كثير، عن قحذم قال: أطلق سليمان بن عبد الملك في غداةٍ واحدةٍ واحداً وثمانين ألف أسيراً، وعرضت السجون بعد موت الحجاج، فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفاً، لم يجب على أحدٍ منهم قطعٌ ولا صلبٌ. وقال الهيثم بن عدي: مات الحجاج، وفي سجنه ثمانون ألفاً، منهم ثلاثون ألف امرأة.)( تاريخ الاسلام للذهبي ج6 ص 323) هذا مثال على حكم دولة بني أمية وعلى أرهاب العباد, وعندما يتمعن القارئ المسلم  في هذه الحقائق لاندري كيف يطمئن الى عدالة أولئك الطغاة الذين زجوا في سجون الدولة تلك الاعداد الهائلة من المواطنين .



معاوية ينصب لنفسه وزيراً ليس على دين محمد (ص)
استعان معاوية برجل رومي غير مسلم يدعى سرجون وجعله أمين سره ومستشاره في قضايا الدولة وفي المال.فمن هو سرجون هذا ؟
 (سرجون الرومي هو كاتب معاوية وصاحب سره, وكتب بعده ليزيد بن معاوية)( معالم المدرستين للعلامة العسكري وعن تاريخ الطبري ج 2 ص 205 ، الكامل لابن الاثير ج 4 )  روى المسعودي  في معاوية: (كتب له عبيد بن أوس الغساني وسرجون بن منصور الرومي) ( التنبيه والاشراف للمسعودي, باب ذكر أيام معاوية)
ويؤكد هذه الحقيقة المستشرق بروكلمان: ( وفي بلاط معاوية لعب سرجون بن منصور  النصراني, دور المستشار المالي المتنفذ, وحفظ النصارى لمعاوية وآله هذا التسامح فأخلصوا لهم وأعظموهم أعظاما لانزال نقع عليه في الروايات النصرانية وحتى في كتب التاريخ الاسبانية) ( تاريخ الشعوب الاسلامية لكارل بروكلمان الصفحة 120 , فصل الامويين)
وأورد العلامة جعفر السبحاني في منصور بن سرجون مايلي
(ذكر فردينان توتل المسيحي في كتابه معجم أعلام الشرق والغرب مايلي : كان منصور بن سرجون وزير المالية لمعاوية وهو أبو يوحنا الدمشقي , وذكر ابوعلي مسكويه فقال في كتابه تجارب الامم ج2 ص 211: كاتب ديوان خراج سلطة معاوية ويزيد هو سرجون بن منصور الرومي) ( بتصرف واختصار عن كتاب سيرة الائمة للعلامة السبحاني ص 162).
 قال ابن كثير (ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس واستوثقت له الممالك شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً ، وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة ، فولى معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد ، ثم بعده لأبي إدريس الخولاني ، وكان على شرطته قيس بن حمزة ، وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون بن منصور الرومي) ( البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص 23).
لقد كان  منصور بن سرجون الرومي  ممثلا عن الجانب الروماني في فتح دمشق !
(وكان رئيس الديوان لدى معاوية منصور بن سرجون الذي فاوض الجيوش العربية الإسلاميّة لتسليم دمشق)( النص عن مقالة في موقع القديسة تيريزا بحلب للأرشمندريت اغناطيوس ديك)
إذن منصور  كان مستشاراً مالياً في دولة الروم قبل فتح بلاد الشام , ولما فتح المسلمون بلاد الشام بقي منصور وابنه سرجون في الشام . وعندما نصب معاوية نفسه ملكاً على المسلمين استوزر سرجون وجعله كاتبه, وكذلك فعل من بعده يزيد بن معاوية, كما سيأتينا.
 كيف يتم توزير من كان صاحب منصب لدولة الاعداء وهي الدولة الرومانية ,وكيف يتم توزير غير مسلم في دولة شعارها ودستورها ألاسلام كما كان يتظاهر معاوية ؟ وهل يعقل أن يأتمن أي عاقل برجل كان ذو منصب وحظوة عند أعداءه؟  لكن الامر عند معاوية كان غير ذلك .لم يكن سرجون النصراني الوحيد المقرب لمعاوية  , فقد كان طبيب معاوية الخاص نصراني كذلك وهو ابن أثال, واستعان معاوية بابن أثال النصراني في مكائده واغتيالاته  يروي العلامة العسكري فيقول:
(لما أراد معاوية ان يبايع لابنه يزيد بولاية العهد من بعده ، رآى ميل أهل الشام إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد . فأمر طبيبه ابن أثال ان يسمه ، ووعده ان يضع عنه الخراج لمدة سنة ويوليه على خراج حمص ، ففعل وبر بوعده معاوية فقتله خالد بن عبد الرحمن أو ابن أخيه المهاجر) ( معالم المدرستين للعلامة العسكري وعن الاغاني للاصفهاني ج 15 ، وتاريخ الطبري ج2 ، الكامل لابن الاثير ج3), وذكر عن اليعقوبي قوله : ( أن معاوية استعمل على  خراج منطقة حمص النصراني بن أثال, ولم يستعمل النصارى أحداً من الخلفاء قبله.) ( تاريخ اليعقوبي  ج 2 ص 223) ,وكان الأخطل النصراني هو شاعر البلاط في عهد معاوية وما بعده , وحثه معاوية على هجاء الانصار وهم أهل يثرب الذين نصروا النبي (ص) , فلم  يتورع  الأخطل عن ذلك وهو في حماية سيده معاوية فهجا  الانصار بقصيدة مطلعها:
ذهبت قريش بالمكارم والعلى....... واللؤم تحت عمامة الانصار( معالم المدرستين للعلامة العسكري , البيان والتبيين للجاحظ ج1ص 86, الاغاني للأصفهاني ج 13).



معاوية يستعين بنصارى قبيلة كلب في تثبيت حكمه!
كانت أغلب إن لم تكن كل ربوع سوريا في فتوح الشام مسكونة من أقوام تدين بدين النصرانية ويدخل في ذلك قبائل العرب التي عاشت فيها , قال اليعقوبي عن قبائل العرب التي سكنت الشام قبل الاسلام: ( كانت قضاعة أول من قدم الى الشام من العرب , فدخلوا في دين النصرانية , فمَّلَكهم ملك الروم على بلاد الشام والعرب)( تاريخ اليعقوبي ج1 ص 234). وقال المسعودي (وكانت قضاعة أول من نزل الشام وانضلفوا إلى ملوك الروم فملكوهم بعد أن دخلوا في النصرانيّة على من حوى الشام من العرب) (المسعودي مروج الذهب ج1 ص 421). قبيلة قضاعة من أمهات القبائل ومن بطونها تنوخ و كلب بن وبرة ,  سليم وتيم اللات.
روى البلاذري متحدثا عن دخول جيش خالد بن الوليد الى الشام أيام أبي بكر فقال:
 (ثم أتى تدمر فامتنع أهلها وتحصنوا ثم طلبوا الأمان فأمنهم على أن يكونوا ذمة وعلى أن قروا المسلمين ورضخوا لهم‏.‏ ثم أتى القريتين فقاتله أهلها فظفر وغنم‏.‏ ثم أتى حوارين من سنير فأغار على مواشي أهلها فقاتلوه وقد جاءهم مدد أهل بعلبك وأهل بصرى وهي مدينة حوران فظفر بهم فسبى وقتل‏.‏ ثم أتى مرج راهط فأغار على غسان في يوم فصحهم وهم نصارى فسبى وقتل‏.)( فتوح البلدان للبلاذري  ص 111). تأمل أن القوم قاوموا دخول الجيش وهذا يعني أمتناعهم عن القبول بالاسلام, وفي بداية النص ترى أن أهل تدمر في النهاية رضخوا للمسلمين بعد القتال وصاروا أهل ذمة , اي بقوا على ديانتهم ولم يدخلوا الاسلام.
وروى كذلك  فقال عن فتوح الشام قبل تولي معاوية بقليل :(فلما ورد أبو عبيده عليهم أسلم بعضهم وصالح كثير منهم على الجزية‏.‏ ثم أسلموا بعد ذلك بيسير إلا من شذ عن جماعتهم‏.‏
وكان بقرب مدينة حلب حاضر يدعى حاضر حلب يجمع أصنافًا من العرب من تنوخ وغيرهم‏.‏ فصالحهم أبو عبيده على الجزية‏.‏) (فتوح البلدان للبلاذري ص 177). إذن بقى القوم على دينهم ولم يدخلوا الاسلام فدفعوا الجزية. بقي بنو تنوخ على نصرانيتهم الى عهد الخليفة العباسي الثالث الملقب بالمهدي بن أبي جعفر حيث يروي اليعقوبي :
(وخرج حتى صار إلى الثغر ثم صار إلى بيت المقدس فأقام أياماً وانصرف فلما صار بجند قنسرين لقيته تنوخ بالهدايا وقالوا نحن أخوالك يا أمير المؤمنين فقال من هؤلاء قيل تنوخ حي ينتمي إلى قضاعة ووصف له حالهم وكثرة عددهم وقيل له إنهم كلهم نصارى فقال لا أرضاكم أنتم إلى خؤولتي) ,وارتد منهم رجل فضرب عنقه فخافوا فثبتوا على الإسلام. وتوفي عيسى بن موسى سنة 167 فولى المهدي ابنه موسى بن عيسى الكوفة وما كان إلى أبيه من الأعمال.)( تاريخ اليعقوبي), تأمل أن القوم كلهم نصارى والزمن زمن العباسي الثالث الخليفة المهدي, فمن اليقين أنهم كانوا نصارى أيام معاوية بن هند الاموي.
ودون البلاذري في فتوح الشام  أيام الخليفة عمر : (هذا ما أعطى عياض بن غنم أهل الرقة يوم دخلها‏.‏ أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم لا تخرب ولا تسكن إذا أعطوا الجزية التي عليهم ولم يحدثوا مغيلة وعلى أن لا يحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا يظهروا ناقوسًا ولا باعوثًا ولا صليبًا‏.‏ ) ( فتوح البلدان للبلاذري ص 178) , وهذا نص يبين بقاء الناس على ديانتهم. ويقول كذلك (أن عمر بن الخطاب  أراد أن يأخذ الجزية من نصارى بني تغلب فانطلقوا هاربين ولحقت طائفة منهم ببعدٍ من الأرض‏.‏ فقال النعمان بن زرعة أو زرعة بن النعمان‏:‏ أنشدك الله في بني تغلب‏!‏ فإنهم قوم من العرب يأنفون من الجزية وهم قومٌ شديدة نكايتهم فلا تعن عدوك عليك بهم‏.‏ فأرسل عمر في طلبهم فردهم وأضعف عليهم الصدقة‏.‏)
 ( فتوح البلدان للبلاذري ص 188). وهذا كذلك يدل على بقاء تغلب على نصرانيتهم.
في زمن الخليفة ابوبكر, أي قبل تسلم معاوية ولاية الشام بسنين قليلة ,كتب الطبري عن ذلك العهد فدون أن جموع قبائل العرب  نفرت الى جانب الروم في  مواجهة الفتح الاسلامي وكما يلي :
(وبلغ الروم عظم ذلك العسكر فضربوا على العرب الضاحية البعوث بالشام إليهم فكتب خالد بن سعيد إلى أبى بكر بذلك وبنزول من استنفرت الروم ونفر إليهم من بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان من دون زيزاء بثلاث فكتب إليه أبو بكر أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله فسار إليهم خالد فلما دنا منهم تفرقوا) (تاريخ الطبري ج2 ص 587), وهذا نص جلي يبين نصرانية تلك القبائل وولائها للروم. لقد دون البلاذري في فتوح البلدان والواقدي في مغازيه والازدي في فتوح الشام في أكثر من موضع, أن قبائل العرب التي في سوريا بقيت على ديانتها النصرانية وأختارت دفع الجزية على دخول الاسلام , والنصوص التي تقدمت جزء يسير من تلك المصادر . كان دخول تلك القبائل الى الإسلام تدريجيا وبعد عهود , حتى بقى منهم مابقى الى يومنا هذا , إذن قبائل العرب في الشام بقيت على نصرانيتها تدفع الجزية للدولة وكان ذلك في زمن ولاية معاوية على الشام وزمن خلافته.

نصارى كلب يتحكمون في دولة المسلمين
بحكم رابطة الزواج بين معاوية وميسون الكلبية صار لعائلة ميسون النصرانية -عائلة بحدل- نفوذا كبيرا في دولة معاوية , ونظرة عابرة على بلاط معاوية وابنه يزيد يبين بجلاء تدخل بنو بحدل في دولة معاوية. فقد قرب معاوية ابن أخت زوجته ميسون  وهو حسان بن مالك بن بحدل الكلبي وكان من أعوانه في حربه لعلي بن أبي طالب في موقعة صفين التي تقدم ذكرها , ثم جعله واليا على منطقة فلسطين. 
(كان حسان ابن مالك بن بحدل الكلبي بفلسطين عاملا لمعاوية بن أبي سفيان، ثم ليزيد ابن معاوية بعده، وكان يهوى هوى بني أمية،) ( تاريخ الطبري ج3 ص323).
 وفي ذلك يقول عمرو الزهري من كلب يهجو حسان بْن مالك بْن بحدل :
 ( إذا ما انتمى حسان يومًا فقل له بميسون نلت المجد لا بابن بحدل
 بخمصانة ريا العظام كأنها من الوحش مكحول المدامع عيطل
 ولولا ابن ميسون لما ظلت عاملًا تخمط أبناء الأكارم من عل
 وما كان يرجو مالك أن يرى ابنه على منبر يقضي القضاء بفيصل  ) ( انساب الاشراف للبلاذري , باب بنات عبد المطلب).
صار لحسان بن مالك بن بحدل كلمة مسموعة ونفوذا  طاغيا في دولة معاوية , وبعد هلاك معاوية كان حسان الكلبي هو الحاكم الخفي لدولة بني أمية حتى أنه بعد هلاك يزيد بن معاوية كان هو الحاكم أو الخليفة الخفي الذي سير أمور الدولة , روى المؤرخون ومنهم الذهبي أموي الهوى فقال في حسان بن مالك بن بحدل : ( سلموا بالخلافة على حسان أربعين ليلة , ثم سلم الأمر الى مروان وله قصر بدمشق وهو قصر البحادلة , ثم صار يعرف بقصر ابن أبي الحديد , وهو الذي يفتحر ويقول : فإن لايكن منا الخليفة نفسه ... فما نالها إلا ونحن لها شهود )( سير أعلام النبلاء للذهبي ج3 ص 538) , وروى ابن عساكر عن البلاذري والكلبي : (سلم على حسان بن مالك بن بحدل أربعين ليلة بالخلافة ثم سلمها إلى مروان  وقال : فألا يكن منا الخليفة نفسه  فما نالها إلا ونحن شهود  , وقال بعض الكلبيين : نزلنا لكم عن منبر الملك بعدما   ظللتم وما أن تستطيعون منبرا) (تاريخ مدينة دمشق ج 12ص 472). وروى الزبيدي في بحدل : ( وبحدل, هو ابن أنيف من بني حارثة بن جناب الكلبي جد يزيد بن معاوية أبو أمه ميسون بنت بحدل, ومن ولده حسان بن مالك بن بحدل الذي شد الخلافة لمروان وأخو سعيد بن مالك بن بحدل وحميد بن حريث بن بحدل الذي قتل من قتل من فزارة وخالد بن سعيد بن مالك بن بحدل وهو الهراس كان على شرطة هشام)( قاموس تاج العروس للزبيدي , كلمة بحدل)
عند هلاك معاوية وتولي يزيد الخلافة صار ضلوع بني بحدل في الدولة أشد, فقد عين يزيد على شرطته ابن عم حسان بن مالك بن بحدل وأسمه حريث بن بحدل الكلبي ( أنساب الاشراف  ج4 ص 60 , وطبعة اخرى ج5 ص 305). وعين يزيد كذلك سعيد بن مالك بن بحدل على ولاية قنسرين, وسعيد بن مالك هو أخو حسان بن مالك الكلبي  ويعني هذا انه خال يزيد بن معاوية لأنه أخو أمه ميسون (سير أعلام النبلاء ج3 ص16). وعين يزيد أيضا على حرسه سعيد مولى كلب (تاريخ اليعقوبي ج2 ص 301 ) وظل سرجون بن منصور النصراني كاتب يزيد ووزيره , ويروي ابن عبد ربه( كان كاتب يزيد وصاحب أمره سرجون بن منصور) ( العقد الفريد لابن عبد ربه).  

ان تبوأ بنو بحدل النصارى مناصب مهمة في دولة معاوية ويزيد ربما كان سببا مهما في اعلان اسلامهم حتى يقبلهم الناس, ولكن هذا لن يغير من الحقيقة شيئأ فهم من نصارى كلب بن وبرة.
ذكر هنري لامانس (ان الادارة الاموية في عهد معاوية وعهد يزيد كانت تعج بالنصارى من قبيلة كلب وهم أخوال يزيد بن معاوية) ( بتصرف وترجمة عن الفرنسية من دراسة في عهد الخليفة الاموي معاوية للمستشرق هنري لامانس ص 152).
يؤكد هذه الحقائق صاحب كل شأن في التاريخ فمثلا دون السيد أغناطيوس ديك :
 (كانت القبائل المسيحيّة العربيّة أمثال تغلب وتنوخ وكلب لا تزال قويّة وإنّ جيوشها كانت أكبر دعم للأمويّين ضدّ معارضيهم الكثر. وكان الأخطل شاعر بني تغلب النصراني يدافع بشعره عن الأمويّين ويعارض الأنصار. وكان يدخل البلاط والصليب على صدره وكلمته مسموعة. كما كان سرجون ابن منصور شبه وزير المالية يدير شؤون الدولة الأمويّة المترامية الأطراف. وإن يزيد بن معاوية ربي لدى أخواله المسيحيّين في البادية وكان من أهم ندمائه الأخطل ومنصور بن سرجون (يوحنّا الدمشقي). تابع عبد الملك في أول عهده سياسة أسلافه، وهادن البيزنطيّين ليتسنى له التفرّغ لقمع ثورة عبد الله ابن الزبير في الحجاز، وكانت القبائل المسيحيّة العربيّة سند الدولة الأمويّة وساهمت في الانتصار الذي حقّقه الأمويّون في معركة مرج راهط عام 684. وكان والده مروان قد احتاط بشرطة خاصة لحمايته مؤلّفة من مائتي مسيحي عربي من منطقة ايلاة العقبة. وكان الأخطل شاعر عبد الملك وسرجون بن منصور رئيس ديوان الماليّة. وعيّن أثناسيوس بن جومايا الرهاوي مساعداً لحاكم مصر.)
 ( النص أعلاه بقلم السيد الأرشمندريت اغناطيوس ديك, عن موقع السيدة تيريزا في حلب) سيأتي  ذكر معركة مرج راهط لاحقا , وفيها يصبح مروان بن الحكم ملك المسلمين , و مما قاله مروان في معركة مرج راهط بعد أن بويع له ودعا إلى نفسه:
(لما رأيت الأمر أمرا نهبا ... سيرت غسان لهم وكلبا
والسكسكيين رجالا غلبا ... وطيئا تأباه إلا ضربنا
والفين تمشي في الحديد نكبا ... ومن تنوخ مشمخرا صعبا
لا يأخذون الملك إلا غصبا ... وإن دنت قيس فقل لا قربا)
( تاريخ الطبري ج3 ص 324),  جميع القبائل التي نصرت مروان في معركة مرج راهط والتي ذكرها في قصيدته أعلاه هي قبائل عربية تدين بالمسيحية , وهي غسان, كلب , تنوخ , طئ, السكاسك, وهذا يؤيد ما قاله السيد أغناطيوس ديك الذي تقدم ذكره, ودليل على ضلوع القبائل العربية النصرانية في دولة معاوية ويزيد.
ان أحتياط مروان بن الحكم الاموي بحماية خاصة مؤلفة من مائتي مسيحي عربي أمر لايدعو للعجب في بلاط دولة معاوية ,  فقد استعان يزيد بن معاوية بحرس من المسيحين والرومان كذلك ! لنقرأ هذه الرواية وهي حدثت بعد ملحمة كربلاء التي سيأتينا ذكرها بعد قليل وكانت في عهد يزيد  , فبعد ملحمة كربلاء يؤخذ الاسرى وهم آل النبي محمد (ص) أسارى الى دمشق عاصمة الدولة, و الحاكم يومذاك يزيد بن معاوية ,وعند دخول الأسرى من آل النبي (ص) الى دمشق يحجزونهم في خربة  ويتولى حراستهم جنود الخليفة يزيد بن معاوية , والرواية كما يلي :
( نُقل عن الإمام الصادق  بأنّه عندما نقل السجاد  مع باقي أهل بيت الحسين إلى دار خربة في دمشق قال أحدهم : وضعونا هنا حتى يقع السقف علينا فيقتلنا ,وقال الحرس بلغتهم الرومية: انظر إليهم يخافون من وقوع السقف مع أنّهم سيؤخذون غداً وتضرب أعناقهم. قال الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ : لم يكن منا من يعرف اللغة الرومية جيداً مثلي حينها (بصائر الدرجات ج8 ص 338، باب12). وتدلّ هذه الرواية على أنّ حرّاس سلطة يزيد كانوا يتكلمون باللغة الرومية، ويحتمل جداً انّهم روميون أصلاً، و طبعاً انّ معرفة الإمام الرابع باللغة الرومية قد تمت في ضوء علم الإمامة، وهذه الرواية وردت في باب علم الأئمّة.) ( سيرة الائمة للعلامة جعفر السبحاني ص162).
هذه نتف تاريخية , تبين أن دولة معاوية التي يصر بعض المتحمسين على تسميتها بدولة المسلمين, لم تكن في الحقيقة سوى دولة دنيوية مصبوغة ظاهرياً بصبغة الاسلام وشعاراته.

معاوية يهيئ يزيد للخلافة ويلقي باللوم على أحداث السقيفة:
اتخذ معاوية فوضى نظام الحكم  حجة له في تعيين ابنه يزيدا ملكا من بعده, وتطرق في أكثر من موضع لذكر ماحدث في السقيفة وما بعدها كشهادة له وتبرير في تعيين ابنه يزيد خليفة من بعده, وقد تقدم ذكر تبريره في نصب نفسه ملكاً على المسلمين حيث استفاد من فوضى نظام الحكم التي حدثت يوم السقيفة, فحلل لنفسه منصب الخلافة كما حللها من سبقه من الخلفاء الثلاثة الاوائل. خطب معاوية بن هند في المدينة فقال:
(أيها الناس قد علمتم أن رسول الله قبض ولم يستخلف أحداً ,فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر وكانت بيعته بيعة هدى فعمل بكتاب الله وسنة نبيه ، فلما حضرته الوفاة رأى أن يستخلف عمر فعمل عمر بكتاب الله وسنة نبيه فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين ، فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول الله ، وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر ، كل ذلك يصنعونه نظراً للمسلمين فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الإختلاف ، ونظراً لهم بعين الإنصاف) ( الامامة والسياسة للدينوري ج1 ص149). تأمل تبريره السياسي, فهو يقول أن مافعله الخليفة الاول غير مافعله الثاني وأن النبي لم يستخلف أحداً , إذن يحق له أن يبتدع في الحكم كذلك كما أبتدع الاولون. إن معاوية يبني تبريره على ما أتفق عليه المتآمرون, وهذا يبين أن الطامة الكبرى لهذه الأمة هي في خيانة أوامر النبي بتنحية الخليفة الشرعي عن منصبه واغتصاب الخلافة من قبل عصبة السقيفة. فبعد مؤامرة السقيفة (راجع فصل السقيفة) لم يعد هناك نظام حكم في الاسلام, فقد نزا الخليفة الاول ابوبكر على الخلافة وأدعى أنه منتخب من الناس وافترى قائلا أن النبي (ص) لم يوص بالخلافة لأحد وأنما ترك الامر للناس! ثم عين من بعده عمرا بن الخطاب مخالفا بذلك ما أدعاه من أن النبي لم يوص بالخلافة لأحد, فكيف أوصى هو (أبوبكر) بالخلافة لعمر مع قوله بأن النبي لم يوص لأحد ؟  أما عمر فقد ابتدع أمرا آخرا فجعل الخلافة من بعده في ستة رجال (راجع فصل عمر). إن هذه الفوضى في نظام الحكم أوجدت حجة عند معاوية فأستغلها لصالحه وعلل أختياره لنظام الملكية والتوريث بما حدث في السقيفة وما بعدها من فوضى في نظام الحكم.
استقدم معاوية الى الشام وفوداً من العراق ومصر من رؤساء القبائل : ( فكتب إلى أهل الأمصار أن يقدموا عليه فقدم عليه قوم من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل مكة والمدينة وأهل مصر والجزيرة ومن جميع البلاد  فخطب فيهم وبيَّن صفات يزيد وميزاته وخطبوا مؤيدين متملقين وبايعوا ،  وأعطى معاوية لقب(سيد الخطباء) ليزيد بن المقنع الكندي لأنه اختصر خطبته فجرد سيفه وقال: (أيها الناس، إن أمير المؤمنين هذا وأشار بيده إلى معاوية . فإذا مات فوارث الملك هذا وأشار بيده إلى يزيد ، فمن أبي فهذا وأشار بيده إلى السيف ! فقال له: أجلس فأنت سيد الخطباء).( جواهر التاريخ ج3 للعلامة الكوراني ,وعن الكامل لابن الاثير ج3 ص 352 ، المستطرف للأبشيهي ج1 ص 138, العقد الفريد , والبيان والتبيين للجاحظ ص 140 , ونهاية الإرب للنويري ، الفتوح لابن أعثم ج4 ص).
وروي أن والي العراق زياد أرسل لمعاوية رسالة قال فيها  (يا أمير المؤمنين إن كتابك ورد علي بكذا ، فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد ، وهو يلعب بالكلاب والقرود ، ويلبس المصبغ ، ويدمن الشراب ، ويمشي على الدفوف ، وبحضرتهم الحسين بن علي ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ، ولكن تأمره ، ويتخلق بأخلاق هؤلاء حولاً وحولين ، فعسانا أن نموه على الناس . فلما صار الرسول إلى معاوية وأدى إليه الرسالة قال: ويلي على ابن عبيد ! لقد بلغني أن الحادي حدا له أن الأمير بعدي زياد ، والله لأردنه إلى أمه سمية ، وإلى أبيه عبيد ) ! ( جواهر التاريخ للكوراني ج3 ,وعن تاريخ اليعقوبي ج2 ص220) , وقول معاوية والله لأردنه الى أمه سمية , يعود الى أن زياد ابن سمية كان مجهول الاب فنسبه معاوية لأبي سفيان وجعله أخيه ( سيرة ابن زياد في فصل أعداء النبي).
بعدها سافر معاوية  الى المدينة المنورة وطلب من الناس أن يبايعوا لابنه يزيد ليصبح ملكاً من بعده  , فلم يرض بذلك المسلمون ومنهم : الحسين بن علي بن أبي طالب و عبد الله بن الزبير بن العوام, وعبد الله بن عمر بن الخطاب , وعبد الله بن عباس ,وعبدالرحمن بن أبي بكر  فقال لهم :
( إني قد أحببت أن أتقدم إليكم إنه قد أعذر من أنذر، إني كنت أخطب منكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤس الناس فأحمل ذلك وأصفح، وإني قائم بمقالة فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل إلا على نفسه. ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما! ثم خرج وخرجوا معه حتى رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم-( يعني معاوية بهؤلاء الرهط وهم الحسين بن علي والزبير وعبد بن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي بكر)- لا يبتز أمر دونهم ولا يفضى إلا عن مشورتهم وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على اسم الله. فبايع الناس وكانوا يتربصون بيعة هؤلاء النفر، ثم ركب رواحله وانصرف إلى المدينة، فلقي الناس أولئك النفر فقالوا لهم: زعمتم إنكم لا تبايعون فلم رضيتم وأعطيتم وبايعتم؟ قالوا: والله ما فعلنا. فقالوا: ما منعكم أن تردوا على الرجل؟ قالوا: كادنا وخفنا القتل!)

  (الغدير للعلامة الاميني , فصل معاوية , وعن العقد الفريد  ج2 ص 302, الكامل لابن الأثير ج3 ص 21 ومابعدها ). وأورد العلامة الكوراني  في  جواهر التاريخ ج3  مصادر أخرى للرواية وكما يلي (تاريخ ابن خياط ص160، وتاريخ الخلفاء للسيوطي,الإمامة والسياسة للدينوري ج 1 ص 161، والعواصم من القواصم ,المنتظم لابن الجوزي ، الفتوح لابن الأعثم  ج3 ص 339) , وهذا يدل على اشتهار الرواية وقوتها.


استعان معاوية لتثبيت حكمه بمجرمين قتلة أمثال زياد بن أبيه وبسر بن أرطأة وسمرة بن جندب والضحاك بن قيس فاستحرت آلة القتل بالناس , واستعمل معاوية كل حيلة من أجل تثبيت حكمه فكانت عنده الوسيلة تبررها الغاية ,وكان مما فعله أن أرسل قواده لأرعاب الناس وتخويفهم . روى الطبري :(وفيها أيضا وجه معاوية الضحاك بن قيس، وأمره أن يمر بأسفل واقصة، وأن يغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الأعراب، ووجه معه ثلاثة آلاف رجل، فسار فأخذ أموال الناس، وقتل من لقي من الأعراب، ومر بالثعلبية فأغار على مسالح علي، وأخذ أمتعتهم ) ( تاريخ الطبري ج3 ص183), وأرسل معاوية جلوازه الاخر بسر بن ارطأة الى المدينة والى اليمن ففعل بسر بالمسلمين الاعاجيب من الارهاب والتقتيل وكانت وصية معاوية له :
 (سر حتى تمر بالمدينة ( المدينة المنورة) فاطرد أهلها ، وأخِفْ من مررت به ، وانهب مال كل من أصبت له مالاً ممن لم يكن دخل في طاعتنا ، وأوهم أهل المدينة أنك تريد أنفسهم ، وأنه لابراءة لهم عندك ولا عذر ، وسر حتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لأحد ، وأرهب الناس فيما بين مكة والمدينة ، واجعلهم شرادات ، ثم امض حتى تأتي صنعاء ، فإن لنا بها شيعة ، وقد جاءني كتابهم ! فخرج بسر ، فجعل لا يمر بحي من أحياء العرب إلا فعل ما أمره معاوية ، حتى قدم المدينة.) ( تاريخ اليعقوبي ج2ص 197)
قام بسر بن أرطأة بسبي نساء اليمن وبيعهن من غير وازع ولاحس أنساني, يقول ابن عبد البر: ( ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات ، فأقمن في السوق)( الاستيعاب ج1ص 161, تاريخ الاسلام للذهبي ج5 ص 369).  نساء مسلمات من رعايا الدولة ومواطنيها يسوقهن جيش معاوية بقيادة بسر بن ارطأة ويبيعهن في الاسواق كالجواري , فياله من أرهاب قلما نرى نظيره في تاريخ العالم.
وروى الاصفهاني : ( إن معاوية بعث إلى بسر بعد تحكيم الحكمين ، وعلي بن أبي طالب يومئذ حي ، وبعث معه جيشا آخر ، وأمر أن يسيروا في البلاد ، فيقتلوا كل من وجدوه من شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه ، وأن يغيروا على سائر أعماله ، ويقتلوا أصحابه ، ولا يكفوا أيديهم عن النساء والصبيان ، فمر بسر لذلك على وجه حتى انتهى إلى المدينة ، فقتل بها ناسا من أصحاب علي  ، وأهل هواه ، وهدم بها دورا ، ومضى إلى مكة ، فقتل نفرا من آل أبي لهب ، ثم أتى السراة فقتل بها من أصحابه وأتى نجران  فقتل عبد الله بن المدان الحارثي  وابنه ، وكانا من أصهار بني العباس عامل علي ، ثم أتى اليمن ، وعليها عبيدالله بن العباس عامل علي ، وكان غائبا وقيل بل هرب لما بلغه خبر بسر ، فلم يصادفه بسر ، ووجد ابنين له صبيين ، فأخذهما بسر لعنه الله وذبحهما بيده بمدية كانت معه ، ثم انكفأ راجعا إلى معاوية, وقالوا : فولهت عليهما أمهما ، وكانت لا تعقل ، ولا تصغي إلا لمن يخبرها بقتلهما ، ولا تزال تنشدهما في المواسم :
هامن أحس بإبني اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف
هامن أحس بإبني اللذين هما * قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف
 (  أحاديث عائشة للعلامة  العسكري  ج1ص 339 , نقلاً عن الاغاني للأصفهاني)
وقال الطبري: (وفي سنة أربعين بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة في جيش ، فسار حتى دخل المدينة ، وأخاف أهلها ، وبقية الأنصار فيها ، وهدم دورا ، ثم سار وأتى اليمن ، ودخل بيت عبيدالله بن العباس ، وفيه ابنان له صغيران ، فذبحهما ، وقتل في مسيرة ذلك جماعة كثيرة من شيعة علي) (تاريخ الطبري أحداث سنة 40)
 وروى ابن عساكر: ( ليستعرض الناس ، فيقتل من كان في طاعة علي ، فقتل قوما من بني كعب على مائهم في ما بين مكة والمدينة ، وألقاهم في البئر) ( كتاب أحاديث عائشة للعلامة  العسكري,  تاريخ دمشق لابن عساكر ج3 ص 222  ،  نهاية الارب ص 371 في ترجمة بني كعب, ومثله في تاريخ الاسلام ج5 ص370 للذهبي)
ولو جمعنا نتائج غارات جيش معاوية بقيادة بسر بن أرطأة على بلاد المسلمين لتجاوز الرقم عشرات الالاف من الضحايا! يقول العلامة الكوراني واصفاً غارات بسر بن أرطأة على المسلمين, واستناداً الى كتب اليعقوبي والطبري وغيرهم من المؤرخين : (وهي أشرس غارات معاوية وأكثرها فتكاً وتخريباً ونهباً وحرقاً وتقتيلاً ، فقد بلغ قتلاها ثلاثون ألفا)( كتاب جواهر التاريخ ج1, للكوراني العاملي). ان ما فعله بسر بن ارطأة  لم يفعله غيره, فقد أحرق مسلمين بالنار حرقا لارعاب الناس واجبارهم على الرضا بحكومة بني أمية, وقتل مع الذين حرق في موقعة واحدة مايربو على الثلاثين ألف أنسان, حتى قال الشاعر يزيد بن المفرغ في ذلك شعراً:
تعلق من أسماء ماقد تعلقا ومثل الذي لاقى من الشوق أرقا
إلى حيث سار المرء بسر بجيشه فقتل بسر ما استطاع وحرقا(  النص عن الاغاني للاصفهاني , ترجمة شخصية يزيد بن مفرغ.)
 


روى  الطبري في عامل معاوية سمرة بن جندب فقال : (حدثني محمد بن سليم قال: سألت أنس بن سيرين: هل كان سمرة قتل أحداً ؟ قال وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب؟! استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة ، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً ؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت ! أو كما قال !... عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً  قد جمع القرآن !)( تاريخ الطبري ج4 ص 176)
 في عهد معاوية صار زياد بن أبيه يحكم البصرة  ستة أشهر ثم يسافر الى الكوفة ليحكم ستة أشهر وهكذا ,وفي غيابه كان سمرة بن جندب يقوم بمهامه  ،وفي أنساب الأشراف للبلاذري: (وكان يقيم بالبصرة ستة أشهر وبالكوفة ستة أشهر ، وكان سمرة يحدث أحداثاً عظيمة من قتل الناس وظلمهم. كنت واقفاً على رأس سمرة بن جندب فقدم إليه بضعة عشر رجلاً ، فكان يسأل الرجل منهم ما دينك؟ فيقول الإسلام ديني ، ومحمد نبيي ! فيقول: قدماه فاضربا عنقه ، فإن يك صادقاً فهو خير له.!)
هذا اسلوب معاوية في الحكم , ومن المعلوم أن  الاحداث التي مر ذكرها حدثت والامام علي بن أبي طالب خليفة على المسلمين ماعدا الرواية الاخيرة فهي كانت في عهد معاوية  ,ويعني هذا أن معاوية كان متمرداً على الدولة يسلب وينهب ويرعب الرعايا والناس,  فماذا يقول أنصار معاوية في افعاله ؟
أوصى الامام علي بن أبي طالب لقائد جيشه الذي أرسله لحرب التمرد الأموي وللقضاء على المجرم  بسر بن ارطأة :
( لاتقاتل إلا من قاتلك ، ولا تجهز على جريح ، ولا تسخرن دابة ، وإن مشيت ومشى أصحابك ، ولا تستأثر على أهل المياه بمياههم ، ولا تشربن إلا فضلهم عن طيب نفوسهم ، ولا تشتمن مسلما ، ولا مسلمة ، فتوجب على نفسك ما لعلك تؤدب غيرك عليه ، ولا تظلمن معاهدا ولا معاهدة ,واسفك الدم في الحق وأحقنه في الحق, ومن تاب فاقبل توبته )( احاديث عائشة للعلامة العسكري , تاريخ اليعقوبي ج2ص 143.وعن تاريخ الطبري ج4 ).
ان قول الامام يبدو غريباً في ذلك العالم الدموي المشحون بالاغتيالات والدماء ,لكن الامام صاحب رسالة الحق لايظلم ولايغدر وهو عمل غريب على معاوية وامثاله ومؤيديه في عصره آنذاك والمؤيدين له في عصرنا هذا.
ان جرائم معاوية في الناس لتثبيت حكمه لاتختلف من بعيد أو قريب عما فعله ويفعله حكام العرب في عهدنا الحالي ولاتختلف كذلك عن أصحاب التطرف الديني في دعواهم للأسلام , فالفرق الوحيد بين الطرفين هو أن معاوية وأنصاره كانوا يستخدمون السيوف والنار وقطع الرقاب , أما الذين على خطاهم في عصرنا فهم كذلك ولكنهم أضافوا قوة النار والبارود والمتفجرات والمفخخات لقتل أكبر عدد من الناس العزل! ونقول للثائرين على حكامهم في عهدنا الحالي متى تثورون على تاريخكم وتعرفون أن خلفاء وسلاطين الزمن الغابر الذين ترفعونهم الى مقام التقديس هم تماما كحكامكم الحاليين, فمتى تسقطون أولئك القتلة من الخلفاء والسلاطين من على بروجهم المزيفة؟
لم يكن مافعله معاوية في عهد الامام علي ثم في عهد حكمه الا شيئا هينا مقارنة بما فعله خليفته يزيد بن ميسون وهو ابنه كما يدعي, وسيأتي ذكر ارهاب يزيد فيما بعد. 


جرائم معاوية في اغتيالات الصحابة وقتلهم
تخلص معاوية من أعداءه بطريقة خبيثة وهي دس السم , وكان يقول قولته المشهورة عند موت خصومه : (إن لله جنوداً من عسل.) وصار خصمه اللدود بعد استشهاد علي بن أبي طالب ,هو ابن علي وهو الامام الحسن بن علي, فتخلص منه بطريقة السم حيث  وعد زوجة الحسن بألاف الدنانير إن هي تخلصت من الحسن بالسم! فدست جعدة بنت الاشعث بن قيس السم لزوجها الحسن فأغدق عليها معاوية مائة ألف دينار هدية على عملها, وكذلك تخلص معاوية من سعد بن أبي وقاص بالسم ,  وتخلص من خصم اخر له وهو عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بطريقة السم حيث سمه طبيب معاوية النصراني أبن أثال. لقد تخلص معاوية من الثلاثة الذين ذكرنا وذلك من أجل أن يهئ ابنه يزيد لسلطة الملك من بعده.
اغتيال الحسن بن علي بن أبي طالب بالسم!
حاول معاوية أغتيال الامام  الحسن أكثر من مرة بالسم وقد عد بعض المؤرخين أن الحسن بن علي نجا من محاولة اغتياله بالسم ثلاث مرات ومات في الرابعة! روى بن عبد البر: (عن قتادة قال دخل الحسين على الحسن فقال يا أخي إني سقيت السم ثلاث مرار لم أسق مثل هذه المرة إنى لأضع كبدي, فقال الحسين من سقاك يا أخي ؟ قال ما سؤالك عن هذا أتريد أن تقاتلهم, أكلهم إلى الله. فلما مات ورد البريد بموته على معاوية فقال: يا عجبا من الحسن شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه)( الاستيعاب, ج1 ترجمة الحسن بن علي) .
وروى ابن الاثير في الاشعث بن قيس :
(وكان الحسن بن علي تزوج ابنته ( يعني بها أبنة الاشعث بن قيس) فقيل هي التي سقت الحسن السم فمات منه)( اسد الغابة لابن الاثير ج1, ترجمة الاشعث) , ويقول كذلك:
(وكان سبب موته أن زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس سقته السم فكان توضع تحت طست وترفع أخرى نحو أربعين يوما فمات منه ولما اشتد مرضه قال لأخيه الحسين رضي الله عنهما يا أخي سقيت السم ثلاث مرات لم أسق مثل هذه إني لأضع كبدي قال الحسين من سقاك يا أخي قال ما سؤالك عن هذا أتريد أن تقاتلهم أكلهم إلى الله عز وجل)( أسد الغابة لابن الاثير ج2 ترجمة الحسن بن علي). إن رواية  ابن الاثير الاخيرة ورواية ابن عبد البر التي قبلها  فيهما ما يستحق التأمل , فهل من المعقول أن الأمام الحسين لايعرف من الذي دس السم لأخيه الحسن فيسأله ملحا بقوله : ( من سقاك يا أخي؟), ثم أن جواب الامام الحسن يدل على معرفته بمن خطط في دس السم له فكيف لايخبر أقرب الناس إليه وهو  الحسين؟ إن المؤرخين يحاولون التستر على القاتل فاصطنعوا هذا الحوار بين الحسن وأخيه الحسين لكنهم لايلبثوا أن يفضحوا مايحاولون أخفاءه في سطور أخرى من كتاباتهم وكما يلي:
 كتب ابن عبد البر ( وقال قتادة وأبو بكر بن حفص سم الحسن بن علي  سمته امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي ، وقالت طائفة :كان ذلك بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك ، والله أعلم.) ( الاستيعاب لابن عبد البر ج1 ص115). تأمل أن المعروف أن معاوية هو المخطط لذلك فيذكر عبد البر ذلك ثم يلحق ما يكتب بعبارة ( والله أعلم) لتشويش الحقائق على القارئ. إن كل جريمة قتل وراءها مصلحة أو فائدة يجنيها القاتل , فما هي فائدة قتل الامام الحسن؟ إن العدو الأول للحسن كان معاوية بن أبي سفيان , وكان معاوية لايرغب ببقاء الحسن على قيد الحياة, فبعد أغتيال الامام علي أيام موقعة صفين لم يجد الحسن بن علي سوى عقد صلح مع معاوية, وكان من بنود ذلك الصلح ايقاف القتال في معركة صفين وأن يكون معاوية هو الخليفة بشرط أن تعود الخلافة للحسن بن علي بعد وفاته.  فهل كان معاوية المتقدم في السن ينتظر موتته لتصبح الخلافة للحسن من بعده ؟ وكيف يرضى معاوية بذلك وهو يخطط لخلافة ابنه يزيد من بعده. لم يكن أمام معاوية سوى قتل الامام الحسن ,ومعاوية مشهور بقتل أعداءه بالسم ,فكان موت الحسن بالسم صنيعة من صنائع معاوية.
روى الدينوري : ( فلما كانت سنة إحدى وخمسين ، مرض الحسن بن علي مرضه الذي مات فيه ، فكتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن ، فكتب إليه معاوية : إن إستطعت إلاّ يمضي يوم يمر بي إلاّ يأتيني فيه خبره فإفعل ، فلم يزل يكتب إليه بحاله حتى توفي ، فكتب إليه بذلك ، فلما أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً ، حتى سجد وسجد من كان معه) ( الامامة والسياسة  ج1 ص 195). مر بنا كيف سجدت عائشة ابنة أبي بكر عندما جاءها خبر مقتل الامام علي بن أبي طالب , فيالتعسه من سجود وكيف يعين الله من يخالفه ويرتكب القتل ويتشفى بموت الناس؟ ولكن من أتخذ آلهه هواه يجعل ربه كيفما  يريد ,فيشكر ربه عندما يرتكب الجرائم متصوراً أن ربه معينه على جرائمه وهي حال الطغاة والمجرمين في كل العصور وبها برروا جرائمهم وشرورهم.  
روى شارح نهج البلاغة  في موت الحسن بن علي   
(قال أبو الفرج : ومات شهيداً مسموماً ، دس معاوية إليه وإلى سعد بن أبى وقاص حين أراد أن يعهد إلى يزيد إبنه بالأمر بعده سماً ، فماتا منه في أيام متقاربة ، وكان الذى تولى ذلك من الحسن  زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس بمال بذله لها معاوية) ( شرح ابن أبي الحديد ج16 ص 29) , تأمل أن النص يذكر أن لمعاوية يد في دس المسم لسعد بن أبي وقاص كذلك.
في محاولة يائسة دفاعاً عن معاوية يتفنن أهل الجمهور في نكران جريمة أغتيال الحسن بالسم على يد معاوية, وعلى الرغم من مصادر التاريخ التي أزدحمت بذكر صحة الحادثة فأنهم يصرون بسفطسة مضحكة على براءة معاوية من تلك الجريمة , لكن شيخ  شيوخهم وهو ابن تيمية يعترف بغباء بجريمة معاوية في كتابه منهاج السنة فيقول :
( فمعاوية حين أمر بسم الحسن فهو من باب قتال بعضهم بعضاً) .(منهاج السنة ج 2 ص 225 لابن تيمية الحراني) , وهذه شهادة من شيخ الجمهور بضلوع معاوية في الجريمة , فتأمل وزد عجباً.
 
إغتيال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد
بعد مقتل الحسن كان الناس لايزالون يرون أن الخلافة والامارة لاتصح بالتوريث , ولما أراد معاوية توريث ابنه يزيدا فأنه تخلص من الحسن بن علي بالسم وكذلك سعد بن أبي وقاص ثم جاء الدور بعد ذلك على عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. روى البغدادي :
(ذكر ابن الكلبي عن خالد بن سعيد عن أبيه أن معاوية لما أراد أن يبايع ليزيد قال لأهل الشام‏:‏ إن أمير المؤمنين قد كبرت سنه ودنا من أجله وقد أردت أن أولي الأمر رجلاً بعدي فما ترون فقالوا‏:‏ عليك بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة وكان فاضلاً فسكت معاوية وأضمرها في نفسه ثم إن عبد الرحمن اشتكى فدعا معاوية ابن أثال وكان من عظماء الروم وكان متطبباً يختلف إلى معاوية فقال‏:‏ ائت عبد الرحمن فاحتل له فأتى عبد الرحمن فسقاه شربة فانخرق عبد الرحمن ومات فقال حين بلغه موته‏:‏ لا جد إلا من أقعص عنك من تكره فبلغ ابن أخيه خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد الخبر فقال لمولى له يقال له نافع وكان روميا وكان من أشد الناس قلباً وخالد بن المهاجر يومئذ بمكة وكان سيء الرأي في عمه عبد الرحمن, وذلك أن المهاجر كان مع علي كرم الله وجهه فقتل يوم صفين وكان خالد بن المهاجر مع بني هاشم في الشعب زمن ابن الزبير فقال لمولاه نافع‏:‏ انطلق معي فخرجا حتى أتيا دمشق ليلا وسألا عن أبي أثال فقيل هو عند معاوية وإنما يخرج في جوف الليل فجلسا له حتى خرج في جماعة فشد خالد فانفرجو فضربه بالسيف فقتله وانصرفا فاستخفيا فلما أصبح معاوية قصوا عليه القصة فقال‏:‏ هذا والله خالد بن المهاجر‏!‏ وأمر بطلبه فطلبوه حتى وجدوه هو ونافع فلما أدخل على معاوية قال‏:‏ اقتلته لا جزاك الله من زائر خيرا‏!‏ فقال خالد‏:‏ قتل المأمور وبقي الآمر فقال معاوية‏:‏ والله لو كان تشهد مرة واحدة لقتلتك فقال خالد‏:‏ أما والله‏!‏ لو كنا على السواء فقال معاوية‏:‏ أما والله‏!‏ لو كنا على السواء كنت معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية وكنت خالد بن المهاجرين بن خالد بن الوليد بن المغيرة وكانت داري بين المأزمين ينشق عنها الوادي وكانت دارك بأجياد أسفلها حجر وأعلاها مدر وأمر بنافع فضرب مائة سوط ولم يضرب خالداً ثم أمر بهما فأخرجا من دمشق وقضى في ابن أثال باثني عشر ألفاً فودتها بنو مخزوم فأخذ معاوية منها ستة آلاف فأدخلها بيت المال) ( المنمق في اخبار قريش, باب المهاجر بن خالد للبغدادي المتوفى 245 هجرية)
أكدَّ الرواية ابن عبد البر: ( لما أراد معاوية البيعة ليزيد ابنه ، خطب أهل الشام وقال لهم : يا أهل الشام ، إنه قد كبرت سني وقرب أجلي ، وقد أردت أن اعقد لرجل يكون نظاما لكم ، وإنما أنا رجل منكم فأروا رأيكم ، فأصفقوا واجتمعوا ، وقالوا : رضينا بعبد الرحمن بن خالد ، فشق ذلك على معاوية ، وأسرها في نفسه ، ثم أن عبد الرحمن مرض ، فأمر معاوية طبيبا عنده يهوديا وكان عنده مكينا أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها فأتاه فسقاه فانحرق بطنه فمات , ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفيا هو وغلام له فرصدا ذلك اليهودي فخرج ليلا من عند معاوية فهجم عليه ومعه قوم هربوا عنه فقتله المهاجر, وقصته هذه مشهورة عند أهل السير والعلم بالآثار والأخبار اختصرناها ,ذكرها عمر بن شبة في أخبار المدينة وذكرها غيره‏.)( الاستيعاب لابن عبد البر, باب عبد الرحمن)‏.

اغتيال مالك ألاشتر وقتل عمار بن ياسر
ولى علي بن ابي طالب الصحابي مالك الأشتر على مصر ,وأنفذه إليها في جيش فلما بلغ ذلك معاوية دس إلى دهقان وكان بالعريش فأرغبه وقال: أترك خراجك عشرين سنة فاحتل للأشتر بالسم في طعامه. ( أترك خراجك عشرين سنة, يعني بها أنه عفاه من ضرائب الدولة لمدة عشرين سنة). فلما نزل الأشتر العريش سأله الدهقان أي الطعام والشراب أحب إليه؟ قيل: العسل. فأهدى له عسلا وقال: إن من أمره وشأنه كذا وكذا، ووصفه للأشتر وكان الأشتر صائما فتناول منه شربة فما استقرت في جوفه حتى تلف.  وبلغ ذلك معاوية فقال: إن لله جندا من العسل(  مروج الذهب للمسعودي ج2 ص 339), وفي رواية أخرى يرويها ابن قتيبة في كتابه عيون الاخبار يقول معاوية عند سماعه موت الاشتر: يابردها على الكبد , ان لله جنودا من عسل!
وروى البخاري:(عن الزهري قال : بعثَ عليُ الأشتر أميراً على مصر حتى بلغ قلزم فشرب شربة من عسل فكان فيها حتفه ، فقال عمرو بن العاص : أن لله جنوداً من عسل ، وبعث علي محمد بن أبي بكر أميراً على مصر.) ( التاريخ الكبير للبخاري ج 7 ص 311). لنتذكر أن عمرو بن العاص كان الساعد الأيمن لمعاوية فمقولته هذه تعزز ماذكره المسعودي وابن قتيبة في أن المخطط لقتل مالك الاشتر كان معاوية نفسه.
 قال معاوية , إن لعلي بن أبي طالب ذراعان, اليمنى هي عمار بن ياسر وقد مات في حرب صفين, ويده الشمال كانت الاشتر ,وبموتهما تم قطع يدي علي الاثنتين !( كانت لعلي يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر، وقطعت الأخرى اليوم ). ويعني بالاخرى الاشتر( تاريخ الطبري ج6 ص 56 ). استشهد عمار بن ياسر في معركة صفين وقتله جنود معاوية كما مر بنا في معركة صفين, وكان معاوية قبل ذلك يأمل في قتل عمار بن ياسر وهاك هذه الرواية التي تبين نوايا معاوية في أغتيال عمار بن ياسر. سأل رجلا يقال له شبث بن ربعي معاوية فقال: (أيسرك يا معاوية! إنك أمكنت من عمار تقتله؟ وفي لفظ ابن كثير: لو تمكنت من عمار أكنت قاتله بعثمان؟ فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك؟ والله لو أمكنت  من ابن سمية ما قتلته بعثمان رضي الله عنه، ولكن, كنت قاتله بناتل مولى عثمان) (  الغدير للعلامة الاميني  من كتاب عثمان ج2 ,  وعن صفين لابن مزاحم المنقري ص 223, تاريخ الطبري ج6 ذكر صفين, الكامل لابن الاثير ج3 ص 124, شرح ابن أبي الحديد ج1 ص 344, البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص 257).

اغتيال عبد الرحمن بن الخليفة الاول أبو بكر
عبد الرحمن بن أبي بكر بن الخليفة الاول كان من المعارضين لبيعة يزيد بن معاوية  ولم تجدي حيل معاوية في ترضيته للقبول بيزيد خليفة بعد معاوية , فقام معاوية بتصفيته والتخلص منه , روى ابن حجر:
   (خطب معاوية فدعا الناس إلى بيعة يزيد فكلمه الحسين بن علي وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر فقال له عبد الرحمن: أهرقلية ؟ كلما مات قيصر كان قيصر مكانه ! لا نفعل والله أبداً ! وبسند له إلى عبد العزيز الزهري قال: بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بعد ذلك بمائة ألف فردها وقال: لا أبيع ديني بدنياي ! وخرج إلى مكة فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد ، وكان موته فجأة من نومه نامها بمكان على عشرة أميال من مكة ، فحمل إلى مكة ودفن بها ، ولما بلغ عائشة خبره خرجت حاجَّة (معتمرة) فوقفت على قبره فبكت وأنشدت أبيات متمم بن نويرة في أخيه مالك ، ثم قالت: لو حضرتك دفنتك حيث مت ولما بكيتك).(  جواهر التاريخ ج3 للعلامة الكوراني العاملي ونقله عن الاصابة لابن حجر ج4 ص 276) . تأمل كيف تقتص الاقدار من المتآمرين على الخلافة وتذيقهم مرارة ما ذاق المخلصون لآوامر النبي الكريم من حيف المتآمرين على الخلافة, فعائشة تنشد على قبر أخيها عبد الرحمن بن الخليفة الاول أبيات شعر متمم بن نويرة عندما رثا أخيه مالك بن نويرة, وقد تقدم بنا في فصل ( السقيفة وكيف تمت البيعة) مؤامرة قتل السيد مالك بن نويرة على يد خالد بن الوليد ,وكان مالك بن نويرة من المعارضين لخلافة الخليفة الاول أبوبكر فكان جزاءه الموت غدراً فمات مسلماً مظلوماً بسيف دولة الخليفة الاول ,وفي هذا الموقف جاءت تصفية ابن الخليفة الاول فأنطقت الاقدار لسان عائشة بنت أبي بكر الخليفة بأبيات شعر قالها متمم بن نويرة في أخيه مالك بن نويرة المقتول ظلما, فتأمل وزد عجباً.



اغتيال محمد بن الخليفة الاول أبوبكر
قُتل محمد بن أبي بكر بأمر من معاوية , وقاتله عمروبن العاص حاكم معاوية على مصر. وليس كذلك فقط بل مُثل به ووضع داخل جيفة حمار ثم أحرقوه حرقاً, وأبقوا على رأسه ثم أرسلوه لمعاوية الى بلاد الشام فسُر معاوية سروراً كبيراً بالتخلص من محمد بن أبي بكر . ويذكر المسعودي أنهم أحرقوه حرقاً وبه شئ من الحياة ! ( مروج الذهب  ج2 ص339). محمد بن أبي بكر بن الخليفة الاول تربى صغيرا في بيت الامام علي بن أبي طالب فكان من شيعته وأنصاره المخلصين ولهذا أغتاله معاوية الذي كان دأبه تصفية أنصار الامام علي.
محمد بن أبي بكر هو أخو عائشة ابنة الخليفة الاول, وعند قتله قامت أخت معاوية بأرسال لحم مشوي الى عائشة تشفياً بموت أخيها محمد بن أبي بكر فحزنت عائشة كثيراً وقالت  ( قاتل الله ابنة العاهرة ) (أحاديث أم المؤمنين للعلامة العسكري ج1 ص 350 ونقله عن : تذكرة خواص الامة لسبط ابن الجوزي الحنفي المتوفي سنة 654 هجرية, ص 107 حيث ذكر سبط ابن الجوزي مايلي: ( فقالت عائشة قاتل الله ابنة العاهرة والله لا أكلت شواء أبداً)
،ونقله كذلك عن التمهيد والبيان ص 209 للمالقي الاندلسي  حيث ذكر المالقي: (فلما بلغ ذلك عائشة  جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت في دبر الصلاة تدعوا على معاوية بن حديج وعمر بن العاص وأخذت عيال محمد اليها ولم تأكل شواء من ذلك الوقت حتى توفيت)( التمهيد والبيان ص 220 لأبي عبد الله المالقي الاندلسي المتوفى 704 هجرية).
 وعنت عائشة بالعاهرة هند بنت عتبة أم معاوية وهذه شهادة من عائشة في عهر هند بنت عتبة ,وستأتينا سيرة هند في فصل ( اعداء النبي).
  تشير بحوث تاريخية  أن لمعاوية دور كذلك في التخلص من عائشة أخت المغدور محمد بن أبي بكر وتصفيتها , فهي كانت عدوة عثمان بن عفان وهي التي أول من قالت في عثمان (أقتلوا نعثلا فقد كفر ) فكان أغتيالها في عهد معاوية أنتقاماً لمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان بن أبي العاص الاموي واسكاتا لمعارضتها ولاية يزيد ولأسباب عديدة لامحل لذكرها الان. وفي أحدى زيارات الملك معاوية للمدينة (يثرب) قالت له عائشة بعد مقتل أخيها محمد
(وبلغ ذلك عائشة فأقبلت حتى دخلت مغضبة عليه وقالت: يا معاوية ! ما كفاك أنك قتلت أخي محمد بن أبي بكر وأحرقته بالنار حتى قدمت المدينة وأخذت بالوقيعة في أبناء الصحابة وأنت من الطلقاء الذين لاتحل لهم الخلافة وكان أبوك من الأحزاب ! فخبرني ما كان يؤمنك مني إن أبعث إليك من يقتلك بأخي محمد وآخذ بثأري !) ( الفتوح لابن أعثم ج4 ص 336)
بعد فترة قصيرة من اغتيال  محمد بن أبي بكر هلكت عائشة وكان ذلك في عهد معاوية, ,فآلة أغتيالات معاوية كانت تقضي على كل من يتفوه بمعارضة تنصيب يزيد بن معاوية ملكا بعد أبيه.



قتل حجر بن عدي وأصحابه
بعد اغتيال الامام علي بن أبي طالب سن معاوية قانون سب الامام علي على منابر الجوامع كما مر بنا فعارض رجال من أنصار علي  ذلك ,  ومنهم الصحابي حجر بن عدي وأصحابه. كان والي معاوية على الكوفة هو زياد بن أبيه فكان يخطب ويسب الامام علي على المنبر, فأنبرى له الصحابي حجر بن عدي وأصحاب له ومنعوه من ذلك, فأشتكى زياد للملك معاوية من حجر وأصحابه, فكتب معاوية أن شدهم في الحديد وأحملهم ألي! فشدهم زياد بالحديد وبعثهم الى معاوية في الشام وهم:
(حجر بن عدي بن جبلة الكندي، والأرقم بن عبد الله الكندي من بني الأرقم، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، من بني عامر بن شهران ثم من قحافة، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمى البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العنزيان من بني هميم، ومحرز بن شهاب التميمي من بني منقر، وعبد الله بن حوية السعدي من بني تميم؛ فمضوا حتى نزلوا مرج عذراء، فحبسوا بها)( تاريخ الطبري , احداث سنة احدى وخمسين). ان جريمة هؤلاء الرجال هي فقط أمتناعهم عن سب علي بن أبي طالب, فتأمل !
 وعند وصولهم إلى الشام في مرج عذراء قرب دمشق جاءهم رسول معاوية وقال لهم: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي وعليكم لعنه، فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم. فقالوا: لسنا فاعلي ذلك، وقاموا فصلوا. وقال حجر: أما والله لئن قتلتموني بها إني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها  -حجر بن عدي هو الذي قام بفتح منطقة مرج عذراء أيام خلافة عمر وهو أول مسلم يدخل تلك المنطقة ولذلك قال قولته هذه -فقتلوه، وقتلوا ستة من أصحابه. وقال اثنان منهما: إبعثوا بنا إلى أمير المؤمنين ( يعنون معاوية)، فإنا نقول في علي مقالته، فأذن لهما معاوية بالقدوم. فأما الأول فقد تبرأ من علي فعفا معاوية عنه. ونفاه إلى الموصل، وأما الثاني وهو عبد الرحمن العنزي فقال لمعاوية:  أشهد أن علياً كان من الذاكرين لله تعالى كثيراً، ومن الآمرين بالحق، والقائمين بالقسط، والعافين عن الناس فرده معاوية إلى زياد  وكتب إليه: أما بعد، فإن هذا العنزي شر من بعثت، فعاقبه عقوبته التي هو أهلها، واقتله شر قتلة. فلما قدم به على زياد بعث به زياد إلى قس الناطف، فدفنه حياً !)( بتصرف عن تاريخ الطبري , أحداث سنة 51, وفيها مقتل حجر بن عدي وأصحابه). ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه  (حدثنا : أبو أسامة ، عن هشام ، عن إبن سيرين قال : كان إذا سئل عن غسل الشهيد حدث بحديث حجر بن عدي قال : قال : حجر بن عدي لمن حضره من أهل بيته ، لا تغسلوا عني دماً ولا تطلقوا عني حديداً وإدفنوني في ثيابي ، فإني التقي أنا ومعاوية على الجادة غداً.) ( مصنف أبي شيبة , ج3 ص 139, ج7 ص 606) . ماهي جناية  العبد الصالح حجر بن عدي وأصحابه حتى يُقتل تلك القتلة الغادرة؟ وما جناية المسلم عبد الرحمن العنزي لكي يُدفن حياً ؟  هذه الجريمة لوحدها كافية لكل صاحب عقل في ادانة معاوية وأدانة دولته والبراءة منه.  إن الذين يدافعون عن معاوية ويبررون أعماله هم اما حمقى أغبياء مغرربهم, أو خبثاء  تسعدهم تلك الاعمال الخبيثة والغادرة لأنها تتماشى من طبائع نفوسهم الوضيعة .



هلاك معاوية
من حكم الاقدار أنه عند هلاك معاوية كان خليفته المرتقب يزيد في رحلة صيد في ربوع سوريا , فلم يحضر جنازة أبيه, فتولى قائد الشرطة الضحاك بن قيس دفن معاوية 
(وكان الذي تولى غسله ودفنه الضحاك بن قيس، فخطب الناس، فقال: إن ابن هند قد توفي، وهذه أكفانه على المنبر، ونحن مدرجوه فيها، ومخلون بينه وبين ربه، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة. ولو كان يزيد حاضراً لم يكن للضحاك ولا غيره أن يفعل من هذا شيئاً.)( الاغاني لابي الفرج ج17 , خبر موت معاوية)
(مات معاوية ويزيد بحوارين، وكانوا كتبوا إليه حين مرض، فأقبل وقد دفن، فأتى قبره فصلى عليه، ودعا له، ثم أتى منزله.) ( تاريخ الطبري ج3 ص 222, تاريخ ابن عساكر ج59 ص231) . حوارين هي قرية أخوال يزيد وكان يزيد يقضي فيها جل وقته فحتى في مرض أبيه ووفاته كان يزيد في حوارين بعيدا عن دمشق وقصر الأمارة .
روى ابن الأثير قول  الحسن البصري في معاوية : (أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة ، إنتزاءه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورةٍ وفيهم بقايا الصحابة وذوي الفضيلة ، واستخلافه بعده ابنه يزيد سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعائه زياداً وقد قال رسول الله (ص) الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وأخيراً قتل حجر بن عدي وأصحاب حجر بن عدي فيا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر) ( الكامل في التاريخ لابن الأثير ج3 ص487 ).




خليفة المسلمين وملكهم الجديد يزيد ,ماجن وسكير!
 بعد هلاك معاوية ورث الخلافة يزيد بن معاوية  فصار ملك المسلمين الثاني بعد أبيه ومدعيه وكان ذلك في عام 60 هجرية.أتفق المؤرخون على مجون الخليفة يزيد وأفراطه في الخمر قال المسعودي : (وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب ، وجلس ذات يوم على شرابه وعن يمينه ابن زياد ، وذلك بعد قتل الحسين بن علي بن أبي طالب ، فأقبل على ساقيه وانشد
اسقني شربة تَروى مشاشـي ثم صل فاسق مثلها ابن زياد
صاحبَ السر والامانة عندي ولتسديد مغنمــي وسدادي
    ثم أمر المغنّين فغنّوا ، وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة ، واستعملت الملاهي ، وأظهر الناس شرب الشراب ، وكان له قرد يكنّى بابي قيس يحضر مجلس منادمته)( مروج الذهب ج2 ص 94).
وذكر السيوطي  قول الصحابي عبد الله بن حنظلة بن غسيل الملائكة  في يزيد : (والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا ان نُرمى بالحجارة من السماء ، أنه رجل ينكح امهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة .)( تاريخ الخلفاء ص82)
 وروى البلاذري :(وامتنع ابن الزبير من بيعة يزيد وكان يسميه السكِّير الخمِّير ، وأخرج عامله عن مكة ، وكتب إلى أهل المدينة ينتقصه ويذكر فسوقه ويدعوهم إلى معاضدته على حربه وإخراج عامله عنهم ). ( جواهر التاريخ للكوراني العاملي ج3 ونقله عن التنبيه والاشراف للبلاذري)
لقد كان أدمان يزيد على الخمرة فاحشاً , فقد وصل الأمر به أنه شربها وهو في موسم الحج !
دَوَنَّ ابن الاثير: (حج يزيد في حياة أبيه فلما بلغ المدينة جلس علي شراب له فاستأذن عليه ابن عباس والحسين فقيل له ان ابن عباس إن وجد ريح الشراب عرفه, فحجبه وأذن للحسين بن علي , فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب فقال لله در طيبك هذا ما أطيبه فما هذا ؟ قال هو طيب يصنع بالشام ثم دعا بقدح فشربه ثم دعا بآخر فقال أسق أبا عبد الله فقال له الحسين عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني فقال يزيد:
ألا ياصاح للعجب دعوتك ثم لم تجب
إلى القينات والشهوات والصهباء والطرب
وباطيــةٍ  ملكلة عليها سادة العرب
وفيهـنَّ التي تَبَـلَت فؤادك ثم لم تثُب
   فنهض الحسين وقال: بل فؤادك يا يزيد تَبَلَتْ )( الكامل لابن الاثير ج3 ص 465  )

نسب يزيد ونشأته ( سيأتينا تفصيل عن نسب يزيد في فصل اعداء النبي)
تقدم ذكر أن  الملك معاوية بن أبي سفيان تزوج من ميسون بنت بحدل وهي أرملة نصرانية  من بني كلب في سوريا, ولما حملت بيزيد  طلقها معاوية , فتركت قصر الخلافة وعادت الى  قومها وهي حبلى بيزيد ! روى البلاذري فقال (وقال المدائني: طلق معاوية ميسون وهي حامل، وكان زوجها الذي قُتل عنها زامل بن عبد الأعلى فرماه بعض الأعراب؛ ولم يقل شيئاً، والصحيح أن الذي قتله أخوه.) (أنساب الاشراف للبلاذري ج 2 ص 129 ,مكتبة الوراق على النت ) وقوله : (أن الذي قتله أخوه) يعني به أن قاتل زوج ميسون هوأخوه لأنه كان طامعاً بالزواج منها أيضا فلما تزوجها عبد الاعلى قتله  حسداً  , ثم تزوجها معاوية .
قال ابن كثير (  طلق معاوية ميسون الكلبية وهي حامل فولدت يزيداً وأبوها بحدل أو بجدل )( البداية والنهاية  ج8, ص 155  ). وقال كذلك : (وكان أبوه قد طلق أمه وهي حامل به , وكان يزيد في حداثته صاحب شراب...) ( البداية والنهاية  ج8 ص 248).

ولدت ميسون المطلقة أبنها يزيدا في قومها في قرية حوارين ,فنشأ يزيد عند بني كلب وهم أخواله النصارى في مناطق حوارين والماطرون وغيرها من قرى سوريا المسيحية , فكان لنشأة يزيد في تلك البيئة تأثيرا كبيرا على سلوكه ! ولايجرأ كتبة التاريخ عن نكران هذه الحقيقة, فالذي ينشأ في بيئة غير مسلمة  يكون انتماءه للاسلام ضعيفاً أو معدوماً . ان مانذكره ليس إنقاصا بالأديان  ,ولكن نذكره ليعرف القارئ أن خليفة دولة المسلمين التي دستورها الاسلام كما يدعي كتبة التاريخ,  لم ينشأ نشأة أسلامية. مر بنا في سيرة معاوية نتف تاريخية مختصرة بينت أن لأخوال يزيد النصارى كلمة ودور في عهد معاوية ,أضافة الى دور الوزير سرجون الرومي , و شاعر البلاط الاول الاخطل النصراني, وكذلك دور طبيب معاوية الخاص أبن أثال النصراني , فكيف سيكون الحال في عهد يزيد بن ميسون ؟ من المحتم أن البلاط الاموي في عهد يزيد كان يعج بأخوال يزيد النصارى من قبيلة كلب, وصار الوزير الرومي سرجون مستشار يزيد ونديمه في الشراب وصاحب أمره , روى ابن عبد ربه  ( كان كاتب يزيد وصاحب أمره سرجون بن منصور) ( العقد الفريد لابن عبد ربه). وكان ( حُميد بن حُريث بن بحدل على شرطة يزيد )( الانساب للبلاذري ج5 ص 305) (وقال المدائني: كان على شرط يزيد حميد بن حريث بن بحدل وصاحب أمره سرجون بن منصور، وقاضيه أبو إدريس الخولاني،)( انساب الاشراف للبلاذري ج2 ص 204, باب خبر يزيد). وحميد بن حريث بن بحدل من عشيرة  ميسون بنت بحدل أم يزيد, وهذا يدل على سيطرة أخواله النصارى على زمام الامور. وكان الرجل القوي الاخر في دولة يزيد هو حسان بن مالك بن بحدل وهو من عشيرة ميسون كذلك فهو كان الأمين على العرش عند يزيد وأمامه أخذ يزيد البيعة لابنه معاوية من بعده, وفي عهد معاوية الاب كان حسان بن مالك بن بحدل والي فلسطين ( الطبري, ابن الاثير وغيرهم).
(فلما احتضر قيل له: لو بايعت لأخيك خالد بن يزيد فإنه أخوك لأبيك وأمك، فقال: يا سبحان الله كفيتها حياتي وأتقلدها بعد موتي؟! يا حسان بن مالك اضبط ما قبلك وصل بالناس إلى أن يرضى المسملون بإمام يجتمعون عليه.) ( أنساب الاشراف للبلاذري ج2 ص 205, باب خبر يزيد طبعة النت)
(وكان حسان ابن مالك بن بحدل الكلبي بفلسطين عاملا لمعاوية بن أبي سفيان، ثم ليزيد ابن معاوية بعده، وكان يهوى هوى بني أمية،) ( تاريخ الطبري ج3 ص323). ولم  يقتصر يزيد على تقريبه لحسان بن مالك فقط بل شمل بذلك قبيلة كلب بن وبرة بشكل عام وبنو بحدل بشكل خاص فقد عينهم في وظائف مهمة في الدولة العربية الإسلامية فقد كان سعيد مولى كلب على حرس يزيد (تاريخ اليعقوبي ، ج2  ص301) ،  وعلى شرطه حميد بن حريث بن بحدل الكلبي– بن عم حسان –  (انساب الاشراف ج2 ص60 ) وعين سعيد بن مالك بن بحدل الكلبي – أخو حسان – على ولاية قنسرين (سير اعلام النبلاء ، ج3  ص16)


ذكر العلامة الكوراني ولع يزيد وعشقه لحوارين ,وفيما يلي اقتباس منه:  
( كان يزيد في حوارين عندما مات أبوه فجاء الى دمشق بعد أسبوعين من دفنه , ( راجع  تاريخ دمشق, تاريخ الطبري ج4 ص 242, سير أعلام النبلاء للذهبي ج3 ص 161) وسرعان ما عاد من دمشق الى حوارين فنقل العاصمة اليها عملياً وأوكل العاصمة الى الضحاك بن قيس يحكمها ويؤم فيها ، فكانت الوفود والقاصدون اليه يضطرون للذهاب الى حوارين ! وجاءه وفد المدينة الى حوارين وفيهم شخصيات الصحابة والتابعين: (فقدموا على يزيد وهو بحوارين فنزلوا على الوليد بن عتبة فأقاموا عشرة أيام لم يصلوا إلى يزيد ! وانتقل يزيد من حوارين منتزهاً وشخَصَ الوفد معه فأذن لهم يوم جمعة...واعتذر إليهم من تركه الإذن لهم عليهم وقال: لم أزل وجعاً من رجلي ، إن الذباب ليسقط عليها فيخيل إلي أن صخرة سقطت عليها... وأذن لهم في الإنصراف فرجعوا ذامين له مجمعين على خلعه). (تاريخ دمشق  ج26 ص 258)   ,  وجاءه وفد البصرة:(كنا مع المهلب حين وفَد إلى يزيد بن معاوية فقدمت عليه وهو بحوارين قد خرج متنزهاً والناس في الفساطيط فغدا الناس وغدونا فوقفنا ننتظر الإذن فأبطأ فقال من قال من الناس: هو الآن يشرب). (تاريخ دمشق ج61 ص 282)   
وجاءه وفد الوليد بن روح(في جمع كثير فنزلوا بحوارين).(تاريخ دمشق  ج57 ص 308)
(وفدت مع أبي إلى يزيد بن معاوية بحوارين).(تاريخ دمشق ج46 ص 313) ( انتهى الاقتباس من جواهر التاريخ ج3 للعلامة الكوراني).

من صفات المدمن على الخمرة  أن يكون غير مبال بما حوله ,فهمه الأول تعاطي الخمرة والانتشاء بتأثيرها, ويزيد مثل في ذلك, فقد سيطرت الخمرة عليه وافتقر بذلك الى رادع التقوى فعمل الموبقات وفعل مايحلو له بلا رقيب ولا آمر فهو خليفة المسلمين وملكهم ولايجسر الناس على نقد صاحب زمام الامور ,فجيش الدولة قد سُخرَ له وجهاز الأمن والشرطة يعمل رهن أشارته, فطغى في غيه فلاحرام يردعه ولاحلال يحثه , ومر قول المشهور للصحابي عبد الله بن حنظلة عندما قال في يزيد  (أنه رجل ينكح امهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة .)( تاريخ الخلفاء للسيوطي الصفحة82).
في ذكر أيام حكم معاوية دون اليعقوبي قول لعبد الله بن عمر في يزيد حيث قال فيه ( نبايع من يلعب بالقرود ويشرب الخمر ويظهر الفسوق ؟ ماحجتنا عند الله ) ( تاريخ اليعقوبي ج2 ص 228). ذلك البطر الذي عاشه يزيد أوصله الى رذائل الأمور كاللعب بالقرود والكلاب وضرب الطنابير وأظهار الفسوق وغيرها. كان يزيد يطوق كلابه بالذهب, فيروى أن  يزيد كان في رحلة صيد له ومعه كلابه فدخلت كلبة على راوي الرواية وهو مختبئ , وقد استقطعنا الرواية لطولها وذكرنا مايهمنا كما يلي :
(إذا كلبة من كلاب الصيد قد دخلت عليه وفي عنقها طوق من ذهب وهي تلهث, فأخذها وطلع يزيد على فرس له ) ( انساب الاشراف للبلاذري ج5 , باب أمر يزيد ص 310).
 وذكر الكوراني في جواهر التاريخ ج3 نقلاً عن  ابن الطقطقي في الآداب السلطانية ص 34 قول الاخير: (وكان يزيد بن معاوية أشد الناس كلفاً بالصيد لايزال لاهياً به ، وكان يُلبس كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه ، ويهب لكل كلب عبداً يخدمه).(انتهى)

 وروى البلاذري كذلك عن المدائني وغيره فقال
( كان ليزيد بْن مُعَاوِيَة قرد يجعله بين يديه ويكنيه أبا قيس ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصاب خطيئة فمسخ، وكان يسقيه النبيذ ويضحك مما يصنع، وكان يحمله على أتان وحشية ويرسلها مع الخيل فيسبقها، فحمله عليها يومًا وجعل يَقُول
تمسك أبا قيس بفضل عنانها ... فليس عليها إن هلكت ضمان
فقد سبقت خيل الجماعة كلها ... وخيل أمير المؤمنين أتان) ( أنساب الاشراف للبلاذري ج5 ص 299)
قالوا: (وكان يزيد هم بالحج ثم إتيان اليمن فقال رجل من تنوخ:
يزيد صديق القرد مل جوارنا ... فحن إلى أرض القرود يزيد
فتبًا لمن أمسى علينا خليفة ... صحابته الأدنون منه قرود) ( انساب الاشراف  ص 288) , والرواية الاخيرة توحي أن قائل البيت من نصارى قبيلة تنوخ وهي قبيلة عربية لم تكن مسلمة آنذاك, وتأمل قول الشاعر ( فحن إلى أرض القرود يزيد) فالشاعر يسمي مكة واليمن بأرض القرود!
 هناك روايات في يزيد ستأتي في فصل ( أعداء النبي) سيتبين منها أن يزيد كان مصاباً بالشذوذ أيضاً ,وستأتي الروايات التي تبين لواطه وسقوطه الاخلاقي بشهادة  الخلفاء من بعده, وليس هذا بالشئ الغريب لمن نشأ مدللا يفعل مايشاء بلا رادع يردعه حتى إذا شب كانت الخمرة مآله وعادته  ففضلها على كل شئ حوله , ولاتكاد تخلو قصائده التي تغنى بها من ذكر الخمرة وطغيانها على سلوكه .
قال الخليفة السكير يوماٌ:
معشر الندمان قوموا واسمعوا صوت الأغاني
واشربوا  كأس  مدام واتركوا ذكر المثاني
شغلتني نغمة  العيدان عن صوت الأذان
وتعوضت من الحور عجوزاً في الدنان
( جواهر التاريخ ج3 للعلامة الكوراني , عن كتاب الفتوح لابن أعثم ج4 ص 332)
وقال كذلك يصف كرمه في الخمر لندمانه وغلمانه:
وإن نديمي غير شك مكرم لدي وعندي من هواه الذي أرتضى
ولست له في فضلة الكأس قائلا لأصرعه سكرا تحس وقد أبى
ولكن أحييه وأكرم وجهه وأصرفها عنه وأسقيه ما اشتهى ( أنساب الاشراف, ذكر أمر يزيد ج5 ص 312)
وقال ساخرا بالدين متغنيا بمعشوقته الخمرة
فإن حـرمـت على ديـن أحمـد   فخذها على دين المسيح بن مريم
(  البيت الشعري الأخير منقول من كتاب سيرة الائمة ص 162 للعلامة جعفر السبحاني, ونقله عن كتاب تتمة المنتهى في وقائع أيّام الخلفاء ص 43, وقال سماحته معلقا : طبعاً انّ شرب الخمرة حرام في الدين المسيحي الحقيقي كما في الإسلام وميوله ـيزيدـ إلى المسيحية كانت في الواقع ميوله إلى الانحراف الذي دب في هذا الدين في وقت متأخّر.)( أنتهى)




وليزيد أشعار متهتكة فاحشة تنم عن سلوكه الشاذ ,فيروى أنه طلب زوجته أم خالد ليضاجعها فأبطأت عليه ,وعرضت له جارية سوداء من جواريه فوقع عليها , فلما جاءت أم خالد أنشأ يقول:
 سلمي أم خالد  رب ساعٍ لقاعد
إن تلك التي ترين سبتني بوارد
تدخل الأير كله  فِي حرٍ غير بارد ( أنساب الاشراف ج5  ص 300)
هذه نتف يسيرة من تاريخ , تبين مجون خليفة المسلمين  وتماديه في الباطل, فما هي نتائج ذلك التمادي ؟


كربلاء
 تقدم  في فصل السقيفة ومابعده كيف تعاون القوم على أبعاد الامام علي عن كرسي الخلافة , وابتدعوا تشريعات لم يأت بها النبي (ص). لقد أستطاع القوم تحريف مسار الرسالة السماوية تدريجياً, وسلكوا طريق الضلالة كما سلكته الاقوام التي سبقتهم من الأديان الاخرى, وتلك سنة بينها النبي في اكثر من موضع ومنها قوله (ص)  :( لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه فقلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال النبي : فمن ؟) ( اتفق البخاري ومسلم على صحة الحديث وروته كتب الحديث الاخرى), تأمل قوله (ص): (فمن ؟ ) ويعني فهل غير اليهود والنصارى عنيت بقولي! هذا الحديث من المعجزات التي تخبر عن غيب سيحصل , فكما حرف اليهود والنصارى أديانهم وخانوا أنبياءهم, فأن ذات الشئ فعله أغلب المسلمين من بعد رحيل النبي , فأستهلوا أول التحريف بنظام الحكم فأبعدوا الخليفة الشرعي علي عن الخلافة , فسقط المسلمون في الهرج وأختلطت الأمور عليهم , وقد وصف الامام علي ذلك بقوله ( فمني الناس بخبط وشماس وتلون واعتراض..) ( الخطبة الشقشقية وشرحها في نهج البلاغة)  .
إن رحيل النبي (ص) الى العالم الآخر لم يخل كذلك من شرور المؤامرة ( تفصيله في فصل رحيل النبي) . ثم تبع ذلك رحيل الزهراء فاطمة في ظروف حالكة, فتوفيت وهي في أوائل العشرينات من عمرها ولم يخل رحيلها من تساؤلات واتهامات عديدة ( راجع فصل السقيفة).
نجح طلقاء قريش في ركب موجة التحريف بعد رحيل النبي (ص) , فتسدوا مناصب مهمة في دولة الخلفاء الثلاثة الاوائل ( أبوبكر, عمر , وعثمان) , وتقدم كيف هيأ الخليفة الاول ابوبكر دولة الشام لبني أمية, فجعل عليها يزيد بن أبي سفيان (أخو معاوية) واليا , وبعد رحيل أو اغتيال والي الشام يزيد بن أبي سفيان (راجع فصل عمر ) ,عين  عمر حاكماً جديداً على الشام ,فكان معاوية بن أبي سفيان ( أخو يزيد), وعندما عارض بعض رجال الصحابة ذلك لصغر سن معاوية وكونه من الطلقاء الذين أسلموا بعد الفتح, لم يلتفت عمر لذلك بل بارك للوالي الجديد  منصبه وكان يطلق عليه كسرى العرب (تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما ، وعندكم معاوية!).(تاريخ الطبري ج2 ص 244) , إذن كان القوم في تخطيط بعيد أسسوا له منذ يوم السقيفة, وعندما أدلى عمر بالخلافة الى جماعة الشورى الشكلية كان في الحقيقة يسعى لنيل عثمان الأموي الخلافة كما تقدم ذكره في (فصل عمر), فكان صاحب الكلمة الاخيرة في الشورى عبد الرحمن بن عوف وهو صهر عثمان الأموي فأدلى بالخلافة إليه.
 لقد هدد الخليفة الثاني عمر جماعة الشورى بجيش معاوية في الشام  فقال: ( إن اختلفتم دخل عليكم معاوية بن أبي سفيان من الشام ، وبعده عبد الله بن أبي ربيعة من اليمن ، فلا يريان لكم فضلاً لسابقتكم).( جواهر التاريخ للكوراني  ج 3 ونقله عن تاريخ دمشق لابن عساكر ج 59 ص 124, الاصابة للعسقلاني ج4 ص 70 , التحفة اللطيفة للسخاوي ج2 ص 35) , تأمل ثقل معاوية عند الخليفة الثاني , ونذكر القارئ أن عبد الله بن أبي ربيعة الذي في اليمن كان ممن جهز معركة الجمل لعائشة وطلحة والزبير في حربهم لعلي وقد مر بنا ذكره مع يعلى بن منية في وقعة الجمل , فتأمل خطوط الدفاع التي نصبها الخلفاء للحفاظ على مؤامرة السقيفة! صار معاوية في عهد عمر وعثمان أشبه  بملك يحكم دولة مستقلة فلم يعنفه عمر في أي قرار كان يتخذه وكذلك فعل عثمان في عهده . بعد فوز عثمان الأموي بالخلافة في الشورى المزيفة , سلط الطلقاء من بني عشيرته على رقاب المسلمين لينتهي عهده بقتله, واطردت الأحداث بعد ذلك فأظهر المتآمرون وجوههم الحقيقية في معركة الجمل وفي صفين وفي النهروان عندما جهروا بالعداء للأمام علي وصي النبي وخليفته الشرعي,  فوصول الخلافة الى الامام علي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان كان أمراً شاذا عند المتآمرين على النبي (ص) ورسالته , فخلافة الامام علي بن أبي طالب جاءت غير متوقعة عند طلقاء قريش واليهود فكان, اغتياله بعد أربع سنين من خلافته أمراً واجباُ عند المتآمرين حتى تعود خطة السقيفة الى مسارها التي خطها المتآمرون . بعد رحيل الامام علي كانت العقبة الكبرى أمام معاوية وطلقاء مكه هي أولاد الامام وهم الحسن والحسين أحفاد الرسول محمد (ص). بعد معركة صفين ( راجع فصل الامام علي) وبعد استشهاد الامام علي أغتيالاً, عقد ابنه الامام الحسن صلحا مع معاوية لحقن الدماء وتوقيف الحرب, وكان من شروط الصلح ذاك أن يكون الحسن خليفة المسلمين بعد معاوية , ان معاوية المتقدم في عمره آنذاك لم يكن ليترك عرشه للشاب الحسن بن علي من بعده فكان أغتيال الامام الحسن بالسم أمرا لازماً عند معاوية, وبعد أغتيال الحسن أعلنها معاوية ملكية ليصبح ملك العرب رغما عن أنوف المسلمين, لتعود خطة السقيفة الى مسارها كما خُطط لها .
في عهد يزيد خليفة الملك معاوية وصلت الامور الى أوجها وصار التحريف في دين النبي محمد (ص) تحريفاً علنيا, فبعد الفوضى في الاحكام والفقه في عهد الخلفاء الثلاثة الاوائل ( ابوبكر,عمر, وعثمان) صار دين محمد (ص) في عهد معاوية وخليفته يزيد ديناً مزيفاً يُسيره كتبة البلاط ووعاظ القصر الملكي, وازدادت الامور سوءا عندما تسدى يزيد الماجن كرسي خلافة الدولة , وتقدم ذكر سيرته  , فهل يرضى المسلمون بهكذا حاكم أهوج لاصلة له بدين محمد (ص) !
 كان خروج الحسين بن علي بن أبي طالب على خلافة يزيد ودولته المزيفة  واجباً إصلاحياً ,حيث يقول الامام الحسين لأخيه محمد بن الحنفية قبيل خروجه من مكة الى العراق:
(إنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الاِصلاح في أُمّة جدي، وشيعة أبي علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحقّ فاللّه أولى بالحقّ، ومن ردّ على هذا أصبر حتى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين) ( النص عن موسوعة بحوث في الملل والنحل للسبحاني  ج 7 ، ص 281 ـ 284 ونقله عن بحار الانوار للمجلسي  ج44 ص 329.)

الامام الحسين بن علي بن أبي طالب
بعد اغتيال الامام الحسن بن علي بن أبي طالب بالسم في عهد معاوية  , نيطت الامامة الى أخيه  الحسين .الحسين بن علي أحد الخمسة في حديث الكساء الذي تقدم ذكره في فصل (الامام علي) , جده محمد (ص)خاتم الانبياء والرسل ,وجدته  خديجة أول المسلمات وسيدة النساء التي قال فيها النبي (فضّلت خديجة على نساء أمّتي كما فضّلت مريم على نساء العالمين ), وجدته لأبيه فاطمة بنت أسد التي كان يقول فيها النبي (ص) (رحمك الله ياأمي كُنتِ أمي بعد أمي )(مناقب آل بني طالب لابن شهرآشوب) , وجده لأبيه سيد البطحاء أبوطالب (راجع ملحق أبوطالب في فصل الامام علي ), وأبوه المرتضى علي أمير المؤمنين وأول المسلمين, وأمه فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين, وأخته زينب الصديقة, وعمه جعفر بن أبي طالب أمير المهاجرين وشهيد مؤتة الذي قُطعت ذراعاه فبشر الملاك جبريل النبي (ص) بأن لجعفر جناحان في الجنة فصار يُدعى بالطيار, فياله من بيت حيثما تأتيه يشرق في وجهك نور مجده وشرف علوه. نشأ الحسين في بيت النبوة ومهبط الوحي وأتفق المؤرخون وأصحاب الاحاديث من جميع الفرق على أن الحسين وأخيه الحسن هما سيدا شباب أهل الجنة بنص حديث النبي (ص) والاحاديث في ذلك أشهر من أن نأتي بها, وقول النبي (ص) فيه أنه سيد شباب أهل الجنة يعني أنه عن الشروروالآثام  قد عُصم وبالعلم والنور متوجٌ أبداً, , فمن يعادي هذا الذي جُمعت له الفضائل حتى عجز الناس عن عَدِّها؟ لم يكن لذلك سوى يزيد بن ميسون خليفة المسلمين السكير الماجن مجمع الشر والرذائل. ان الفساد في عهد يزيد وصل الى أبعد أفاقه, فدولة المسلمين في عهد يزيد لم يبقى فيها من دين محمد سوى الشعارات والأسماء.

الحسين يعلنها أنه لا يبايع للملك يزيد بن ميسون
لنقرأ نصوص التاريخ:
(لما مات معاوية كان يزيد غائباً فقدم فبويع له فكتب إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان واليه على المدينة : خذ حسيناً وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا) ( الرد لابن الجوزي ص47). أما عبد الله بن عمر فقال سأبايع عندما يبايع الناس فتركوه ,وهرب عبد الله بن الزبير الى مكة.
وعرض الوليد بن عتبة والي المدينة آنذاك أمر بيعة الخليفة الجديد يزيد على الحسين بن علي, فقال الحسين:
 (أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله وبنا ختم الله ، ويزيد رجلٌ فاسق شارب الخمر  قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ليس له هذه المنزلة، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة.) ( اللهوف على قتلى الطفوف ص98 لابن طاووس), وقال كذلك : (لولم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد)  ( مقتل الحسين للخوارزمي,الفتوح لابن أعثم ج5 ص 32))
وقال كذلك : (إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام، إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد، ولقد سمعت جدي رسول الله (ص) يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان) ( اللهوف على قتلى الطفوف ص100). 

خروج الحسين نحو العراق
أرسل الحسين رسائلا وكتبا إلى أهل الكوفة والبصرة يدعوهم لنصرته , فأجابوه بأنهم في انتظار قدومه وأرسلوا اليه كتباً يسألونه القدوم عليهم
(ووجّه أهل الكوفة إلى الحسين يسألونه القدوم عليهم ، وقالوا : نحن معك مائة ألف) ( الرد لابن الجوزي ص 47, البداية والنهاية لابن كثير  ج8 ص170)
وكان آخر كتاب ورد اليه منهم مايلي:
(إلى الحسين بن علي أمير المؤمنين عليهما السلام. من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين عليه السلام. أما بعد، فان الناس ينتظرونك، لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل يابن رسول الله، فقد أخضر الجناب ,وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فاقدم علينا إذا شئت، فإنما تقدم على جندٍ مجندة لك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى أبيك من قبلك.)
فقال الحسين عليه السلام لهاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي: خبراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي ورد علي معكما؟
فقالا: يابن رسول الله شبث بن ربعي ، وحجار بن أبجر , ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم ، وعروة بن قيس، وعمرو بن الحجاج ، ومحمد بن عمير بن عطارد .
قال: فعندها قام الحسين عليه السلام، فصلى ركعتين بين الركن والمقام، وسأل الله الخيرة في ذلك. ثم دعا بمسلم بن عقيل  وأطلعه على الحال، وكتب معه جواب كتبهم يعدهم بالوصول إليهم ويقول لهم ما معناه: (قد نفذت إليكم ابن عمي مسلم ابن عقيل ليعرفني ما أنتم عليه من الرأي) فسار مسلم بالكتاب حتى دخل إلى الكوفة، فلما وقفوا على كتابه كثر استبشارهم بإتيانه إليهم، ثم أنزلوه في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وصارت الشيعة تختلف إليه,
فلما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين وهم يبكون ، حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً .)( اللهوف على قتلى الطفوف ص 109 ومابعدها لابن طاووس)

يبدو إن بعث الحسين  لابن عمه مسلم بن عقيل الى الكوفة كان للتأكد من حال المؤيدين له , لكنه لم ينتظرما سيؤول اليه الحال ولم ينتظر رسائل ابن عمه مسلم بن عقيل ليتحقق من نصرة أهل العراق له , بل خرج فوراً وكأنه على موعد مرسوم , فهو يقول بعد أن وصلته كتب أهل العراق  تحثه على القدوم : (هذه كتب أهل العراق ولا أراهم إلا قاتلي) ( ترجمة الامام الحسين لابن عساكر)!  تأمل تلك المعرفة العميقة بالنفوس وبالوضع الاجتماعي والسياسي المحيط به , فعلى الرغم  من الكتب التي أتته من أهل العراق توعده بالنصرة فأنه يقول أنه سيلاقي القتل ! ياللعجب, كيف يوعد أهل العراق الحسين بالنصرة بينما هو يقول أنه سيلاقي القتل؟ وقد يقول قائل : لماذا خرج الامام الحسين من المدينة المنورة (يثرب) قاصداً العراق وهو يعلم أنه مقتول وأن أنصاره سيتخلون عنه , أليس الاولى به  أن يتريث أو يؤجل خروجه؟
 للحسين معرفة عميقة بما سيحدث وأثبتت الأيام صدق توقعاته . فقد تحقق ذلك باستشهاده,  لتصبح ثورته خالدة حية مستمرة الى يومنا هذا تلهم الثائرين وتلقن الطغاة دروساً في المقاومة والبطولة .ان معادلات النصر والهزيمة التقليدية لاقيمة لها عند الحسين , فهدفه أسمى من أن يُحسب بالحسابات التقليدية في الربح والخسارة ,وغايته لاتُقيَم بالمقاييس المادية الدنيوية وبعدد الانصاروالرجال.  لقد غسلت ثورة الحسين التحريفات التي شوهت دين جده النبي (ص) لتعيد الدين خالصاً نقيا من أباطيل المدلسين والمحرفين, فكان خط الحسين و خط النبي محمد (ص) خطاً واحدا لم يفترق ولن يفترق, وصار خط أعداءه وخط المذبذبين والحائرين والمعتزلين خطاً آخراً. ولايزال هاذين الخطين باقيان إلى يومنا هذا ولاثالث لهما. إن الحسين لم يبال بنصائح الناصحين الذي طلبوا منه التريث في الخروج , وعلم أنه مقتول وعلم أن أهل الكوفة والعراق سيتخلون عنه رغماً عن وعودهم له بالنصرة , لكنه رغماً عن كل ذلك خرج ليصدح بالحق في وجه الطاغية !
قال الحسين  في رده على ابن عباس الذي نصحه بعدم الخروج الى العراق ( والله يابن عم ، لئن أُقتل بالعراق أحبّ إليّ من أن أُقتل بمكّة ، وما قضى الله فهو كائن ) ( مقتل الحسين للخوارمي الحنفي).



وكتب الحسين الى ابن عمه عبد الله بن جعفر الطيار وكان قد نصحه بعدم الخروج أيضاً:
 (أمّا بعد ; فإنّ كتابك ورد عليّ ، فقرأته وفهمت ما فيه ، اعلم أنّي قد رأيت جدّي رسول الله (ص) في منامي فأخبرني بأمر أنا ماض له ، كان لي الأمر أو عليّ ، فوالله يابن عم ، لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني حتّى يقتلوني ، ووالله ليعتدن عليّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت ، والسلام .) (مقتل الحسين للخوارزمي, باب خروج الحسين)  
تأمل من كلامه أنه على يقين من مقتله ويقول في خطبة له  ينعي نفسه للناس:
(الحمد لله ما شاء الله ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله وسلم، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى اشتياق أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها ذئاب الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفا وأجربةً سغبا، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحمته، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس، تقر بهم عينه وينجز بهم وعده، من كان باذلاً فينا مهجته وموطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله) ( اللهوف لابن طاووس ص 126 , مقتل الحسين للخوارزمي ,ترجمة الحسين لابن عساكر  )
تأمل أنه يبلغ الناس بمكان مقتله , وتلك من معجزات النبوة, فمذبحة كربلاء أخبر عنها النبي الكريم (ص) قبل وقوعها بعشرات السنين وسيأتينا ذكر ذلك . ثم أنه كان على يقين من مقتله على الرغم من رسائل أهل العراق اليه وهم يوعودنه بنصرته ,فهو يعلم علم اليقين أنه مقتول لامحالة , وهذا دليل دامغ على أنه عليه السلام لم يبتغ منصباً كما يرجح أصحاب العقول السفيهة, فالذي يخرج متيقنا بمقتله , لايمكن أن يكون ساعياً نحو منصب أو رئاسة.
ان عدم مبالاة الحسين بنصائح الناصحين له بعدم الخروج يبين أن هناك هدف أسمى وأنفس من الحياة وزخرفها  ,فغايته هي إحياء دين جده  محمد (ص) وتخليصه من خبث المحرفين ,ولايستقيم الامر الا بأعلان البراءة من  نظام حكم يزيد الجائر.  فعل الحسين ما لم يفعله أحد من قبله ولم يحصل من بعده, إنه أخذ معه أولاده  ونساءه  واخوته وأخواته وهو متيقن بقتلهم وسبيهم. فيا له من قربان في سبيل الحرية والعدالة يخجل منه كل ثوار التاريخ واصحاب كل قضية. لقد أراد الحسين أن يقدم للناس مثلاً على صفاء مطاليبه وسموها فبذل لذلك حياته وحياة آل بيت النبي , مذكرا الانسانية جمعاء أن أساس البلاء في كل مجتمع هو فساد الحكم, فلاتهاون في ذلك ,ولو تقصينا تاريخ الانسانية منذ البداية وحتى يومنا هذا لرأينا أن رأس البلاء في الأمم هو تسلط الطغاة على الشعوب وإذلالها . لقد كانت خطبة الحسين التي تقدم ذكرها تبين أن ماينتظره في العراق هو الموت وهو مالم يكن ليوقفه عن عزمه في الخروج على طغيان يزيد بن ميسون ودولته , فالموت خير من العيش في الذل , فمن شاء أن يدفع حياته في سبيل المجد المخلد فليخرج على بركة الله لتُدون ملحمة الملاحم في التاريخ.
ورب سائل يسأل فيقول: لماذا لم يبقى الحسين في مكة أو المدينة ليعلن ثورته من هناك؟ ولماذا اختار العراق وكربلاء بالذات ؟ هناك أسباب عديدة لذلك منها أن أهل الكوفة كانوا شيعة لأبيه الامام علي بن أبي طالب, والكوفة كذلك قريبة لدمشق عاصمة يزيد, وأسباب أخرى منها ما نستشفه من الحوار الآتي الذي نقله لنا حفيد الحسين وهو الامام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين المكنى بأبي عبدالله كذلك حيث قال :
( جاء محمد بن الحنفية ( أخو الحسين)  إلى الحسين  في الليلة التي أراد الحسين الخروج في صبيحتها عن مكة.
فقال له: يا أخي، إن أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنك أعز من بالحرم وأمنعه.( يعني بالحرم مكة المكرمة)
فقال: يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت.
فقال له ابن الحنفية: فان خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البر، فإنك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد.
فقال: أنظر فيما قلت.
فلما كان السحر ارتحل الحسين عليه السلام، فبلغ ذلك ابن الحنفية، فأتاه، فأخذ زمام ناقته وقد ركبها فقال: ياأخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟
فقال: بلى.
قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟
فقال: أتاني رسول الله (ص) بعدما فارقتك، فقال: يا حسين، أخرج، فإن الله قد شاء أن يراك قتيلاً.
فقال محمد بن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال؟
قال: فقال له: قد قال لي: إن الله قد شاء أن يراهن سبايا، وسلم عليه ومضى)  ( اللهوف على قتلى الطفوف ص127 لابن طاووس).
الحسين لم يُرد أن تُستباح مكة بسببه , فتقديساً لها فضل الخروج منها الى مكان آخر حتى وصل  منطقة يقال لها كربلاء في العراق ,فكان مقتله فيها ومقتل عائلته وأنصاره , فصارت كربلاء فيما بعد مقصداً يقصده المسلمون ويحج اليها كل عام ملايين المسلمين متذكريين ثورة الحسين العظيمة فيرتعد الطغاة وفراعنة الحكام من هول تلك الجموع الزائرة ,
 ولو كانت ثورة الحسين في المدينة أو مكة لمنع نظام حكم آل سعود الحالي قدوم الناس لزيارة الحسين في مكة والمدينة ولسعوا في هدم مرقده عليه السلام ليجعلوا الناس ينسون هذه الثورة التاريخية الخالدة , وهذا سبب عرفاني لم يكن ليدركه الناس آنذاك , لكن الحسين علم ما ستأتي به الأيام فكان أختياره لكربلاء سر من أسرار كثيرة تتكشف لمن يسعى اليها. إن ضريح الامام الحسين في كربلاء لم يسلم من التخريب حتى وان كان خارج حدود مملكة آل سعود الباغضة للحسين وشيعته, فبعد مئات السنين من استشهاده هاجمت قوات همجية من جزيرة العرب مرقد الامام الحسين في كربلاء وخربوه وأعتدوا على الناس العزل وقتلوا الكثير ,وكانت أحدى تلك الهجمات في عيد الغدير وأغلب الناس قد ذهبوا إلى الكوفة حيث مرقد الامام علي  محتفلين ومتذكرين يوم تنصيبه خليفة المسلمين في يوم الغدير, انتهز أتباع المذهب الوهابي الذي هو مذهب مملكة آل سعود انشغال الناس بعيد الغدير فهجموا على كربلاء , يروي جلوب باشا  في كتابه :
(في صباح أحد أيام نيسان 1801 ميلادية ظهرت قوة وهابية تقدر بحوالي عشرة آلاف رجل ،على ظهور ستة آلاف جمل في بساتين النخيل التي تحيط بمدينة كربلاء المقدسة ، واقتحمت بهجوم كاسح بوابة المدينة وفر الأهالي الذين لا يعلمون شيئا هنا وهناك في ذعر تام ، بينما قبض الوهابيون وذبحوا كل من يلقاهم ، ثم اقتحموا الجامع الكبير الذي يضم ضريح الشهيد الحسين حفيد النبي ، حيث يشاع أن هناك ثروة كبيرة مكدسة من عطايا المؤمنين من عدة قرون ، وعمل البدو المعارضين للممارسات الدينية التقليدية كل ما في استطاعتهم لتخريب البناء الفخم والآجر الملون المتلألئ والقبة الذهبية، وقد استغرقت مأساة نهب كربلاء برمتها ثمان ساعات  فقط ! وفي مساء اليوم نفسه انسحب الغزاة وتلاشوا مرة أخرى في عمق الصحراء يسوقون أمامهم مائتي جمل محمل بالكنوز، ويذكر أن خمسة آلاف شخص قد تم ذبحهم بوحشية) (  حرب في الصحراء ص41 لجلوب باشا البريطاني  الملقب بأبي حنيك , ترجمة  صادق عبد الركابي). إن هجوم هذه القوات الهمجية لم يكن دافعه الأولي نهب الثروة المكدسة من عطايا المؤمنين كما يبدو , بل دافعه الاولي هو تخريب الضريح الذي يُذكر الناس بثورة الحسين الخالدة وهو أمر لايطيقه الطغاة وأتباعهم من الهمج الرعاع, وقد فعل أتباع هؤلاء الهمج ذات الشئ في مرقد حفيد الحسين في مدينة سامراء في عهدنا المعاصر , ففي عام 2007 ميلادية تم تفجير مرقد الامام الحسن العسكري في سامراء في العراق لذات السبب, ولم يكن هناك نهب لما فيه من عطايا المؤمنين وهذا دليل على أن الهجوم كان من أجل تخريب الضريح وانتقاما لأنصار الحسين من الاولين والآخرين , ولو كان للقوة الهمجية التي هاجمت مرقد الحسين عام 1801 ميلادية قوة البارود  لفجروا المكان ولكن ذلك عهد لم تكن فيه المتفجرات والقنابل قد وصلت الى ماهي عليه في عهدنا من تقنية .
لقد تكرر الهجوم على النجف وكربلاء أكثر من مرة في سبيل تخريب مراقد آل بيت النبي كمرقد الحسين في كربلاء ومرقد الامام علي في النجف.
ففي سنة 1220 هـجرية والمصادف 1806ميلادية ( سار سعود بجيوشه ونازل (النجف) , وفرق جيشه عليه من كل جهة وأمرهم ان يتسوروا الجدار على أهله , فلمّا قربوا منه فإذا دونه خندق عريض عميق فلم يقدروا على الوصول , وجرى بينه وبين النجفيين مناوشة وقتال , ورمي جيشه من السور فقتل منه عدّة قتلى فرجعوا إلى النجف) ( النص عن موقع عقائد على النت , ومنقول من كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد  ج1 ص 136) , وهناك هجمات كثيرة آخرى لنفس الغاية لم نأت بها حتى لايمل القارئ.
إن الطغاة يهابون الحسين حتى وهو في رقدة الموت , فهذا الخليفة العباسي المتوكل فعل ما فعل من تخريب مرقد الامام الحسين  :
(فلمّا كان أيّام المتوكل ، وكان سيّىء الإعتقاد في آل أبي طالب ، شديد الوطأة عليهم ، قبيح المعاملة معهم ، ووافقه على جميع ذلك وزيره عبيدالله بن يحيى ، بلغ بسوء معاملتهم ما لم يبلغه أحد من الخلفاء من بني العباس ، فأمر بتخريب قبر الحسين وقبور أصحابه ، وكرب مواضعها وإجراء الماء عليها ، ومنع الزوار من زيارتها ، وأقام الرصد ، وشدّد في ذلك حتّى كان يقتل من يوجد زائراً ، وولّى ذلك كلّه يهوديّاً ، وسلّط اليهودي قوماً من اليهود فتولّوا ذلك إلى أن قُتل المتوكّل ، وقام بالأمر ابنه المنتصر ، فعطف على آل أبي طالب وأحسن إليهم ، وفرّق فيهم الأموال ، فأُعيدت القبور في أيّامه ) ( مقتل الحسين للخوازمي).(سيرة المتوكل ستأتي في فصل استمرار المؤامرة)
 , ونكرر ان اختيار الحسين لمنطقة كربلاء كان حتماً مقدرا لأسباب عرفانية كثيرة لم يفصح عنها الحسين عليه السلام في وقته آنذاك لأن الناس لم يكونوا ليدركوها وما ذُكر أعلاه سبب من أسباب كثيرة لاختياره منطقة كربلاء , وستفصح الأيام والسنين عن أسباب أخرى  لكل مرتقب لقدوم الفرج. إن كربلاء لم تكن مدينة أو منطقة معروفة , بل قطعة من أرض غير مأهولة في البرية على سواحل الفرات , فتأمل حالها اليوم وتأمل جموع الناس التي تأتي لزيارة مرقد الحسين وآله وأنصاره!
قال الامام علي ( كأني بالقصور وقد شيدت حول قبر الحسين و بالأسواق وقد حفت حول قبره, ولاتذهب الايام والليالي حتى يسار إليه من الافاق , وذلك بعد نقطاع بني مروان) ( حياة الحسين لباقر القريشي ج1 ص463 ونقله عن مسند الامام زيد ص 470) , وقول الامام  هذا قاله قبل مقتل الحسين بسنين طويلة مما يدل على أن وقعة كربلاء أخبر بها النبي (ص) وتحدث عنها للمسلمين من باب الاخبار عن الغيب وتذكيرا للمسلمين بعدالة خروج الحسين .
نعود الى خروج الحسين من مكة , إن قول الحسين لأخيه ابن الحنفية  : ( أتاني رسول لله بعدما فارقتك) , يعني به أنه رأى جده الرسول محمد (ص)  في منامه او سنح له في أغفاءته وهي كرامة عالية لاينالها إلا من أنعم الله عليه بالفضل .
 ان رفض الحسين بيعة يزيد وخروجه الى كربلاء لم يكن وليد تلك الساعة ولاتلك الأيام ,وليست رؤيته للنبي (ص) في المنام السبب الوحيد في خروجه , فالرؤية جاءت تأكيدا  لمعرفة مسبقة, فقد علم الحسين من قبل من جده النبي محمد (ص) بما سيؤول إليه الحال , وكان النبي قد ذكر واقعة كربلاء قبل وقوعها بعشرات السنين , وبشر حفيده الحسين بها  مذ كان صغيراً ,وعرف الحسين أمرذلك من أبيه أمير المؤمنين علي أيضاَ , وكان جمع من الصحابة المقربين يعرفون تلك الحقيقة , ومن ذلك  ماقاله النبي (ص) قبل وقعة كربلاء بأكثر من خمسين عاماً ! قال النبي (ص) لأم الفضل مرضعة الحسين :
(إن جبرئيل أتاني، فأخبرني أن أمتي تقتل ولدي ( الحسين) هذا، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة ) ( اللهوف لابن طاووس  ص 92)
ومثله قوله : (إنّ جبرئيل أتاني بالتربة التي يقتل عليها  الحسين ، وأخبرني أنّ أمّتي تقتله .) ( مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي)
وكذلك قوله: (أخبرني جبرئيل أنّ هذا يقتل بأرض العراق ، يعني الحسين ، فقلت : يا جبرئيل ! أرني تربة الأرض التي يقتل بها ، قال : فهذه تربتها ) ( مقتل الحسين للخوازمي الحنفي) وبالاسناد عن معاذ بن جبل قال النبي (ص) (يزيد ، لا بارك الله في يزيد ، ثمّ ذرفت عيناه بالدموع ثمّ قال : نعي إليّ الحسين ، ثمّ أتيت بتربته ، وأُخبرت بقتله ، وقاتله أو قتلته ، والذي نفسي بيده لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلاّ خالف الله بين صدورهم وقلوبهم ، وسلّط عليهم شرارهم ، وألبسهم شيعاً ، ثمّ قال : آه لفراخ آل محمّد من خليفة مستخلف مترف ، يقتل خلفي وخلف الخلف )( مقتل الحسين للخوازمي, باب خروج الحسين) ,ومثله قول الملاك جبريل للنبي (ص) في حديث طويل ننقل منه ( يا حبيب الله ! هذه تربة ولدك الحسين بن فاطمة وسيقتله اللعناء بأرض كربلا . فقال النبي : حبيبي جبرئيل ! وهل تفلح أمّة تقتل فرخي وفرخ ابنتي ؟ فقال جبرئيل : لا ، بل يضربهم الله بالإختلاف ، فتختلف قلوبهم وألسنتهم آخر الدهر .) ( مقتل الحسين للخوازمي, باب أخبار النبي).
هذه النصوص نقلها بأسانيدها الخوارزمي في كتابه مقتل الحسين, والخوارزمي من جمهور أهل السنة ,فلايقول قائل أن هذه من أقوال شيعة الحسين, وورد مثل هذه هذه النصوص في عشرات الكتب الاخرى  من كتب جمهور السنة,  ككتاب الرد لابن الجوزي وترجمة الامام الحسين لابن عساكر وتاريخ الطبري وابن الاثير وغيرها كثير.


الامام علي يذكر كربلاء قبل وقوعها بسنين !
( روى عبد الله بن يحيى عن أبيه أنه سافر مع الامام علي الى صفين , وكان صاحب مطرحته, فلما حاذوا نينوى , تأثر الامام علي ورفع صوته قائلا : أصبر أباعبد الله , أصبر أبا عبد الله , بشط الفرات ! فذهل يحيى وأنبرى يقول: من ذا أبوعبد الله فأجابه الامام أمير المؤمنين وقلبه يتقطع ألما وحزنا قائلا : دخلت على رسول الله وعيناه تفيضان , فقلت يانبي الله , أغضبك أحد , ماشأن عينيك تفيضان . قال : بل قام من عندي جبرائيل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات, وقال : هل لك أن أشمك من تربته, قال : قلت : نعم , فقبض قبضة فأعطانيها , فلم أملك عيني أن فاضتا) (  حياة الحسين للعلامة  باقر القريشي ج1 ص 458 ,و عن مسند أحمد بن حنبل ج1 ص 137, المعجم الكبير للطبراني ج3 ص 105, تاريخ دمشق لابن عساكر ج 14 ص 188, سير أعلام النبلاء ج3 ص 288).
في موقف آخر يمر الأمام علي بمنطقة كربلاء وذكر اسستشهاد ولده الحسين فيها قبل وقوع الملحمة بسنين وكما يلي:
(ان عليا أتى كربلاء فوقف بها فقيل : يا أمير المؤمنين هذه كربلاء ، قال : ذات كرب وبلاء ، ثم أومأ بيده إلى مكان فقال : ها هنا موضع رحالهم ، ومناخ ركابهم ، وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال : ها هنا مهراق دمائهم) ( كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 158). تأمل أختلاف نص الروايتين مما يدل على أن الامام علي ذكر كربلاء في أكثر من موضع وفي أوقات مختلفة وكرر ذلك حتى يتذكر الناس ماقاله ويحفظوه.
لم يستطع أن ينكر هذه الحقيقة المؤرخ الأموي الهوى ابن كثير  فقال:
(قد روى محمد بن سعد وغيره من غير وجه عن علي بن أبي طالب : أنه مر بكربلاء عند أشجار الحنظل وهو ذاهب إلى صفين ، فسأل عن اسمها فقيل كربلاء . فقال : كرب وبلاء ، فنزل وصلى عند شجرة هناك ثم قال : يقتل ها هنا شهداء هم خير الشهداء غير الصحابة ، يدخلون الجنة بغير حساب - وأشار إلى مكان هناك - فعَلَّموه بشئ فقتل فيه الحسين) ( البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص 199)
و ذكر الامام علي ذلك في خطبة له :
 ( كيف أنتم إذا نزل بذرية نبيكم بين ظهرانيكم؟ قالوا : إذا نبلي الله فيهم بلاء حسنا. فأجابهم الامام : والذي نفسي بيدي لينزلن بين ظهرانكم , ولتخرجن إليهم فلتقتلنهم ) ( حياة الامام الحسين لباقر القريشي ج1 ص 461 ونقله عن المعجم الكبير للطبراني ج3 ص 110, مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص 191)


الحسن بن علي يذكر أخيه الحسين بيوم مقتله 
(عن الصادق وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه، عن جده عليهم السلام:
أن الحسين بن علي بن أبي طالب  دخل يوماً على الحسن ، فلما نظر إليه بكى، فقال: ما يبكيك؟ قال: أبكي لما يصنع بك، فقال الحسن عليه السلام: إن الذي يؤتى إلي سم يُدس إلي فأقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبدالله، يزدلف إليك ثلاثون الف رجلٍ يدعون أنهم من أمة جدنا محمد صلى الله عليه وآله، وينتحلون الإسلام، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك، فعندها يحل الله ببني أمية اللعنة وتمطر السماء دماً ورماداً، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش والحيتان في البحار.)( هامش كتاب اللهوف ص 99 لابن طاووس), ومن المعلوم أن الحسن مات مسموماَ قبل استشهاد أخيه الحسين بسنين , فكانت هذه الرواية إخباراً عن غيب سيأتي.

الصحابي سلمان الفارسي يذكر المسلمين بيوم مقتل الحسين قبل حدوثه بعشرات السنين :
(قال الإمام أحمد بن أعثم : ثمّ مضى الحسين فلقيه زهير بن القين ، فدعاه الحسين إلى نصرته فأجابه لذلك وحمل إليه فسطاطه وطلّق امرأته وصرفها إلى أهلها ، وقال لأصحابه : إنّي كنت غزوت بلنجر مع سلمان الفارسي ، فلمّا فتح علينا اشتدّ سرورنا بالفتح ، فقال لنا سلمان : لقد فرحتم بما أفاء الله عليكم ؟ قلنا : نعم . قال : فإذا أدركتم شباب آل محمّد (ص) فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه منكم بما أصبتم اليوم ، فأنا أستودعكم الله تعالى ، ثمّ ما زال مع الحسين حتّى قُتل) ( مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي).

استشهاد مسلم بن عقيل رسول الحسين الى أهل الكوفة
بعد أيام من خروج الحسين من مكة وأثناء طريقه نحو العراق يصله خبر مقتل رسوله مسلم بن عقيل في الكوفة على أيدي جلاوزة حاكم الكوفة عبيد الله بن زياد , وأتاه خبر خذلان الناس وخوفهم من النظام الجائر,
(فاستعبر الحسين باكياً ثمّ قال رحم الله مسلماً فلقد صار إلى روح الله ويرحانه ، وتحيّته وغفرانه ورضوانه ، أمّا إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا ، ثمّ أنشأ في ذلك يقول :
فإن تكن الدنيا تعدّ نفيسة فإنّ ثواب الله أعلى وأنبل
وإن تكن الأبدان للموت أُنشئت فقتل امرىء في الله بالسيف أفضل
وإن تكن الأرزاق قسماً مقدّراً فقلّة حرص المرء في الرزق أجمل
وإن تكن الأموال للترك جمعها فما بال متروك به المرء يبخل) ( مقتل الحسين للخوازمي)
ثم  قام خطيباً في أهل بيته وأنصاره الذي خرجوا معه من المدينة فقال عليه السلام:
(ألا إنّ أهل الكوفة وثبوا على مسلم بن عقيل وهاني بن عروة فقتلوهما ، وقتلوا أخي من الرضاعة ، فمن أحبّ منكم أن ينصرف فلينصرف من غير حرج ، وليس عليه منّا ذمام . فتفرّق الناس وأخذوا يميناً وشمالاً حتّى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه)( مقتل الحسين للخوارزمي). لقد أراد الحسين أن يمحص الذين خرجوا معه فذكرهم بأنه ماض الى العراق ولهم الخيار في أن يأتوا معه أو يتركوه , فلم يبق معه سوى عصبة من الرجال , فيالصفاء الثورة وسموها , ليس هناك وعودا بنيل مناصب أو أغراءات سلطة  أنما الخروج في سبيل الحق والحرية.
أما قوله عليه السلام ( وقتلوا اخي من الرضاعة ) فهو يعني به عبد الله بن يقطر حيث  بعثه الحسين الى الكوفة أيضاً , يروي الخوارزمي فيقول 
(وكان الحسين قد بعث بأخيه من الرضاعة عبدالله بن يقطر إلى أهل الكوفة فأخذه الحصين وأنفذه إلى ابن زياد ، فقال له ابن زياد : اصعد المنبر فالعن الحسين وأباه ، فصعد المنبر ، ودعا للحسين ولعن يزيد بن معاوية وعبيدالله بن زياد وأبويهما ، فرمى به من فوق القصر ، فجعل يضطرب وبه رمق ، فقام إليه عبدالملك بن عمير اللخمي فذبحه) ( مقتل الحسين للخوارزمي ) . تأمل ارهاب الظلمة وتعذيبهم للناس وقد فعل الملعون عبيد الله بن زياد ذات الشئ مع مسلم بن عقيل رسول الحسين , فبعد القبض عليه تم رميه من أعلى البناء . ولاينجح الطغاة في حكمهم للشعوب إلا بالارهاب والتقتيل . وفعل عبيد الله بن زياد كذلك في أنصار الحسين وشيعته ومنهم حامل رسالة الحسين الى أهل الكوفة وهو قيس بن مسهّر الصيداوي, فلما علم أنه من شيعة الحسين وأنصاره ومنتظراً قدوم الحسين الى الكوفة قتله وكما يلي :
(فأمر أن يصعد به القصر ويرمى به من أعلاه ، فأصعد أعلى القصر ورمي به على أمّ رأسه فاندقّت عنقه وخرج دماغه من أذنيه ، فبلغ ذلك الحسين ، فاستعبر باكياً وقال : اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا عندك منزلاً كريماً ، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ رحمتك إنّك على كلّ شيء قدير) ( مقتل الحسين للخوازمي)

يزيد مصمم على قتل الحسين 
كتب الخليفة يزيد بن ميسون كتاباً الى واليه على الكوفة عبيد الله بن زياد فقال فيه
( بلغني أن الحسين توجه إلى العراق فضع عليه المناظر والمسالح واحترس واحبس على الظنة وخذ على التهمة) ( الرد لابن الجوزي ص49 , تاريخ الطبري ج5 ص 381, البداية والنهاية ج8 ص 168) .وقد نفد الامر عبيد الله بن زياد بحذافيره, فأرعب الناس بالقتل والسجن والتهديد, واخذ البرئ بذنب المتهم ومن ذلك قوله في خطبة له :
(لئن بلغني رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تسمعوا ولا يكون فيكم مخالف) (تاريخ الطبري ج 6 ص 200 (
أمر يزيد كذلك  واليه على المدينة عمرو بن سعيد بن العاص بهدم بيوت بني هاشم انتقاما لخروج الحسين الى العراق!
 (بعد خروج الحسين أمر عمرو بن سعيد بن العاص صاحب شرطته على المدينة ، أن يهدم دور بني هاشم ، وبلغ منهم كل مبلغ). (الأغاني للأصفهاني ج 4 ص 155).
عند وصول الحسين الى كربلاء كتب الوالي عبيد الله بن زياد للحسين
(أمّا بعد ; يا حسين ! فقد بلغني نزولك بكربلاء ، وقد كتب إليّ أميرالمؤمنين يزيد أن لا أتوسّد الوثير ، ولا أشبع من الخمير ، حتّى ألحقك باللطيف الخبير ، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد . فلمّا ورد كتابه وقرأه الحسين رمى به من يده وقال : لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق . فقال له الرسول : جواب الكتاب . فقال له : لا جواب له عندي لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب! ) (مقتل الحسين للخوازمي). الحسين على يقين من مقتله ومقتل أهله وأصحابه القلائل ولكنه لايهادن فالغاية هي تضحية قربان آل محمد في سبيل الحق والعدل.


الحسين يأخذ الحجة من أفواه الناس
بعد وصول الحسين  كربلاء , خطب في أصحابه وأهله :
(أمّا بعد ; فإنّ الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم ، يحوطونه ما درّت معائشهم ، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون . ثمّ قال لهم : أهذه كربلاء ؟ قالوا له : نعم ، فقال : هذه موضع كرب وبلاء ، هاهنا مناخ ركابنا ، ومحطّ رحالنا ، ومسفك دمائنا .)( مقتل الحسين للخوازرمي).  وبلفظ آخر قال : ( ماأسم هذه الارض, فقيل كربلا, فقال : انزلوا، هاهنا والله محط ركابنا وسفك دمائنا، هاهنا والله مخط قبورنا، وهاهنا والله سبي حريمنا، بهذا حدثني جدي (ص) ) ( اللهوف لابن طاووس ص 139) , تأمل معرفته المسبقة بالمكان وبما سيحدث .
لم يجد الحسين بدا من الاقامة في كربلاء, فجيش الوالي عبيد الله بن زياد  حاصرالحسين وأهله وأنصاره في كربلاء ومنعوهم من السير, وكان عسكر الوالي بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص. أرسل الحسين لقائد الجيش عمر بن سعد رسالة شفهية ليوصلها لواليه عبيد الله بن زياد , ننقل منها :
 (يا هذا ! أبلغ صاحبك عنّي إنّي لم أرد هذا البلد ولكن كتب إليّ أهل مصركم هذا أن آتيهم فيبايعوني ويمنعوني وينصروني ولا يخذلوني ، فإن كرهوني انصرفت عنهم من حيث جئت ) ( مقتل الحسين للخوازمي), فبعث عمر بن سعد الرسالة الى الوالي عبيد الله بن زياد وكما يلي :
( إلى الأمير عبيدالله بن زياد من عمر بن سعد ، أمّا بعد ; فإنّي نزلت بالحسين ثمّ بعثت إليه رسولاً أسأله عمّا أقدمه إلى هذا البلد ، فذكر أنّ أهل الكوفة أرسلوا إليه يسألونه القدوم عليهم ليبايعوه وينصروه ، فإن بدا لهم في نصرته فإنّه ينصرف من حيث جاء ، فيكون بمكّة أو يكون بأيّ بلد أمرته ، فيكون كواحد من المسلمين ، فأحببت أن أعلم الأمير بذلك ليرى رأيه ، والسلام .)
فلمّا قرأ عبيدالله كتابه فكّر في نفسه ساعة ، ثمّ أنشد : (الآن إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص. ثمّ قال : أيرجو ابن أبي تراب النجاة ؟! هيهات هيهات ، لا أنجاني الله من عذابه إن نجا الحسين منّي ، ثمّ كتب إلى عمر : (أمّا بعد ; فقد بلغني كتابك ، وما ذكرت فيه من أمر الحسين ، فإذا أتاك كتابي فاعرض عليه البيعة لأميرالمؤمنين يزيد ، فإن فعل وبايع وإلاّ فأتني به ، والسلام )( مقتل الحسين للخوازرمي, تاريخ الطبري ج3 ص 263).
علم الحسين أنه مقتول إذا لم يبايع ليزيد , وعلم أن عرضه الذي قدمه لعمر بن سعد في أن يتركوه ليذهب فيعيش في بلاد الله الواسعة سوف لن يوافق عليه الطاغية يزيد ولا واليه عبيد الله بن زياد , لكنه مع ذلك قدم ذلك العرض لأقامة الحجة عليهم أمام الناس والتاريخ, فمعرفته بموته وقتله أنما كان أخبارا عن غيب من جده النبي (ص) , فكأنه كان يقول أنا أطلب الرأفة من وحوش بلا رحمة والدليل أنهم سيقتلوني رغما عن كل الفرص التي فسحتها الاقدار لهم . فلا يقول قائل أن الحسين ألقى بنفسه الى القتل, فالقوم هم الذين يسعون لقتله مهما كانت العروض , والبيعة ليزيد تعني الموافقة على أحكامه وتحريفاته والرضا بما يخالف دين الله, وهو أمر لم يكن ليقبله الامام الحسين.



عاشوراء ! يوم الملحمة
لما وصل رد عبيد الله بن زياد الى الحسين , قام الامام فخطب بأنصاره القلائل , ومن معجزات الأقدار أن يبقى نداءه مؤبداً يردده الاحرار ويقض مضاجع الطغاة, قال الحسين
(ألا إنّ الدّعي بن الدّعي قد ركّز بين اثنتين ـ بين القتلة والذلّة ، وهيهات منّا أخذ الدنيّة ، أبى الله ذلك ورسوله ، وجدود طابت ، وحجور طهرت ، وأنوف حميّة ، ونفوس أبيّة ، لا نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ، ألا إنّي قد أعذرت وأنذرت ، ألا إنّي زاحف بهذه الأسرة على قلّة العتاد ، وخذلة الأصحاب ، ثمّ أنشد :
فإن نهزم فهزّامون قدماً وإن نهزم فغير مهزّمينا
وما إن طبّنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا
أمّا إنّه لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يركب الفرس ، حتّى تدور بكم دور الرحى ، عهد عهده إليّ أبي عن جدّي فاجمعوا أمركم وشركاءكم فكيدوني جميعاً ثمّ لا تنظرون إنّي توكّلت على الله ربّي وربّكم ما من دابّة إلاّ هو آخذ بناصيتها إنّ ربّي على صراط مستقيم ,اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة ، فلا يدع فيهم أحداً ، قتلة بقتلة ، وضربة بضربة ، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم ، فإنّهم غرّونا وكذبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا ، عليك توكّلنا ، وإليك أنبنا ، وإليك المصير .) ( مقتل الحسين للخوارزمي,  ترجمة الامام الحسين لابن عساكر, واللهوف لابن طاووس) . إن شرح الخطبة طويل ففي كل كلمة مغزى ومعنى  يضيق المقام عن تفصيله فعذراً, أما قوله ( الدعي بن الدعي ) فيعني به أن عبيد الله بن زياد دعيُ أبيه , وكذلك أبوه (زياد بن أبيه)  فكلاهما ولدا من زنا – تفصيله في فصل ( اعداء النبي)-.
من المعجزات أن دعاء الحسين على أعداءه تحقق خلال سنوات قليلة , فلم يبق من عسكر الوالي عبيد الله بن زياد أحد إلا ناله القتل والعذاب ومنهم عبيد الله بن زياد نفسه وقائد عسكره عمر بن سعد بن أبي وقاص وكان ذلك في ثورة التوابيين  وعلى يد المختار الثقفي الذي سماه الحسين (ع) في خطبته بغلام ثقيف , ولحق دعاء الحسين  الخليفة الماجن يزيد بن معاوية كذلك فمات سكيراً وهو في الثلاثينات من عمره , وسياتينا ذكر هلاك يزيد فيما بعد.
في الساعات الاخيرة قبل بداية الملحمة وفي موقف فريد يلتحق أحد قادة عسكر عمر بن سعد بالحسين ويترك منصبه كقائد لمئات المقاتلين ليصبح جندياُ في عصبة الامام الحسين التي كان عددها لايتجاوز الثمانين , فياللحرية ويا للبطولة.  ذلك البطل هو الحربن يزيد الرياحي وهو مثل على صفاء النفس الانسانية وتغلبها على مغريات الباطل . يروي الخوارزمي قول الحر بن يزيد للحسين عندما أتى اليه : (إنّي قد جئتك تائباً إلى ربّي ممّا كان منّي ، ومواسيك بنفسي حتّى أموت بين يديك ، أفترى ذلك لي توبة ؟ قال : نعم ، يتوب الله عليك ويغفر لك ، ما إسمك ؟ قال : أنا الحر . قال : أنت الحر كما سمّتك أمّك ، أنت الحرّ في الدنيا والآخرة  ) ( مقتل الحسين للمؤيد الخوارزمي)
عبأ الحسين أنصاره وأهله وتصافقت مصادر التاريخ على ان عدد أنصار الحسين في كربلاء كانوا كما يلي : ( ولمّا أصبح الحسين  يوم الجمعة عاشر محرّم ـ وفي رواية السبت ـ عبّأ أصحابه ، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ، وفي رواية : إثنان وثمانون راجلاً ) ( مقتل الحسين للخوارزمي , وكذلك باقي المصادر)
 وكان تعداد جيش عمر بن سعد يزيد عن عشرين ألف مقاتل! (وعبّأ عمر بن سعد أصحابه ، فجعل على ميمنته عمرو بن الحجاج ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، وثبت هو في القلب ، وكان جنده إثنين وعشرين ألفاً ، يزيد أو ينقص .) ( مقتل الحسين للخوارزمي) تأمل الفرق في العدد بين الطرفين وزد عجباً.

النداء الأخير للأمام
نادى الامام الحسين نداءه الاخير في عسكر عمر بن سعد يذكرهم بفرصتهم الاخيرة قبل أن يحملوا في أعناقهم جريمة سفك دمه وسفك دماء اهله وأنصاره القلائل  , وكان مما قاله لهم  :
(فإن كنتم في شكّ من أمري ، أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم ؟ فوالله ما بين المشرقين والمغربين ابن بنت نبيّ غيري ، ويلكم أتطلبوني بدم أحد منكم قتلته ؟ أو بمال استملكته ؟ أو بقصاص من جراحات استهلكته ؟ فسكتوا عنه لا يجيبوه . ثمّ قال : والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفرّ فرار العبيد ، عباد الله إنّي عذت بربّي وربّكم أن ترجمون ، وأعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب .) ( مقتل الحسين للخوازمي )
, وبلفظ ابن الجوزي قال الحسين أيضاً (أولم يبلغكم
قول رسول الله (ص) فيَّ وفي أخي : هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟ (( الرد لابن الجوزي ص 51)
بعد سفرهم الطويل من مكة الى كربلاء ,كان الحسين وأنصاره وأهله في تلك الايام العصيبة من شهر محرم الحرام يقيمون ليلهم بالصلاة والدعاء وهم تحت حصار جيش الدولة الذي منع الماء عنهم , فقد منع جيش الباطل هذه العصبة القليلة من الوصول الى نهر الفرات علهم يرضخوا من ضعف الجوع والعطش , وكان عبيد الله بن زياد قد كتب  لقائد عسكره: (ضيّق عليهم ، ولا تدعهم أن يذوقوا من الماء قطرة )( مقتل الحسين للخوازمي) وبلفظ الطبري (أما بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة ) ( تاريخ الطبري ج 3 ص 264) وهي حقيقة أتفق عليها المؤرخون .
وقد تقدم في فصل ( الامام علي) مافعل معاوية مع جيش الامام علي في موقعة صفين عندما منعهم من الوصول الى الماء كي يموتوا عطشاً ,ولما سيطر جيش الامام علي على جانب الفرات فسحوا لجنود معاوية  وخلوا بينهم وبين الماء فكانوا يشربون ويسقون خيلهم , وفي كربلاء فعل والي الخليفة الماجن يزيد عين فعلة معاوية, فمنع الحسين وأهله وأصحابه من الوصول الى الماء كي يموتوا عطشاً. إن تلك العصبة القليلة المتعبة من السهر والعطش والجوع وسفر طويل لابد أنها كانت تسرق الثواني من الزمن في أغفاءات قصيرة علها تعوض ما يفوتها من النوم والراحة , روت الروايات ومنها بلفظ الخوارزمي زحف العسكر على الحسين وأنصاره وكما يلي :
(وزحفوا نحو عسكر الحسين ، في وقته كان جالساً فخفق برأسه على ركبته ، فسمعت زينب بنت علي الصيحة والضجّة فدنت من أخيها فحرّكته وقالت : يا أخي ! ألا تسمع الأصوات قد اقتربت منّا ، فرفع الحسين رأسه وقال : يا أختاه ! رأيت الساعة في منامي جدّي رسول الله وأبي عليّاً وأمّي فاطمة وأخي الحسن صلوات الله عليهم ، وهم يقولون : إنّك رائح إلينا عن قريب ، وقد والله دنا الأمر لا شكّ فيه ، فلطمت زينب وجهها وصاحت ، فقال لها الحسين : مهلاً مهلاً ، اسكتي ولا تصيحي فيشمت القوم بنا )( مقتل الحسين للخوازمي , تاريخ الطبري). ثم دارت رحى القتال  بين عشرات قليلة في مواجهة الالاف .




شهداء آل بيت رسول الله محمد (ص) في كربلاء :
1- علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب , العمر 27 سنة.
كان أول شهيد من آل بيت النبوة علي الاكبر بن الحسين بن علي بن أبي طالب فخرج يشد على الناس وهو يقول 
(أنا علي بن حسين بن علي ... نحن ورب البيت أولى بالنبي... تالله لا يحكم فينا ابن الدعي
قال: ففعل ذلك مرارا، فبصر به مرة بن منقذ بن النعمان العبدي ثم الليثي، فقال: علي أثام العرب إن مر بي يفعل مثل ما كان يفعل إن لم أثكله أباه؛ فمر يشد على الناس بسيفه، فاعترضه مرة بن منقذ، فطعنه فصرع، واحتوله الناس فقطعوه بأسيافهم. قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم الأزدي، قال: سماع أذني يومئذ من الحسين يقول: قتل الله قوما قتلوك يا بني! ما أجرأهم على الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعدك العفاء. قال: وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي: يا أخياه! ويابن أخياه! قال: فسألت عليها، فقيل: هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله (ص) ، فجاءت حتى أكبت عليه، فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط، وأقبل الحسين إلى ابنه، وأقبل فتيانه إليه، فقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه)( تاريخ الطبري , ج3 ص 282)
ثم توالى الشهداء وهم كما يلي :
2-عبد الله بن علي بن أبي طالب , العمر 25 سنة.
3-جعفر بن علي بن أبي طالب, العمر 19 سنة.
4-عثمان بن علي بن أبي طالب, العمر 21 سنة.
5-محمد الاصغر بن علي بن أبي طالب.
6-العباس بن علي بن أبي طالب
7-عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب , قُتل في حجر أبيه الحسين وكان ,طفلاً رضيعاً, أختلف في قاتله ولكنه مات مذبوحاً بسهم مصوب.
8-أبوبكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
9- القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
10-عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب, العمر 11 سنة.
11-عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
12-محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
13-جعفر بن عقيل بن أبي طالب.
14- عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب.
15-عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب, أمه رقية بن علي بن أبي طالب.
16-عبد الله بن عقيل بن أبي طالب.
17-محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب.
18- أبوبكر بن علي بن أبي طالب, وأسمه عبدالله . أختلف المؤرخون في مقتله وقيل أنه لم يُقتل في موقعة كربلاء, ولكنه علي أي حال مات مقتولاً.
19- عبيد الله بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. أتفق المؤرخون على موته مقتولاً وانفرد الاصفهاني في مقاتل الطالبيين بقوله أنه من الذين أستشهدوا في كربلاء.
20- محمد بن مسلم بن عقيل بن ابي طالب.
21-عبد الله بن علي بن أبي طالب.
22- محمد بن سعيد بن عقيل بن أبي طالب, كان صغيراً في أذنيه قرطان.
23-أبراهيم بن علي بن أبي طالب.
24- عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
25-محمد بن عقيل بن أبي طالب.
26-عمر بن علي بن أبي طالب.
27-جعفر بن محمد بن عقيل بن أبي طالب. ( أسماء الشهداء عن كتاب أنصار الحسين ص 130 للشيخ مهدي شمس الدين, ومصادره: مقاتل الطالبيين للأصفهاني , مقتل الحسين للخوارزمي , تاريخ الرسل والملوك للطبري , الارشاد للمفيد, مروج الذهب للمسعودي وغيرها)
ولضيق المقام وللأختصار لم نذكر أسماء أنصار الحسين في المعركة الذين فازوا جميعاُ بالاستشهاد  بين يديه, فياله من فوز عظيم .

الإمام يقاتل لوحده
بعد استشهاد آل محمد وأنصارهم القلائل , بقي الامام الحسين جريحاً لوحده أمام أكثر من عشرين الف مقاتل! فيا للبطولة والمجد المخلد, روى الطبري عن أبي مخنف:
(فشد عليه رجالة ممن عن يمينه وشماله، فحمل على من عن يمينه حتى ابذعروا، وعلى من شماله حتى ابذعروا، وعليه قميص له من خز وهو معتم؛ قال: فوالله ما رأيت مكسورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا، ولا أمضى جنانا ولا أجرأ مقدما منه، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله؛ أن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب) ( تاريخ الطبري ج3 ص 285)
 ( قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن حميد بن مسلم قال: كانت عليه جبة من خز، وكان معتما، وكان مخضوبا بالوسمة، قال: وسمعته يقول قبل أن يقتل، وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع يتقي الرمية، ويفترص العورة، ويشد على الخيل، وهو يقول: أعلى قتلي تحاثون! أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله الا أسخط عليكم لقتله مني؛ وايم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون، أما والله أن لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم، وسفك دماءكم، ثم لا يرضى لكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم. قال: ولقد مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء؛ قال: فنادى شمر في الناس: ويحكم؛ ماذا تنظرون بالرجل! اقتلوه ثكلتكم أمهاتم! قال: فحُمل عليه من كل جانب). ( تاريخ الطبري ج3 ص286) , إنا لله وإنا إليه راجعون. ما أجرأ السفهاء الذين يقولون كان للمسلمين دولة عادلة! أين العدل والانسانية في دولة تأسست على خيانة خاتم الانبياء والرسل فقتلته ( راجع فصل رحيل النبي)  وخانت وصيته وقتلت أبنته ( راجع فصل السقيفة) , ومنعت كتابة أقواله وأحاديثه (راجع فصل, أبوبكر)  ثم ذبحت أحفاده وآل بيته في كربلاء . 
لم ينج من الرجال سوى علي بن الحسين بن علي الذي كان مريضاً مقعداً فتركه العسكر ,ونجاته حكمة ربانية , فعلي بن الحسين صار الأمام  بعد أبيه الشهيد ومن نسله ولد باقي أئمة آل بيت النبوة عليهم السلام, ( وستأتي سيرته فيما بعد), وسلم كذلك من القتل حسن بن حسن بن علي , وعمر بن حسن بن علي والقاسم بن عبد الله بن جعفر ومحمد بن عقيل الاصغر , وسلم نساء آل بيت النبي من القتل ومنهن زينب وفاطمة ابنتا علي بن ابي طالب وفاطمة وسكينة ابنتا الحسين , والرباب امرأة الحسين , وام محمد بنت حسن بن علي امرأة علي بن الحسين جميعاً, فسيقوا جميعاً آسارى الى دمشق , وكانت معهم رؤوس الشهداء.
( دعا ابن زياد زحر بن قيس الجعفي ، فسلم إليه رأس الحسين بن علي ، ورؤوس أخوته ، ورأس علي بن الحسين ، ورؤوس أهل بيت النبوة ورؤوس شيعة الإمام الحسين ، ودعا علي بن الحسين فحمله وحمل أخوته وعماته وجميع نسائهم إلى يزيد بن معاوية ، وسار القوم بحرم رسول ألله من الكوفة إلى بلاد الشام على محامل بغير وطاء من بلد إلى بلد ومن منزل إلى منزل كما تساق أسارى الترك والديلم .)( الفتوح لابن أعثم ج5 ص 236)
كانت آخر وصية من عبيد الله بن زياد الى قائد عسكر عمر بن سعد هي ما يلي :
(أنظر إن بايع الحسين وأصحابه ونزلوا عند حكمي فابعث بهم إليّ سلماً ، وإن أبو ذلك فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم ، فإنّهم لذلك مستحقّون ، فإذا قتلت الحسين فأوطىء الخيل ظهره وبطنه ، فإنّه عاقّ شاق قاطع ظلوم ، فإذا فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت ذلك فاعتزل خيلنا وجندنا وسلّم الجند والعسكر إلى شمر بن ذي الجوشن ، فإنّه أشدّ منك حزماً ، وأمضى منك عزماً .) ( مقتل الحسين للخوازمي ). نفد الامر اللعين عمر بن سعد بن أبي وقاص, فانتدب من جنوده من رض جسد الحسين الشهيد بحوافر الخيل وحزوا رأسه فأخذه مع مع بقية رؤوس الشهداء من آل محمد (ص), الى قصر خليفة المسلمين يزيد في دمشق.

جيش الطاغية الهمجي يسلب وينهب ويقتسم رؤوس الشهداء
بعد استشهاد الامام الحسين, قام جيش الطاغية الهمجي بنهب متاع الشهداء فانتهبوا مافي الخيام ثم أضرموا فيها النار, وتسابقوا على نهب متاع حرائر النبي محمد (ص) ولاحول ولاقوة الا بالله. وورد ذكر السلب والنهب الهمجي هذا  في كتب الجمهور المختلفة كتاريخ الرسل والملوك للطبري وكتاب الكامل لابن الاثير وتاريخ الذهبي وغيره وكذلك في كتب الأمامية.
لقد سلب الهمج الفجرة الامام الشهيد من ملابسه وكما يلي :
(وسُلب الحسين ما كان عليه، فأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته - وكانت من خز، وكان يسمى بعد قيس قطيفة - وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له الأسود، وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم، فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بديل؛ قال: ومال الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوها؛ قال: ومال الناس على نساء الحسين وثقله ومتاعه، فأن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها.) ( تاريخ الطبري ج3 ص 286)




 (وروي: أن رؤوس أصحاب الحسين عليه السلام كانت ثمانية وسبعين رأساً، فاقتسمتها القبائل، لتتقرب بذلك إلى عبيد الله بن زياد وإلى يزيد بن معاوية:
فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث. وجاءت هوازن باثني عشر رأساً، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن. وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً. وجاء بنو أسد بستة عشر رأساً. وجاءت مذحج بسبعة رؤوس. وجاء سائر الناس بثلاثة عشر رأساً. قال الراوي: ولما انفصل ابن سعد  عن كربلاء، خرج قوم من بني أسد، فصلوا على تلك الجثث الطواهرالمرملة بالدماء، ودفنوها على ما هي الآن عليه. وسار ابن سعد بالسبي المشار إليه، فلما قاربوا الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهن. الراوي: فاشرفت امرأة من الكوفيات، فقالت: من أي الاسارى أنتن؟ قال فقلن: نحن أسارى آل محمد صلى الله عليه وآله. فنزلت من سطحها، فجمعت ملاء وأزراً ومقانع، فأعطتهن، فتغطين. )
( اللهوف لابن طاووس ص 190, ومثله في تاريخ الطبري ج3 ص 227 , الكامل لابن الاثير ج3 ص443).
قال الطبري وغيره: (ثم إن عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين بالكوفة فجعل يُدار به في الكوفة ! ثم دعا زحر بن قيس فسرح معه برأس الحسين ورؤس أصحابه إلى يزيد بن معاوية ، وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزدي  وطارق بن أبي ظبيان الأزدي). ... (ثم إن عبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه فجُهِّزْنَ ، وأمر بعلي بن الحسين فغُلَّ بغل إلى عنقه ، ثم سُرِّحَ بهم مع مخفر بن ثعلبة العائذي عائذة قريش ، ومع شمر بن ذي الجوشن ، فانطلقا بهم حتى قدموا على يزيد ، فلم يكن علي بن الحسين يكلم أحداً منهما في الطريق كلمة ، حتى بلغوا). ( جواهر التاريخ ج4 للكوراني, نقلا عن تاريخ الطبري ج4 ص 351 ومابعدها , ومثله في البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص210)




خبر المذبحة يصل للطاغية
( عن الغاز بن ربيعة الجرشى من حمير قال : والله إنا لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حتى دخل على يزيد بن معاوية فقال له يزيد: ويلك ما وراءك وما عندك؟ فقال : أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره ، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته ، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الامير عبيد الله بن زياد ، أو القتال ، فاختاروا القتال على الإستسلام ، فعدونا عليهم مع شروق الشمس ، فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا اخذت السيوف مأخذها من هام القوم ، أخذوا يهربون إلى غير وزر ، ويلوذون منا بالآكام والحفر ، لواذا كما لاذ الحمائم من صقر ، فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور ، أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادهم مجردة ، وثيابهم مرملة ، وخدودهم معفرة ، تصهرهم الشمس ، وتسفي عليهم الريح ، زوارهم العقبان والرخم .. قال : فدمعت عين يزيد وقال : قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، لعن الله ابن سمية أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه فرحم الله الحسين) ( تاريخ الرسل والملوك للطبري ج4 ص 354)
تأمل جواب الطاغية السياسي؟ لقد كان هو الآمر بتلك المقتلة وأطمأن بذلك الخبر ولم يعاقب واليه عبيد الله بن زياد ولا قائد عسكره عمرو بن سعد وهذا دليل على رضاه بما تم, أما إظهار الرحمة والحزن أمام الملأ فهو تصرف الطغاة في كل العصور لتحبيب قلوب الناس اليهم ووضع اللوم على الجلاوزة, ونرى مثل ذلك كثير في سير الطغاة  والملوك فهم الذين يأمرون بالمذابح  وبعد أتمام الأمر يظهرون الشفقة ودموع كاذبة, ويفعل مثل ذلك أيضاَ رؤوساء العصابات الأجرامية عندما يأمرون مساعديهم بقتل من ينافسهم , ثم يذهبون الى مجلس عزاء المقتول. لا تنطلي هذه الخدعة السياسية في أظهار الشفقة والرحمة إلا على ذوي العقول السفيهة  الذين يتناسون الجريمة الكبرى ويسلطون الأضواء على رحمة الحاكم المزيفة.  أما المتزلفون لنظام حكم الطغاة فأنهم يسخرون أقلامهم ووسائل الأعلام لأظهار شفقة الطاغية ورأفته فينالوا بذلك عطايا الحاكم .  لذلك سعى المؤرخون المبيضون لصفحات التاريخ أسقاط جريمة مذبحة كربلاء عن خليفة المسلمين يزيد بن معاوية, فزخرفوا أقوالهم ودلسوا في كتاباتهم ومنهم المؤرخ الاموي ابن كثير الدمشقي حيث يقول:
(يغلب على الظن ان يزيد لو قدر عليه ( على الحسين) قبل ان يُقتل لعفا – يعني بقوله لعفا عن الحسين- عنه كما اوصاه بذلك ابوه , وكما صرح هو به مخبرا عن نفسه بذلك. وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو , ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا ارسل يعيب عليه ذلك والله اعلم) ( البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي ج6 ص424)
ان ابن كثير يحاول أن يلقي باللوم على عبيد الله بن زياد في قتل الحسين وآله, ويقول أن يزيد لم يكن ليفعل ذلك ؟ تأمل قوله ( يغلب على الظن) , وهو قول يدل على فساد نفسه وعقله, فهو تناسى  حقيقة وقوع المذبحة وانغمس في ظنه آملا في تبييض صفحة يزيد.  إذا كان يزيد كما يقول ابن كثير هذا , فلماذا انتدب يزيد رجلا مثل عبيد الله بن زياد ليقاتل الحسين؟  ؟ ولماذا أتوا برأس الحسين الى دمشق كدليل على مقتله, ولماذا ساقوا نساء آل النبي أسارى الى دمشق حيث قصر الطاغية يزيد , ولماذا نصب رأس الحسين على خشبة لأيام ثلاث في دمشق على باب قصر الخلافة ؟
روى المؤرخون من جمهور السنة مايلي : ( ان رأس الحسين صلب بمدينة دمشق ثلاثة أيام) ( النص عن معالم المدرستين  ج3 للعلامة  العسكري ونقله عن سير أعلام النبلاء للمؤرخ الاموي الهوى الذهبي ج3 ص 216  ، وكذلك للمؤرخ الاموي الاخر ابن كثير من كتابه البداية والنهاية ج 8 ص 204,  مقتل الحسين للمؤيد الخوارزمي الحنفي ج 2 ص 75  , تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر , خطط المقريزي ج2 ص 289, الاتحاف بحب الاشراف ص 23)
وروى الطبري عن ابن سعد صاحب الطبقات  فذكر :( عن زر بن حبيش، قال: أول رأس رفع على خشبة. رأس الحسين رضي الله عنه.)( تاريخ الطبري ج3 ص 255). كان رأس الحسين الشريف أول رأس حمل على خشبة في زمن دولة المسلمين,  أما أول رأس قطع في الاسلام  وأرسل الى مكان آخر فقد  كان في عهد معاوية أبو يزيد ومدعيه, فقد حمل جلازوة معاوية رأس الشهيد عمرو بن الحمق الخزاعي الى معاوية كدليل على قتله , وكان عمرو بن الحمق من الاصحاب الاوفياء للأمام علي بن أبي طالب, اذن مافعله يزيد لم يكن جديداً في دولة أبوسفيان .
إن مذبحة كربلاء جريمة خطط لها الطاغية ,وسلك واليه عبيد الله بن زياد وعسكره كل سبيل من أجل قتل الحسين وقتل أنصاره القلائل. إن دولة الطلقاء قامت على القتل والارهاب, وقتل بضع وسبعين نفساً أمر هين عند القتلة . أن يزيد ودولته لم يتورعوا عن قتل المئات وضرب الكعبة بالمنجنيق وقنابل النفط في سبيل الحفاظ على الملك ودفن تراث النبي محمد (ص)( وسياتينا تفصيل ذلك).
لقد اكمل يزيد بن معاوية  مافعله أبيه ومدعيه معاوية ,ومن قبله مافعله أبوسفيان وباقي المتؤامرين من الثلاثة الاوائل وأنصارهم, فبعد اغتيال النبي  ( راجع فصل رحيل النبي ), تم قتل ابنته الزهراء فاطمة ( راجع فصل السقيفة),  ثم عزلوا الامام علي عن منصب الخلافة لثلاثة عهود ثم قتلوه أغتيالاً , وبعد ذلك قُتل الامام الحسن بن علي في خطة من خطط معاوية  كما مر بنا. وأغتال اصحاب الرئاسة وسدة الحكم صحابة النبي المخلصين كذلك  , وتقدمت روايات الاغتيالات في عهد الخليفة الثاني عمر ( راجع فصل عمر) وكذلك فعل من بعده عثمان في تصفية أنصار النبي (ص) ( راجع فصل عثمان ). وحقق معاوية الكثير في معركة صفين ضد  الامام علي فقتل صحابة النبي , وأكمل على مابقي منهم بالسم  . إن جريمة مذبحة كربلاء يقع وزرها كذلك  في أعناق الاوائل الممهدين لدولة معاوية ويزيد , فلم يكن معاوية ومن بعده  يزيد يجرآن على ما فعلا  لولا تهاون القائمين بالامر من قبل ذلك وهم الخلفاء الثلاثة الاوئل.
 لقد فاق يزيد الماجن بفعله فعل مافعله الاوائل, فقد حقق في يوم واحد مذبحة همجية واحدة في آل الرسول محمد , ولم يبق من دين محمد سوى الطقوس والاسماء.




آل محمد اسرى وسبايا في قصر الطاغية:
روى المؤرخون حال الأسرى في قصر الطاغية وكما يلي (ثم دعا يزيد - لعنه الله - بعلي بن الحسين " ع " فقال . ما اسمك ؟ فقال علي ابن الحسين ، قال . أو لم يقتل الله علي بن الحسين قال : قد كان لي اخ اكبر مني يسمى عليا فقتلتموه . قال . بل الله قتله قال علي : (الله يتوفى الانفس حين موتها ). قال له يزيد : ( وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايدكم )
فقال علي : ( ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم إلا في كتاب من قبل ان نبرأها إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور) فوثب رجل من اهل الشام فقال . دعني اقتله فألقت زينب ( عمته وهي أخت الحسين ع) نفسها عليه . فقام رجل آخر فقال . يا امير المؤمنين هب لي هذه الجارية اتخذها امة ,  فقالت له زينب : لا ولا كرامة ، ليس لك ذلك ولا له إلا ان يخرج من دين الله . فصاح به يزيد . اجلس . فجلس واقبلت زينب عليه وقالت : يا يزيد حسبك من دمائنا . وقال علي بن الحسين  إن كان لك بهؤلاء النسوة رحم ، واردت قتلي فابعث معهن أحدا يؤديهن . فرق له وقال : لا يؤديهن غيرك )( مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص 81 ). لقد حاول يزيد اغتيال علي بن الحسين في دمشق للقضاء على سلالة النبوة لكنه لم يفلح , وسيأتي ذكر محاولة القتل فيما بعد في سيرة الامام السجاد علي بن الحسين في فصل (استمرار المؤامرة)






موقعة الحرة
جيش يزيد يستبيح المدينة المنورة لثلاثة أيام بلياليها
من مصائب الشعوب أن الجماهير تحجم عن الاشتراك في نصر رواد الحرية القائمين بوجه الطغاة, ظناً منها أن الوقوف موقف المتفرج على صراع الحق والباطل سينجيها من عقوبات الطغاة , كعقوبة الموت والسجن وقطع الأرزاق والنفي والتعذيب الجسدي وغيرها. ومثلما التوق للحرية يسري كالعدوى من فرد الى آخر , فأن للجبن والخوف عدوى كذلك  فالذي يرى صاحبه يشارك في الثورة والتغيير قد يلتحق به محتثاً خروجه نحو الحرية, وكذلك الذي صاحبه يخنس ويجبن عن تعريض حياته للأخطار فأنه يقلده ويحذو حذوه , فيلزم بيته ويغلق بابه ويتفرج على الصراع .هذه طبيعة النفس الانسانية في كل العصور, فالناس يعيشون في مجتمعات تفرض تقاليدها ومفاهيمها عليهم , وتجبرهم على تقليد الآخرين في السلوك والتصرفات. ولكل قاعدة شواذ كما يقال, فالذي يعشق الحرية والمجد المخلد يتحرر من القيود الاجتماعية, وتصير غايته أثمن من معطيات الحياة المادية ,فيرى الموت في سبيل الحرية هيناً بل يفضل الموت على عيش العبيد , والناس قليل في ذلك فالأحرار في الدنيا قلة , وهم أصحاب حظ عظيم. تقدم في  موقعة كربلاء كيف يتخلى الحر بن يزيد الرياحي عن قيادة عسكره ويهرب من جيشه المؤلف من أكثر من عشرين الف مقاتل, ليلتحق بعصبة الحسين التي لم تكن تتجاوز الثمانين رجلاً , ,متخلياً عن منصب مهم في الدولة ومتنازلا عن المميزات التي تعطيها الدولة له كقائد عسكري , موقناً أن نهايته الموت قتلاً في عسكر الحسين, ولكن كل ذلك هان أمامه في سبيل العيش تحت راية الحق والعدل, ولذلك قال له الحسين عليه السلام : ( أنك الحر كما سمتك أمك.). هذه السطور قد تبين سبباً من أسباب احجام أهل المدينة المنورة وأهل مكة عن الخروج مع الحسين بن علي في ثورته على الطاغية , فلقد كان الناس يعرفون طغيان يزيد وعانوا من تسلطه وتسلط أبيه معاوية , لكنهم رضوا بأن يغلقوا أبواب بيوتهم ويتقاعسوا عن نصرة الحسين بن علي في خروجه على الطاغية, لقد فضلوا الترقب وتسمع آخبار مواجهة الحسين لجيش الطاغية في كربلاء, على الاشتراك في نصرة الحسين, آملين أن لاتنالهم شرور الطاغية. ولكن مهلاً ,إن السنن الكونية تمضي لحتميتها, فليست السلامة بمؤبدة على ابن آدم , وليس للعز والراحة دوام , بل هناك تقلبات وتغيرات تصنعها لطائف الأقدار لترمي بسنن الحياة الخالدة على البشر. إن الذي يغلق باب بيته آملاً أن الطوفان لن يصله , يقع في خطأ شنيع. فبعد وقعة كربلاء الخالدة تنمرت السلطة الغاشمة على الشعب فلم تدع متفرجاً يهنأ بجلوس في بيته فغارت على الشعب تسقيه ذلة مابعدها ذلة.
بمعرفته الربانية عرف الحسين بن بنت النبي الكريم (ص) أن الذين تقاعسوا عن نصرته وجلسوا في بيوتهم سوف يأتيهم العذاب بعد استشهاده و تقدم  ذكر قوله:   
(أمّا إنّه لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يركب الفرس ، حتّى تدور بكم دور الرحى ، عهد عهده إليّ أبي عن جدّي), أما قوله : (إلا كريث مايركب الفرس ) فيعني بها قصر المدة , وهو ما حصل  بعد استشهاده واستشهاد أهل بيته وأصحابه, فدارت بالناس رحى العذاب من بعده , وهو ماسيأتي في السطور القادمة .
بعد سنة من وقعة كربلاء , يأتي وفد من المدينة المنورة لزيارة الخليفة السكير يزيد بن معاوية في دمشق , وكان على رأس الوفد الصحابي عبدالله بن حنظلة الأنصاري. لم يعبأ يزيد بوفد المدينة فقد كان متمتعاً بطيب الاوقات في مدينة (حواريين ) وهي مدينة في بادية أخواله بنو كلب ! ذكر المؤرخون :
(فقدموا على يزيد وهو بحُوَّارين فنزلوا على الوليد بن عتبة فأقاموا عشرة أيام لم يصلوا إلى يزيد ! وانتقل يزيد من حوارين منتزهاً وشخص الوفد معه فأذن لهم يوم جمعة...واعتذر إليهم من تركه الإذن لهم عليه وقال: لم أزل وجعاً من رجلي إن الذباب ليسقط عليها فيخيل إلي أن صخرة سقطت عليها...وأذن لهم في الإنصراف فرجعوا ذامين له مجمعين على خلعه) !
( عن جواهرالتاريخ ج3 للعلامة الكوراني ونقله عن تاريخ دمشق لابن عساكر ج26 ص 258 ، تاريخ الطبري ج4 ص 380).
شاهد وفد المدينة عن كثب استهتار الخليفة يزيد ومجونه, فعادوا وقد حزموا أمرهم على الخروج عليه, وعند وصولهم الى المدينة خطب بالناس رئيس الوفد وهو عبد الله بن حنظلة فقال
(يا قوم اتقوا الله وحده لاشريك له فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء ! إنه رجلا ينكح الأمهات والبنات والأخوات ، ويشرب الخمر ويدع الصلاة ، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسناً ! فتواثب الناس يومئذ يبايعون من كل النواحي) ( طبقات ابن سعد ج5 ص 66, تاريخ دمشق ج27 ص 429)
وفي الكامل (قالوا قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر ويضرب بالطنابير ويعزف عنده القيان ويلعب الكلاب ويسمر عنده الخراب وهم اللصوص وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه وقام عبد الله بن حنظلة الغسيل فقال جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم) ( الكامل في التاريخ لابن الاثير ج3 ص 449)
كان إقبال الناس على خلع يزيد والخروج عليه في المدينة المنورة كبيراً يروي ابن كثير :
( واجتمعوا عند المنبر ، وجعل الرجل منهم يقول : قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه . ويلقيها عن رأسه ، ويقول الآخر : قد خلعته كما خلعت نعلي هذه . حتى اجتمع شيء كثير من العمائم والنعال هناك ، ثم اجتمعوا على إخراج عامل يزيد من بين أظهرهم ، وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان ابن عم يزيد ، وعلى إجلاء بني أمية من المدينة ، فاجتمعت بنو أمية وهم قريب من ألف رجل في دار مروان بن الحكم ، وأحاط بهم أهل المدينة يحاصرونهم) (البداية والنهاية لابن كثير , ج 11 ص614 , ثم دخلت سنة ثلاث وستين).
في تلك الأثناء انتهز عبد الله بن الزبير تلك التقلبات- ( وقد تقدم ذكر امتناعه عن بيعة يزيد)- فأعلن أيضاً تمرده في مكة المكرمة. لم يكن عبد الله بن الزبير سوى طالب للملك والسلطان, فقد أنتظر وراقب عن كثب خروج الحسين بن علي ولم ينصره ولو كان طالب حق لخرج معه لنصرته وليس بعيداً أنه كان يتمنى نهاية الحسين وأنصاره كي يخلو له المشهد , فلو عاش الحسين لما كان ابن الزبير يستجرأ على معارضته, فهو يعلم يقينا أن الناس يرونه  ضئيلاً  أمام مكانة الحسين وعظمته .  فكان خروج الحسين فسحة لابن الزبير حيث خلا له الجو , وفي ذلك قال ابن عباس لعبد الله بن الزبير بعد خروج الحسين الى كربلاء :
(يالك من قبرة بمعمر    خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري  هذا الحسين خارجا فاستبشري
فقال : قد خرج الحسين وخلت لك الحجاز) ( النص عن مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص 73)
انتهز ابن الزبير فرصة خروج أهل المدينة على الخليفة يزيد وعند ذلك جهر بمعارضته في مكة ,ولم تكن مكة المكرمة ولاحتى الكعبة الشريفة بذات حرمة عند عبد الله بن الزبير فهو اعتصم ببيت الله آملا أن جيش الطاغية سيتورع عن قتله في الحرم . وقد تقدم قول الحسين عليه السلام  لأخيه محمد : (يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت ) , فتأمل سمو الحسين ونقاء غايته, لتعرف أن حرم الكعبة لاقيمة له عند عبد الله بن الزبير الطامع في الملك والسلطان.
في دمشق تلقى يزيد بن معاوية  أنباء ثورة المدينة المنورة ونبأ خروج عبد الله بن الزبير في مكة , فجهز بذلك جيشاً للقضاء على الخارجين عليه.  روى ابن كثير :
( وكتب بنو أمية إلى يزيد بما هم فيه من الحصر والإهانة ، والجوع والعطش ، وأنه إن لم يبعث إليهم من ينقذهم مما هم فيه وإلا استؤصلوا عن آخرهم ، وبعثوا ذلك مع البريد ، فلما قدم بذلك على يزيد وجده جالسا على سريره ورجلاه في ماء يتبرد مما به من النقرس في رجليه ، فلما قرأ الكتاب انزعج لذلك ، وقال : ويلك ! أما فيهم ألف رجل ؟ قال : بلى . قال : أفلا قاتلوا ولو ساعة من نهار ؟ ثم بعث إلى عمرو بن سعيد بن العاص ، فقرأ عليه الكتاب ، واستشاره فيمن يبعثه إليهم ، وعرض عليه ذلك ، فأبى وقال : إن أمير المؤمنين عزلني عنها وهي مضبوطة ، وأمورها محكمة ، فأما الآن فإنما هي دماء قريش تراق بالصعيد ، فلا أحب أن أتولى ذلك منهم ، ليتول ذلك من هو أبعد منهم مني . قال : فبعث البريد إلى مسلم بن عقبة المري وهو شيخ كبير ضعيف ، فانتدب لذلك ، وأرسل معه يزيد عشرة آلاف فارس وقيل : اثني عشر ألفا ونادى منادي يزيد بدمشق أن سيروا على أخذ أعطياتكم كاملا ومعونة أربعين دينارا . قال المدائني : ويقال : في سبعة وعشرين ألفا ; اثنا عشر ألف فارس وخمسة عشر ألف راجل ، وأعطى كل واحد مائة دينار .)( البداية والنهاية لابن كثير , ج 11 ص614 , ثم دخلت سنة ثلاث وستين) .  مسلم بن عقبة  هذا كان من قواد جيش معاوية بن أبي سفيان في حربه ضد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بموقعة صفين ( راجع الاصابة للعسقلاني ج3 ص 493, وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 206) , فتأمل .
( وقال يزيد لمسلم بن عقبة : إذا قدمت المدينة ولم تصد عنها ، وسمعوا وأطاعوا فلا تتعرض لأحد منهم ، وامض إلى الملحد ابن الزبير ، وإن صدوك عن المدينة فادعهم ثلاثا ، فإن رجعوا إلى الطاعة فاقبل منهم وكف عنهم ، وإلا فاستعن بالله وقاتلهم ، وإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا ، ثم اكفف عن الناس ، وقيل : إنه قال لمسلم بن عقبة : إذا ظهرت عليهم فإن كان قتل من بني أمية أحد فجرد السيف ، واقتل المقبل والمدبر ، وأجهز على الجريح وانهبها ثلاثا ، وانظر إلى علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيرا ، وأدن مجلسه ; فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه . وأمره إذا فرغ من المدينة أن يذهب إلى مكة لحصار ابن الزبير وقال له : إن حدث بك أمر فعلى الناس حصين بن نمير السكوني ) ( البداية والنهاية لابن كثير ج11 ص 617), تأمل قوله ( أنظر الى علي بن الحسين فأكفف عنه) وعلي بن الحسين هو الناج من مذبحة كربلاء التي تقدم ذكرها ,فيبدو أن الطاغية عرف أن ماناله آل محمد(ص) في كربلاء كفاهم فليس هناك مجالا لأراقة مزيد من دماء آل محمد (ص) وليس قول الطاغية هذا دليل على الرحمة والشفقة كما يقول البعض , فدماء شهداء كربلاء لم تزل ندية آنذاك ولم يمر عليها عام , فقول يزيد ( أنظر الى علي بن الحسين فأكفف عنه) أنما هو من أقوال السياسة ورأفة الطغاة المزيفة التي تنطلي على سفهاء العقول. ومن ناحية آخرى كان علي بن الحسين السجاد في معزل عن ثورة المدينة وثورة ابن الزبير , فقد كان خروج أبيه الحسين بن علي عليه السلام في كربلاء  الأمل الوحيد في اصلاح أمور أمة محمد (ص) وماعداه لم يكن ليأتي بشئ, وإذا فلحت ثورة المدينة أو ثورة الزبير ونجحت في الأطاحة بعرش يزيد فأن النتيجة ستكون عهدا كعهد الخليفة الأول والثاني والثالث وتبين  فساد تلك العهود ايضا , فلا نتيجة في الاصلاح بل هو فساد بلون آخر, فكان السجاد علي بن الحسين بمنأى عن تلك التقلبات .
لنعود الى ثورة المدينة : (وبلغ يزيد أن ابن الزبير يقول في خطبته :( يزيد القرود , شارب الخمر), فلما جهز (يزيد)  مسلم بن عقبة واستعرض الجيش بدمشق ، جعل يقول
أبلغ أبا بكر إذا الأمر انبرى     ونزل الجيش على وادي القرى
عشرون ألفا بين كهل وفتى     أجمع سكران من القوم ترى) ( بأختصار عن البداية والنهاية لابن كثير , ج 11 ص614 , ثم دخلت سنة ثلاث وستين)  
تأمل أن شعر يزيد لايكاد يخلو من ذكر الخمر . وفي رواية ابن الاثير كما يلي:
(وخرج يزيد يعرضهم وهو متقلد سيفا متنكب قوسا عربيه وهو يقول
ابلغ ابا بكر اذا الليل سرى وهبط القوم على وادي القرى
اجمع سكران من القوم ترى ام جمع يقظان نفى عنه الكرى
وسار الجيش وعليهم مسلم , فقال له يزيد ان حدث بك حدث فاستخلف الحصين بن نمير السكوني وقال له ادع القوم ثلاثا فان اجابوك والافقاتلهم فاذا ظهرت عليهم فابحها ثلاثا, فكل ما فيها من مال ودابه وسلاح وطعام فهو ملك للجند) (الكامل لابن الاثير ج3 ص 455)
وتهيأ أهل المدينة المنورة ومكة لقدوم جيش الخليفة , فغوروا عيون الماء على الطريق من دمشق الى المدينة حتى يعاني الجيش من ثقل العطش , روى ابن كثير فقال
( وقد بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين الشام فصبوا فيه زقا من قطران وغوروه ، فأرسل الله على جيش الشام السماء مدرارا بالمطر ، فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة) (البداية والنهاية لابن كثير , ج 11 ص614 , ثم دخلت سنة ثلاث وستين, ومثله في الكامل لابن الاثير وكذلك تاريخ الطبري) . تأمل أسلوب ابن كثير أموي الهوى , فهو يقول ( فأرسل الله على جيش الشام مدرارا بالمطر) فهو يوعز للقارئ بأن الله مع جيش الشام ولهذا أنزل عليهم المطر فلم يحتاجوا لماء العيون المغورة في الطريق.
انتهب جيش الطاغية مدينة الرسول واستباحها لثلاثة أيام بلياليها , ثم أجبر الناس على القبول بخلافة يزيد وأنهم خول (عبيد) للخليفة , فصار المسلمون في المدينة رقيقا ليزيد ؟
(فدخل مسلم بن عقبة المدينة فدعا الناس للبيعة على أنهم خول ( عبيد)  ليزيد بن معاوية ، ويحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء) ( البداية والنهاية لابن كثير , ودخلت سنة ثلاث وستين)
(دعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنّهم خول (عبيد) له، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء، فمَن امتنع من ذلك قتله، وطلب الأمان ليزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود، ولمحمّد بن أبي الجهم بن حذيفة، ولمعقل بن سنان الأشجعي، فأُتي بهم بعد الوقعة بيوم، فقال: بايعوا على الشرط، فقال القرشيان: نبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله، فضرب أعناقهما)( الكامل لابن الاثير ج4 ص 118)
وذكر العيقوبي : (فأوقع ( يزيد) بأهلها وقعة الحرة ، فقاتله أهل المدينة قتالاً شديداً وخندقوا على المدينة فرام ناحية من نواحي الخندق فتعذر ذلك عليه ، فخدع مروان بعضَهم فدخل ومعه مائة فارس فأتبعته الخيل حتى دخلت المدينة فلم يبق بها كثير أحد إلا قتل ! وأباح حرم رسول الله(ص)حتى ولدت الأبكار لا يعرف من أولدهن ! ثم أخذ الناس على أن يبايعوا على أنهم عبيد يزيد بن معاوية فكان الرجل من قريش يؤتى به فيقال: بايع على أنك عبدٌ قِنٌّ ليزيد ، فيقول: لا ! فيضرب عنقه ) (تاريخ اليعقوبي ج2 ص 250)
ودون الحلبي :(وجالت الخيل في مسجد رسول الله(ص)وراثت بين القبر الشريف والمنبر ! واختفت أهل المدينة حتى دخلت الكلاب المسجد وبالت على منبره ! ولم يرض أمير ذلك الجيش من أهل المدينة إلا بأن يبايعوه ليزيد على أنهم خَوَلٌ أي عبيدٌ له إن شاء باع وإن شاء أعتق ! حتى قال له بعض أهل المدينة البيعة على كتاب الله وسنة رسوله فضرب عنقه) ( عن جواهر التاريخ ج3 للعلامة الكوراني ونقله عن السيرة الحلبية ج1 ص 268 للحلبي)
وفي رواية ابن حجر: (وقد أفحش مسلم القول والفعل بأهل المدينة وأسرف في قتل الكبير والصغير حتى سموه مسرفا وأباح المدينة ثلاثة أيام لذلك والعسكر ينهبون ويقتلون ويفجرون ثم رفع القتل وبايع من بقي على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية ) ( الاصابة لابن حجر ج6)
كان فعل جيش المدينة تنفيذا لأوامر الخليفة يزيد وقد تقدم تدوين ابن الاثير عندما قال يزيد لقائد جيشه : ( ادع القوم ثلاثا فان اجابوك والافقاتلهم فاذا ظهرت عليهم فابحها –يعني المدينة المنورة- ثلاثا, فكل ما فيها من مال ودابه وسلاح وطعام فهو ملك للجند) (الكامل في التاريخ لابن الاثير ج3 ص 455)
وبلفظ الطبري كما يلي (أدعُ القوم ثلاثاً، فإن أجابوك وإلّا فقاتلهم، فإذا أُظهرت عليهم فأبحها  ثلاثاً، فما فيها من مال أو رقّة أو سلاح أو طعام فهو للجند) ( تاريخ الطبري ج4 ص 372)
وذكر الحافظ بن عقيل :(وفعل مسلم بأهل المدينة ما أريد منه حيث قال له يزيد: يا مسلم لاتردَّنَّ أهل الشام عن شئ يريدون بعدوهم ! فسار بجيوشه من أهل الشام فأخاف المدينة واستباحها ثلاثة أيام بكل قبيح وافتضت فيها نحو ثلاثمائة بكر ، وولدت فيها أكثر من ألف امرأة من غير زوج ! وسماها نتنة وقد سماها رسول الله(ص)طيبة ، وقتل فيها من قريش والأنصار والصحابة وأبنائهم نحو من ألف وسبعمائة وقتل أكثر من أربعة آلاف من سائر الناس ، وبايع المسلمين على أنهم عبيد ليزيد ومن أبى ذلك أمَرَّهُ مسلم على السيف.. إلى غير ذلك من المنكرات !) ( جواهر التاريخ ج3 للعلامة الكوراني, ونقله عن النصائح الكافية لمن يتولى معاوية ص 60 للحافظ محمد بن عقيل)
 وبرواية ابن كثير عن المدائني :(قال المدائني : وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا ، يقتلون الناس ، ويأخذون الأموال . فأرسلت سعدى بنت عوف المرية إلى مسلم بن عقبة تقول : أنا بنت عمك ، فمر أصحابك أن لا يتعرضوا لإبل لنا بمكان كذا وكذا . فقال لأصحابه لا تبدءوا إلا بإبلها . وجاءت امرأة فقالت : أنا مولاتك ، وابني في الأسارى . فقال : عجلوه لها . فضربت عنقه ، وقال : أعطوها رأسه ، أما ترضين أن لا تقتلي حتى تتكلمي في ابنك ؟ ووقعوا على النساء حتى قيل : إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج ) ( البداية والنهاية لابن كثير الدمشق ج11 , ثم دخلت سنة ثلاث وستين)
وروى ابن قتيبة مثلاً على وحشية جيش الخليفة فذكر أن رجلاً من أهل الشام من جيش الخليفة دخل على أمرأة وهي ترضع وليدها فطلب منها ان تعطيه مالا فقالت له : (يا بنيَّ ! والله لو كان عندي شئ لأفتديك به ! قال: فأخذ برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها فضرب به الحائط فانتثر دماغه في الأرض) ( الامامة والسياسة لابن قتيبة ج1 ص 184) وقد أورد العلامة الكوراني في كتابه جواهر التاريخ ج3 مصادر أخرى لهذه الرواية وهي كما يلي ( المحاسن والمساوئ للبيهقي ص39, الروض الانف للسهيلي ج3 ص 409, السيرة الحلبية ج1 ص 268 , سمت النجوم العوالي ص 940, النصائح الكافية ص 62) . ونقول أن هذا المثل على وحشية الجيش وهمجيته ليس بجديد على جيش الخلافة, فقد تقدم ذكر جرائم جيش معاوية وأرعابه للناس حتى ذبحوا الاطفال وكما يلي: 
 (وفي سنة أربعين بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة في جيش ، فسار حتى دخل المدينة ، وأخاف أهلها ، وبقية الأنصار فيها ، وهدم دورا ، ثم سار وأتى اليمن ، ودخل بيت عبيدالله بن العباس ، وفيه ابنان له صغيران ، فذبحهما ، وقتل في مسيرة ذلك جماعة كثيرة من شيعة علي) (تاريخ الطبري أحداث سنة 40) وتم ذكر مصادر الرواية .
هذه نتف من التاريخ تبين  دور يزيد في مدينة النبي محمد (ص) ,تلك المدينة التي أوصى بها النبي خيرا عندما قال : (مَن أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً) ( المعجم الكبير للطبراني ج7 ص143).
انتقم يزيد وجيشه من أهل المدينة وهم الانصار الذين نصروا النبي وفتحوا بيوتهم لمسلمي مكة , فكان انتقامه رد أعتبار لمشركي قريش و لجده أبي سفيان. لقد تخلف المسلمون عن خروج الحسين الى كربلاء  وأختاروا السلامة عن نصرة حفيد النبي وسيد عترته  فنالوا بعد عام من ذلك عذاب الطاغية يزيد , وتلك سنة الاقدار لاتبديل لها والله غالب على أمره.

نتائج الحملة العسكرية على المدينة :
كتب ابن كثير : (قال المدائني عن شيخ من أهل المدينة . قال: سألت الزهري كم كان القتلى يوم الحرة؟ قال: سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار ، ووجوه الموالي وممن لا أعرف من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف . قال: وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين ، وانتهبوا المدينة ثلاث أيام ) . ( البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص 242) . وذكر العلامة الكوراني نقلا عن الدينوري قوله : (قتل من أصحاب النبي ثمانون رجلاً ، ومن قريش والأنصار سبع مئة، ومن سائر الناس من الموالي والعرب والتابعين عشرة آلاف)( جواهر التاريخ ج3 للكوراني العاملي  نقلا عن الامامة والسياسة لابن قتيبة  ج1 ص216) , وتقدم  ذكر جرائم الاغتصاب التي قام بها جيش الطاغية, حيث حبلت أكثر من ألف أمرأة بلا زوج كما روى المؤرخون.




جيش الخليفة يقصف الكعبة بالمجانيق ومشاعل النار  
بعد انتهاء الحملة العسكرية على مدينة النبي (ص) , سار جيش يزيد الى مكة لحرب عبد الله بن الزبير الذي أعتصم بمكة, وفي الطريق يموت قائد الجيش مسلم بن عقبة فيتولى القيادة الحصين بن نمير السكوني حسب أوامر الخليفة ووصيته, كما تقدم ذكره.
حاصر جيش الخليفة مكة لأكثر من شهرين وقذفوا البيت بقذائف الحجر ومشاعل النار , روى الطبري
(قذفوا البيت بالمجانيق، وحرقوه بالنار، وأخذوا يرتجزون ويقولون: خطارة مثل الفنيق المزبد ... نرمي بها أعواد هذا المسجد) (تاريخ الطبري ج3 ص 307)
وروى كذلك عن الكلبي  ( قال هشام: قال أبو عوانة: جعل عمرو بن حوط السدوسي يقول: كيف ترى صنيع أم فروه ... تأخذهم بين الصفا والمروه , يعني بأم فروة المنجنيق.) ( تاريخ الطبري ج3 ص 309). (وكان صاحب الرمي الزبير بن خزيمة الخثعمي من أهل فلسطين، وهو أول من ارتجز بهذين البيتين، قالوا: وجعلوا يقولون:
كيف ترى صنيع أم فروه ... نأخذهم بين الصفا والمروه) ( انساب الاشراف للبلاذري, ذكر حصار مكة). أستعان عبد الله بن الزبير بالخوارج الذي وقفوا معه في سبيل الدفاع عن الكعبة ولما ليم الزبير على مناصرة الخوارج له قال : ( لو أعانتني الشياطين على أهل الشام لقاتلتهم بهم) ( أنساب الاشراف للبلاذري, ذكر حصار مكة), وهذا يبين شخصية ابن الزبير وطبيعة ثورته فالغاية عنده تبررها الوسيلة فهو يستعين بالخوارج وإن كان لايؤمن بما يقولون ويعتصم بمكة ولاتهمه حرمتها .
دَوَّنَ الطبري: (حدثني عروة بن أذينة، قال: قدمت مكة مع أمي يوم احترقت الكعبة قد خلصت إليها النار، ورأيتها مجردة من الحرير، ورأيت الركن قد اسود وانصدع في ثلاثة أمكنة، فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب عبد الله بن الزبير، قالوا: هذا احترقت بسببه، أخذ قبسا في رأس رمح له فطيرت الريح به، فضربت أستار الكعبة ما بين الركن اليماني والأسود. ) ( تاريخ الطبري ج3 ص 308)
كان قصف الكعبة في صالح عبد الله بن الزبير الذي أتخذ الكعبة ملاذا له من جيش يزيد , فغايته هي أن يغضب الناس لما يفعل جيش الطاغية بالكعبة , روى اليعقوبي :
   (وكان عبد الله بن عمير الليثي قاضي ابن الزبير إذا تواقف الفريقان قام على الكعبة فنادى بأعلى صوته: يا أهل الشام هذا حرم الله الذي كان مأمناً في الجاهلية يأمن فيه الطير والصيد فاتقوا الله يا أهل الشام ! فيصيح الشاميون: الطاعة الطاعة ! الكرة الكرة ! الرواح قبل المساء ! فلم يزل على ذلك حتى أحرقت الكعبة فقال أصحاب ابن الزبير: نطفئ النار فمنعهم وأراد أن يغضب الناس للكعبة ! فقال بعض أهل الشأم: إن الحرمة والطاعة اجتمعتا فغلبت الطاعة الحرمة ! وكان حريق الكعبة في سنة 63) ( تاريخ اليعقوبي ج2 ص 251) . تأمل مكر ابن الزبير  , فقدسية البيت ليست بمحل عنده , فما يهمه هو سعيه نحو المنصب.



هلاك الطاغية
دوَّنَ الطبري نقلا عن الواقدي : (سار الحصين بن نمير حين دفن مسلم بن عقبة بالمشلل لسبع بقين من المحرم، وقدم مكة لأربع بقين من المحرم، فحاصر ابن الزبير أربعا وستين يوما حتى جاءهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر.) ( تاريخ الطبري ج3 ص309)
بعد وصول خبر هلاك الطاغية يزيد , يتوقف القتال في مكة ويعرض الحصين بن نمير السكوني على ابن الزبير أن يكون هو الخليفة !
(فقال له الحصين: إن يك هذا الرجل (يزيد) قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر؛ هلم فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام، فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه أهل الشأم وفرسانهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان، وتؤمن الناس وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك، والتي كانت بيننا وبين أهل الحرة؛) ( تاريخ الطبري ج3 ص 310)
فلم يقبل ابن الزبير بذلك العرض السريع وتلكأ قائلا : ( أما أن أسير إلى الشأم فلست فاعلا، وأكره الخروج من مكة، ولكن بايعوا لي هنالك فإني مؤمنكم وعادل فيكم. فقال له الحصين: أرأيت إن لم تقدم بنفسك، ووجدت هنالك أناسا كثيرا من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم الناس، فما أنا صانع؟) (تاريخ الطبري ج3 ص 308).
بعد ذلك ارتحل جيش الحصين السكوني عن مكة وذهب الى المدينة ليحمل معه بني أمية ثم يعود الى الشام. 
(وقالت لهم بنو أمية: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشأم، ففعلوا، ومضى ذلك الجيش حتى دخل الشأم، وقد أوصيى يزيد بن معاوية بالبيعة لابنه معاوية ابن يزيد، فلم يلبث إلا ثلاثة أشهر حتى مات؟) ( تاريخ الطبري ج3 ص 310)
بعد عودة جيش الطاغية الى الشام , هدم ابن الزبير الكعبة وبناها من جديد وكما يلي :
(فلما ارتحل ابن نمير هدم ابن الزبير ما حول الكعبة حتى بدت وأمر بالمسجد فكنس مما فيه من الحجارة، وإذا الكعبة ترتج وإذا الركن قد أسود من النار، فشاور في هدمها، فأشار عليه جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن عمر بهدمها، وكره ذلك ابن عباس وقال: أخاف أن يأتي من بعدك فيهدمها، فجمع ابن الزبير الفعلة فهدمها إلى الأرض ثم بناها،  ) ( انساب الاشراف للبلاذري, باب حصار مكة ج2 ص 200 طبعة النت). بقي ابن الزبير معتصما بمكة حتى عهد عبد الملك بن مروان الذي أمر الحجاج بن يوسف الثقفي بحصارالكعبة ,وضربها الحجاج بالمنجنيق ومشاعل النار كما فعل من قبله الحصين السكوني  وقتل ابن الزبير وصلبه في مكة, وكان ذلك في عام 73 هجرية ( بتصرف عن البداية والنهاية لابن كثير ج12 , باب ودخلت سنة 73 هجرية). وسيأتينا فيما بعد  تفصيل أكثر, وشئ من سيرة عبد الله بن الزبير في فصل (أعداء النبي) .

سبب هلاك يزيد
هلك يزيد وله من العمر سبعة وثلاثون عاما! فما هو سبب موته؟
( مرض يزيد بن معاوية بعد ولايته الأمر بسنتين من كبده، فلما برئ واستقل قال لحسان بن مالك بن بحدل: إني أريد البيعة لمعاوية بن يزيد ( ابنه)) ( أنساب الاشراف للبلاذري ج2 خبر يزيد) . ونقول أن يزيدا تولى الخلافة بين ثلاث الى أربع سنين( ولي يزيد سنة ستين وهلك بحوارين بعد ثلاث سنين وأشهر) ( انساب الاشراف ج2, باب خبر يزيد) ,ومرضه في الكبد أصابه بعد سنتين من خلافته ثم لم يلبث أن مات بعدها بسنة وهذا يبين أنه لم يبرأ من مرضه كما في النص بل مات بعدها بسنة, ومرض الكبد يصيب المدمنين على الخمر وتلك علة يزيد السكير, فهو لم يفارق الخمرة حتى في ساعاته الاخيرة
قال ابن عرادة في هلاك يزيد
(أبني أمية إن آخر ملككم ... جسد بحوارين ثم مقيم
طرقت منيته وعند وساده ... كوب وزق راعف مرثوم
ومرنة تبكي على نشوانه ... بالصنج تقعد تارة وتقوم) (تاريخ الطبري ج3 ص 329 , أنساب الاشراف للبلاذري ج 2), ومرثوم تعني يقطر دماَ ,أو دم على الانف أو ملطخ بالدم أو بالطيب كما في لسان العرب لابن منظور, فكأنه جعل الخمرة في قدح  يزيد مثل الدم في الانف المرثوم ( النازف) , أي أنه مشبع منقوع بالخمرة على الدوام, والصنج هو الدف أو العود كما في قاموس الصحاح في اللغة.  والابيات واضحة في أن الاجل قدم يزيد وهو في نشوة الشراب بين أكواب الخمرة وزقها وجواري يغنين يعزفن بالصنج , وأن وهلاكه كان في قرية أخواله وهي قرية حوارين ,
(وقال الواقدي: قيل لأبي مسلم الخولاني يوم مات يزيد: ألا تصلي على يزيد؟ فقال: يصلي عليه ظباء حوارين؛ وقال غيره: دفن بحوارين.) ( انساب الاشراف ج2, باب خبر يزيد) .
أبومسلم الخولاني هو قاضي الدولة , وقوله : (يصلي عليه ظباء حوارين ), يبين أنه لم يصل على يزيد ,وقوله الساخر هذا يتضمن أن يزيدا لايستحق أن تقام عليه صلاة الميت, فتأمل.
رثا يزيد شاعر البلاط وهو الشاعرالاخطل وكان من ندمان يزيد السكارى فقال: (مقيم بحوارين ليس ببارحٍ ... سقته الغوادي من ثوي ومن قبر) ( انساب الاشراف ج2 , خبر يزيد) 
 اتفق المؤرخون على أن يزيد هلك وعمره أقل من ثمان وثلاثين سنة وأتته المنية في مجونه سكراناً وهو في مدينة أخواله حوارين بعيدا عن عاصمة الدولة دمشق. وفصل البلاذري في موتته فذكر: (خرج يزيد يتصيد بحوارين وهو سكران ، فركب وبين يديه أتان وحشية قد حمل عليها قردًا وجعل يركض الأتان ويقول : أبا خلفٍ احتل لنفسك حيلة فليس عليها إن هلكت ضمان فسقط فاندقت عنقه) ( أنساب الاشراف للبلاذري ج2, باب خبر يزيد). حكم يزيد ثلاث الى أربع سنين, استهل حكمه بفاجعة كربلاء وفي سنته الثانية أستباح جيشه مدينة النبي (ص) وفي سنته الاخيرة قصف جيشه كعبة المسلمين بمشاعل النار وبالحجارة, فيالها من سنين شؤم فتحت على المسلمين  فجائع أخرى تلتها أيام الخلفاء من بعده.

 صرخة حق في قصر الطاغية بدمشق  
بعد هلاك  يزيد بن ميسون, بويع لإبنه معاوية بن يزيد وكان عمره ثلاث وعشرين وفي بعض الرويات أقل من عشرين عاماً ,
( مرض يزيد بن معاوية بعد ولايته الأمر بسنتين من كبده، فلما برئ واستقل قال لحسان بن مالك بن بحدل: إني أريد البيعة لمعاوية بن يزيد، قال: فافعل، فدعاه يزيد فصافقه بولاية العهد، وبايع له حسان بن مالك والناس، وكان معاوية ركيكاً ليناً فكني أبا ليلى، وهي كنية كل ضعيف.) ( أنساب الاشراف ج2 , خبر يزيد) . تأمل نفوذ حسان بن مالك الكلبي في الدولة , وحسان بن مالك هذا كما تقدم هو ابن أخت ميسون أم الخليفة السكير يزيد ,وسنرى مزيدا من تحكمه ونفوذه في دولة بني أمية .
 كان موقف معاوية بن يزيد ويسمى بمعاوية الثاني  مفاجأة لبني أمية, فما أن تسدى معاوية كرسي الخلافة بعد هلاك أبيه يزيد حتى عرض أستقالته أمام الناس!
 كتب البلاذري :( ولى يزيد بن معاوية معاوية بن يزيد ابنه الخلافة بعده وكان كارهاً لها، فلما مات أبوه خطب الناس فقال: إن كانت الخلافة خيراً فقد استكثر آل سفيان منه، وإن كان شراً فلا حاجة لنا فيه، فاختاروا لأنفسكم إماماً تبايعونه هو أحرص على هذا الأمر مني واخلعوني فأنتم في حل من بيعتي) ( انساب الاشراف ج2 , خبر يزيد)
وفصل ابن أبي الحديد فذكر قوله :
( إن هذه الخلافة حبل الله وإن جدي معاوية نازع الأمر أهله، ومن هو أحق به منه، علي بن أبي طالب، وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته فصار في قبره رهينا بذنوبه، ثم قلد أبي-( يعني به يزيد)- الأمر، وكان غير أهل له، ونازع ابن بنت رسول الله-(يعني بذلك الحسين بن علي)- فقصف عمره، وانبتر عقبه، وصار في قبره رهينا بذنوبه ثم بكى.) ( النص عن كتاب الغدير للعلامة الاميني ونقله عن الصواعق لابن حجر ص 134)( وكذلك  في شرح النهج لابن ابي الحديد ج  6 ص 152 ,  البدء والتاريخ المقدسي ج 6 ص 16, تاريخ اليعقوبي ج2 ص 253), وهذه مفاجأة  لبني أمية, فالخليفة الجديد يكشف زيف الدولة ويكشف أن مؤسسها معاوية  منتحل للخلافة وكذلك ابنه يزيد , ثم يقول ان منصب الخلافة للأمام علي بن أبي طالب, ومن بعده للأمام الحسين بن علي . وتلك طامة كبرى لبني أمية ولمن ماقبلهم, أولئك الذين أنتحلوا الخلافة . هرع مروان بن الحكم الى الخليفة الجديد غاضباً على ماقاله في خطبته فأنتهره! وكان مما دار بينهما مايلي 
( دخل مروان بن الحكم على معاوية بن يزيد فقال له: لقد أعطيت من نفسك ما يعطي الذليل المهين، ثم رفع صوته فقال: من اراد أن ينظر في خالفة آل حرب بن أمية فلينظر إلى هذا، فقال له معاوية: يا بن الزرقاء اخرج عني لا قبل الله لك عذراً يوم تلقاه.)( انساب الاشراف ج2 , خبر يزيد). الزرقاء هي جدة مروان بن الحكم وكانت مومسا من صاحبات الرايات في مكة وسيأتينا تفصيل ذلك في سيرة مروان في فصل ( أعداء النبي ), فالخليفة الجديد يُعير مروانا بجدته العاهرة .
كان تولي معاوية بن يزيد مفاجئة غير مرغوبة عند  المحرفين الظلمة , لقد صدح هذا الرجل بالحق وسبحان الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي , فقد خرج معاوية الثاني من نسل موتى في قلوبهم وعقولهم لكنه عاش حرا فرفض الملك والجاه ونادى بحق آل محمد في الحكم , ويقينا لهذا السبب قيل أنه كان لينا ضعيفا فلقد أرادوا الحط من مقامه لمعرفته حق آل بيت النبي (ص)!  فهل يترك الأمويون واصحاب المصالح والقائمون على الدولة كحسان بن مالك بن بحدل الكلبي ومروان بن الحكم هذا الرجل الحر حياً؟
لم تترك آلة الاغتيالات الاموية  الحفيد معاوية بن يزيد فمات بظروف غامضة وهو لما يبلغ الثالثة والعشرين من العمر, فيُروى أنه:
(قد تُنوزِع في سبب وفاته، فمنهم من رأى أنّه سقي شربة، ومنهم من رأى أنّه حتف أنفه، ومنهم من رأى أنّه طُعن! وقبض وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، ودفن بدمشق، وصلّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ليكون الأمر له من بعده، فلمّا كبَّر الوليد بن عتبة  الثانية طُعن  فسقط ميّتاً قبل تمام الصلاة)(نظريات عثمان للعلامة الطائي ج1 فصل 4 ونقله عن شرح النهج لابن أبي الحديد ج6 ص152, البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص 260) . تأمل أن الذي صلى عليه هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان الذي يلم يلبث أن أتته المنية ونالته آلة الاغتيالات أيضاً.
أورد المقدسي : (فلما بايعه الناس ( بايعوا معاوية بن يزيد) قال للمقصوص (معلمه) : ما ترى؟ قال: إما أن تعتدل وإما أن تعتزل . فخطب معاوية فقال: إنا بلينا بكم وابتليتم بنا وإن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى به وأحق فركب منه ما تعلمون حتى صار مرتهناً بعمله ثم تقلده أبي ولقد كان غير خليق به فركب ردعه واستحسن خطأه ، ولا أحب أن ألقى الله بتبعاتكم فشأنكم وأمركم ولوه من شئتم ، فوالله لئن كانت الخلافة مغنماً لقد أصبنا منها حظاً وإن كانت شراً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها ! ثم نزل وأغلق الباب في وجهه وتخلى للعبادة حتى مات بالطاعون في سنة أربع وستين عن اثنتي وعشرين سنة... فوثب بنو أمية على عمرو المقصوص وقالوا أنت أفسدته وعلمته ! فطمروه ودفنوه حياً ) (جواهر التاريخ ج3 للعلامة الكوراني ونقله عن البدء والتاريخ للمقدسي ج6 ص 16). تأمل ( فطمروه حياً) ! تعذيب في القتلة جزاء على تربيته لمعاوية الثاني , فعمرو المقصوص كان مؤدباً لمعاوية الثاني فكان جزاءه الدفن حياً. وفي رواية الدميري كما يلي: ( ثم إن بني أمية قالوا لمؤدبه عمر المقصوص: أنت علمته هذا ولقنته إياه وصددته عن الخلافة ، وزينت له حب علي وأولاده ، وحملته على ما وسمَنا به من الظلم ، وحسَّنت له الباع حتى نطق بما نطق وقال ما قال ! فقال: والله ما فعلته ولكنه مجبول ومطبوع على حب علي ! فلم يقبلوا منه ذلك وأخذوه ودفنوه حياً حتى مات ) ( جواهر التاريخ ج 3 للعلامة الكوراني نقلاً عن كتاب حياة الحيوان للدميري ج1 ص 98).  هذا النص الجلي يبين أن معاوية الثاني نشأ على حب الامام علي بن أبي طالب وعلى ولايته وأدرك أن آل النبي (ص) هم أولى بالخلافة وفقاً لوصية النبي (ص) , لذلك  لم يدل بالخلافة لأخيه خالد أو أي من بني أمية وكما يلي:
(فلما احتضر (معاوية الثاني)  قيل له: لو بايعت لأخيك خالد بن يزيد فإنه أخوك لأبيك وأمك، فقال: يا سبحان الله كفيتها حياتي وأتقلدها بعد موتي؟! يا حسان بن مالك اضبط ما قبلك وصل بالناس إلى أن يرضى المسملون بإمام يجتمعون عليه.) ( أنساب الاشراف للبلاذري ج2 ص 205, باب خبر يزيد). ان حب الامام علي بن أبي طالب ومعرفة حقه في الامامة ومعرفة حق ولده الحسين بن علي شهيد كربلاء كان له تأثيرا كبيرا على وصية معاوية الثاني, فقد ادرك رحمه الله أن آل محمد (ص) هم أولى بالخلافة , ولم يكن لمنصب الخلافة  سوى معاصره الامام السجاد علي بن الحسين بن علي (الناج من مذبحة كربلاء التي تقدم ذكرها , وستأتي نتف من سيرته فيما بعد) , وتلك طامة كبرى عند بنو أمية وغيرهم, فهذه المفاهيم تهدم صرح الخلافة الأموية , فلم يكن سوى الأغتيال جواباً لكلامه. بعد وفاته قام بأمور الدولة حسان بن مالك بن بحدل بن اخو ميسون أم الخليفة يزيد وهذا يبين تحكم قبيلة كلب وآل بحدل بدولة بني أمية كما تقدم في سيرة معاوية.
(حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: سُلم على حسان بن مالك بن بحدل أربعين ليلة بالخلافة، ثم سلمها إلى مروان وقال (حسان): فإلا يكن منا الخليفة نفسه ... فما نالها إلا ونحن شهود .وقال بعض الكلبيين: نزلنا لكم عن منبر الملك بعد ما ... ظللتم وما إن تستطيعون منبراً) ( أنساب الاشراف  ج 2 ص 313, سير اعلام النبلاء ج3 ص 538).





الصراع على الملك
بعناد منقطع النظير يصر الكثير من المتقدمين والمتأخرين في التاريخ على أن للأسلام دولة عادلة مستقرة قامت على أيدي صحابة النبي الكرام, وأن أمور الحياة كانت تسير بانسياب ورحمة وتعاضد بين المسلمين, ولم يكن هناك خروج عن نصوص الدين بل دولة جامعة مانعة  حكمت بأمر الله وطبقت شريعته !  ويبالغ البعض في أن الخلافة كانت مستمرة في ازدهارها وعدالتها منذ رحيل النبي حتى سقوط آخر خليفة عثماني؟ وهو قول يثير العجب عند المطلع على حوادث التاريخ, ولكن مانقوله هو واقع موجود والمؤمنون بهذه الاراء في عهدنا كثيرون, منهم التكتلات والاحزاب الاسلامية المشهورة كحزب التحرير وحزب الاخوان المسلمين والحركات السلفية وغيرهم. لقد روج المضللون كتابات جديدة مجملة تأخذ بالتعميم في مفاهيمها وتتغاضى عن دموية التاريخ الاسلامي وعن صراعات الحكم فيه ,وكتبوا كراريس صغيرة سطروا فيها  ما يتمنون أن يكون التاريخ , فكانت كتاباتهم  لاتمت لواقع التاريخ بصلة بل هي أحلام وتأملات لرجال أوحى بعضهم لبعض زخرف القول غروراً , وحفظ تلك الكراريس الزائفة  شباب مغرر بهم  وتعصبوا لها وظنوا أنها الحقيقة الكاملة . ان نظرة بسيطة على ماحدث منذ يوم السقيفة الى نهاية عهد يزيد يرينا عهدا دموياً حافلا بالمؤامرات والصراعات على الحكم ,تخللته اغتيالات وتصفيات ومذابح لرعايا الدولة المسلمين وبيعهم في سوق النخاسة كرقيق أو زجهم في سجون جماعية ومقاتل عظيمة ترعب الوحوش. ولاندري كيف يكون ذلك التاريخ تاريخا نظيفا قائما على دين الله وفيه ما رأينا من نتف ومقاطع مختصرة  , أما تفاصيل ذلك في كتب التاريخ فهي أعظم ,ويجدها الطالب إن سعى لذلك.
إن الجريمة الكبرى والمؤامرة العظمى كانت يوم السقيفة , فالذين اغتصبوا الخلافة وخانوا النبي (ص) هم المؤسسون للهرج الذي مر ويمر به المسلمون إلى يومنا هذا , فرجال عصبة السقيفة لهم شرك في كل  دم أريق ومال أغتصب وحق غُمط  في كل جيل وفي كل عهد , فهم الذين سنوا وقننوا أصول الباطل ! إذا كان يزيد أستباح المدينة وجعل أهلها عبيدا وأغتصب جيشه النساء المسلمات فيها, فما فعله أبوه معاوية كان مثل ذلك وتقدمت سيرة معاوية وأرعابه لرعايا الدولة بعصاباته واغتيالاته للصحابة , ولم يكن فعل معاوية بجديد كذلك فقد تقدم ذكر الاغتيالات في عهد عمر( راجع فصل عمر) ,وتصفية الصحابة في عهد الثالث عثمان ,وتقدم ذكر حروب تثبيت حكم الخليفة الاول , تلك التي سميت بحروب الردة وفيها أسر جيش الخليفة مئات من أهل اليمن المسلمين ليسجنوا بلا ذنب ولاسبب ( راجع فصل أبوبكر). إن الانحراف أو الفساد  يبدأ من نقطة ثم ينمو ويتكاثر وتُبنى عليه مفاهيم وتُسن قوانين, ولكن ماالفائدة من فخامة البناء إذا بني على باطل وعلى أساس جرف هار.
تقدم ذكر أعتصام عبد الله بن الزبير في مكة وكان أن بايع لنفسه خليفة على المسلمين , ولما مات معاوية بن يزيد في دمشق تولى حسان بن بحدل الكلبي أمور الدولة  وولاية العهد لأن أولاد يزيد الاخرين كانوا غير متأهلين للخلافة لصغر سنهم وسفاهتم  فخالد بن يزيد بن معاوية كان صغيراً , وأخيه عبد الله كان من الحمقى وهكذا تنفذ بنو كلب أخوال يزيد في الدولة كما تقدم ذكره . في تلك الاضطرابات هرع مروان بن الحكم وبنوه من المدينة المنورة الى دمشق طمعا بالخلافة !

روى اليعقوبي
(، فلما توفي يزيد بن معاوية مال الناس من البلدان جميعاً إلى ابن الزبير، وكان بمصر عبد الرحمن بن جحدم الفهري عاملاً لابن الزبير، وأهل مصر في طاعته، وبفلسطين ناتل بن قيس الجذامي، وبدمشق الضحاك بن قيس الفهري، وبحمص النعمان بن بشير الأنصاري، وبقنسرين والعواصم زفر بن الحارث الكلابي، وبالكوفة عبد الله بن مطيع، وبالبصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وبخراسان عبد الله بن خازم السلمي، ولم تبق ناحية إلا مالت إلى ابن الزبير خلا الأردن، ورئيسها يومئذ حسان بن بحدل الكلبي. ) ( تاريخ اليعقوبي ج1 ص211)
انقسم الناس بعد اغتيال معاوية بن يزيد فصاروا بين مؤيد لعبد الله بن الزبير في مكة وبين مؤيد للحاكم الفعلي وهو حسان بن مالك بن بحدل الكلبي وعشيرته عشيرة كلب وهي عشيرة ميسون بنت بحدل أم الخليفة السكير يزيد , وكان الضحاك بن قيس رئيس شرطة الدولة في دمشق مؤيداَ لعبد الله بن الزبير في مكة ويعارضه في ذلك حسان الكلبي وعشيرته , ينقل الطبري صورا من الاحداث في عاصمة الدولة التي كانت بلا خليفة فيروي عن الصراع بين حسان الكلبي وبين أنصار عبد الله بن الزبير  :
(فقام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فصدق حسانا وكذب ابن الزبير وشتمه، وقام يزيد بن أبي النمس الغساني. فصدق مقالة حسان وكتابه، وشتم ابن الزبير، وقام سفيان بن الأبرد الكلبي فصدق مقالة حسان وكتابه، وشتم ابن الزبير. وقام عمرو بن يزيد الحكمي فشتم حسان وأثنى على ابن الزبير، واضطرب الناس تبعا لهم، ثم أمر الضحاك بالوليد بن عتبة ويزيد بن أبي النمس وسفيان ابن الأبرد الذين كانوا صدقوا مقالة حسان وشتموا ابن الزبير فحُبسوا، وجال الناس بعضهم في بعض، ووثبت (قبيلة)  كلب على عمرو بن يزيد الحكمي فضربوه وحرقوه بالنار، وخرقوا ثيابه. وقام خالد بن يزيد بن معاوية فصعد مرقاتين من المنبر وهو يومئذ غلام، والضحاك بن قيس على المنبر، فتكلم خالد بن يزيد بكلام أوجز فيه لم يسمع مثله، وسكن الناس ونزل الضحاك فصلى بالناس الجمعة، ثم دخل فجاءت كلب فأخرجوا سفيان بن الأبرد، وجاءت غسان فأخرجوا يزيد بن أبي النمس، فقال الوليد بن عتبة: لو كنت من كلب أو غسان أخرجت. قال: فجاء ابنا يزيد بن معاوية: خالد وعبد الله؛ معهما أخوالهما من كلب فأخرجوه من السجن، فكان ذلك اليوم يسميه أهل الشأم يوم جيرون الأول. وأقام الناس بدمشق، وخرج الضحاك إلى مسجد دمشق، فجلس فيه فذكر يزيد بن معاوية، فوقع فيه، فقام إليه شاب من كلب بعصا معه فضربه بها، والناس جلوس في الحلق متقلدي السيوف، فقام بعضهم إلى بعض في المسجد، فاقتتلوا؛ قيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك، وكلب تدعو إلى بني أمية ثم إلى خالد بن يزيد، ويتعصبون ليزيد، ودخل الضحاك دار الإمارة، وأصبح الناس فلم يخرج إلى صلاة الفجر، وكان من الأجناد ناس يهوون هوى بني أمية، وناس يهوون هوى ابن الزبير، فبعث الضحاك إلى بني أمية فدخلوا عليه من الغد، فاعتذر إليهم، وذر حسن بلائهم عند مواليه وعنده، وأنه ليس يريد شيئا يكرهونه) ( تاريخ الرسل والملوك ج 3 ص 323).
 لاحظ التحالف بين قبائل النصارى في الدولة وهي غسان وكلب ولخم فهم على جانب أولاد يزيد بن معاوية لقرابتهم فهم اخواله , وتأمل فوضى الصراع على الملك, فليس للأمر أدنى علاقة بالدين وبتعاليم السماء.

قدوم مروان بن الحكم الى سوريا ( الشام)
بعد صعود نجم عبد الله بن الزبير في مكة هرب مروان بن الحكم وعشيرته من المدينة المنورة وقصد الشام  حيث دار الخلافة. 
روى اليعقوبي  (وكان روح بن زنباع الجذامي يميل مع مروان، فقام خطيباً، فقال: يا أهل الشام! هذا مروان بن الحكم شيخ قريش، والطالب بدم عثمان، والمقاتل لعلي بن أبي طالب يوم الجمل، ويوم صفين، فبايعوا الكبير، واستنيبوا للصغير، ثم لعمرو بن سعيد. فبايعوا لمروان بن الحكم، ثم لخالد بن يزيد، ثم لعمرو بن سعيد. فلما عقدوا البيعة جمعوا من كان في ناحيتهم، ثم تناظروا في أي بلد يقصدون، فقالوا: نقصد دمشق، فإنها دار الملك، ومنزل الخلفاء، وقد تغلب بها الضحاك بن قيس. فقصدوا دمشق، فلقوا الضحاك بمرج راهط، وكان مع الضحاك من أهل دمشق وفتينهم جماعة، وقد أمده النعمان بن بشير عامل حمص بشر حبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص، وأمده زفر بن الحارث الكلابي بقيس بن طريف بن حسان الهلالي، والتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل الضحاك بن قيس وخلق من أصحابه، وهرب من بقي من جيشه. ) ( تاريخ اليعقوبي ج1 ص211) , تأمل مدح روح بن زنباع لمروان فهو يقول فيه :( والمقاتل لعلي بن أبي طالب يوم الجمل!), فيالانقلاب الموازين وتضارب الازمنة ,متى كان المحارب لأمير المؤمنين علي من الفائزين الطيبين, ومن يحارب علياً سوى الخبثاء والفسقة.
روى الطبري(وكان يزيد بن أبي النمس الغساني لم يشهد الجابية؛ وكان مختبئا بدمشق، فلما نزل مروان مرج راهط ثار يزيد ابن أبي نمس بأهل دمشق في عبيدها، فغلب عليها، وأخرج عامل الضحاك منها، وغلب على الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان وأمده بالأموال والرجال والسلاح، فكان أول فتح فتح على بني أمية. قال: وقاتل مروان الضحاك عشرين ليلة  ثم هزم أهل المرج، وقتلوا وقُتل الضحاك)( الرسل والملوك للطبري ج3 ص 324), لاحظ دور الغساسنة وهم من نصارى العرب في نصرة بنو أمية .
بعد معركة مرج راهط الدموية ومقتل الضحاك بن قيس  بايع حسان الكلبي مروان بن الحكم خليفة على المسلمين وكما يلي
(فدعا حسان ابن مالك بن بجدل خالد بن يزيد فقال: أبني أختي، إن الناس قد أبوك لحداثة سنك، وإني والله ما أريد هذا الأمر إلا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مروان إلا نظرا لكم؛ فقال له خالد بن يزيد: بل عجزت عنا، قال: لا والله ما عجزت عنك، ولكن الرأي لك ما رأيت. ثم دعا حسان بمروان فقال: يا مروان، إن الناس والله ما كلهم يرضى بك، فقال له مروان: إن يرد الله أن يعطينها لا يمنعني إياها أحد من خلقه، وإن يرد أن يمنعنيها لا يعطنيها أحد من خلقه. قال: فقال له حسان: صدقت، وصعد حسان المنبر يوم الاثنين، فقال: يأيها الناس، إنا نستخلف يوم الخميس إن شاء الله؛ فلما كان يوم الخميس بايع لمروان، وبايع الناس له، وسار مروان إلى الجابية في الناس حتى نزل مرج راهط على الضحاك في أهل الأردن من كلب، وأتته السكاسك والسكون وغسان، وربع حسان بن مالك بن بحدل إلى الأردن) ( تاريخ الطبري ج3 ص 324). أما قول حسان لخالد بن يزيد : ( أبني أختي) فهو يقصد بها أنهم أولاد ميسون الكلبية أم يزيد التي هي من عشيرة حسان بن مالك فهي خالة حسان  في الدم. تأمل تحكم حسان بن مالك الكلبي في الدولة , وتأمل أنصاره من نصارى العرب وهم السكاسك والسكون وغسان وغيرها وفي ذلك يقول مروان بن الحكم حين بويع له ودعا إلى نفسه:
لما رأيت الأمر أمرا نهبا ... سيرت غسان لهم وكلبا
والسكسكيين رجالا غلبا ... وطيئا تأباه إلا ضربنا
والفين تمشي في الحديد نكبا ... ومن تنوخ مشمخرا صعبا
لا يأخذون الملك إلا غصبا ... وإن دنت قيس فقل لا قربا
( تاريخ الطبري ج3 ص 324) , قبائل غسان وكلب والسكاسك وتنوخ وبعض من طئ هي قبائل العرب النصرانية المعروفة في الشام , وهذا يعيدنا الى قول الكاتب أغناطيوس الذي تقدم ذكره حين قال (وكانت القبائل المسيحيّة العربيّة سند الدولة الأمويّة وساهمت في الانتصار الذي حقّقه الأمويّون في معركة مرج راهط عام 684. وكان مروان قد احتاط بشرطة خاصة لحمايته مؤلّفة من مائتي مسيحي عربي من منطقة ايلاة العقبة ) وهي حقيقة طالما تجاهلها الكتاب والباحثون في سبيل تلميع صورة الدولة الاموية وأظهارها بمظهر دولة الأسلام , لكن الحقائق تصفع كل غافل ومخدوع لتفرض شواهد التاريخ على الاكاذيب المزخرفة.
ان دفة الدولة وقيادتها كانت بأيدي أخوال يزيد النصارى من كلب وعلى رأسهم حسان بن مالك بن بحدل الكلبي وفي ذلك قال الشاعر عويج الطائي يمدح بني بحدل :
لقد علم الأقوام وقع ابن بحدل ... وأخرى عليهم إن بقي سيعيدها
يقودون أولاد الوجيه ولاحق ... من الريف شهرا ما يني من يقودها
فهذا لهذا ثم إني لنافض ... على الناس أقواما كثيرا حدودها
فلولا أمير المؤمنين لأصبحت ... قضاعة أربابا وقيس عبيدها
) ( تاريخ الطبري ج3 ص 330)
, الشاعر يمدح أولاد بحدل الكلبي ويمدح مروان بن الحكم في نصرته لقبيلة قضاعة وإبعاده لقبيلة قيس , وقضاعة كما تقدم قبيلة عربية نصرانية كما روى اليعقوبي ( كانت قضاعة أول من قدم الى الشام من العرب , فدخلوا في دين النصرانية , فمَّلَكهم ملك الروم على بلاد الشام والعرب)( تاريخ اليعقوبي ج1 ص 234), ومن بطون قضاعة كلب ولخم وغيرها من قبائل نصارى العرب في الشام.. وقال زفر بن الحارث يذم حسانا بن بحدل ويمدح عبد الله بن الزبير
(أفي الله أما بحدل وابن بحدل ... فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل!
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما يكن يوم أغر محجل
) ( تاريخ الطبري ج3 ص 329)
تأمل الفوضى التي تمر بها البلاد , فابن الزبير في مكة يعلن أنه الخليفة, ومعارك في سوريا بين مروان بن الحكم والضحاك بن قيس , ثم تأمل كيف يتقاسم الناس الملك فالناس يبايعون لمروان بن الحكم على أن الخلافة من بعده لخالد بن يزيد ثم لعمرو بن سعيد, فلا تشريع يحكم ولاقانون يطاع أنما هي صراعات قبلية وتسابق نحو الملك والسلطان والغلبة للقوي دون أي أعتبار لشرع أو دين, وهذا دليل من دلائل  فساد نظام الحكم في دولة الخلافة, فالذين أغتصبوا الخلافة بعد رحيل النبي استمر نهجهم للذين من بعدهم, فلاحكم للدين في ذلك أنما الدنيا لمن غلبا.
بعد موقعة مرج راهط سعى مروان لتثبيت حكم دولته الجديدة المترامية الاطراف والتي تسير بلاخليفة ولاقائد, فقصد فلسطين ثم مصر, يروي اليعقوبي :
(ثم خرج مروان يريد مصر، فلما سار إلى فلسطين وجد ناتل بن قيس الجذامي متغلباً على البلد، وأخرج روح بن زنباع، فحاربه، فلما لم يكن لناتل قوة على محاربة مروان هرب، فلحق بابن الزبير، وسار مروان يريد مصر حتى دخلها، فصالحه أهلها، وأعطوه الطاعة، وأخرج ابن جحدم الفهري، عامل ابن الزبير، وقيل اغتاله فقتله، وقتل أكيدر بن حمام اللخمي، واستعمل عليها ابنه عبد العزيز بن مروان وانصرف ) ( تاريخ اليعقوبي ج1 ص211).
بعد عودة مروان من مصر وهو في طريقه لدمشق عرف أن حسان بن بحدل الكلبي قد بايع عمرو بن سعيد بالخلافة كخليفة لمروان بن الحكم, تأمل تحكم حسان الكلبي في دولة المسلمين فهو يعين مروان خليفة ثم يعين خليفة للخليفة تحسبا من مقتل مروان ولايستشير في ذلك أحد ! روى اليعقوبي  (ولما صار مروان إلى الصنبرة من أرض الأردن، منصرفا من مصر، بلغه أن حسان بن بحدل قد بايع عمرو بن سعيد، فأحضره فقال له: قد بلغني أنك بايعت عمرو بن سعيد، فأنكر ذلك، فقال له: بايع لعبد الملك ( عبد الملك هو ابن مروان)، فبايع لعبد الملك، ثم بعده لعبد العزيز بن مروان ) ( اليعقوبي ج1 ص212) , يترك مروان خصمه عمرو بن سعيد هذه المرة وأجَّلَ قتله لما بعد وهو ماسيأتينا.
صار مروان بن الحكم خليفة على دولة الاسلام في الشام ومصر وشمال العراق وصار عبد الله بن الزبير خليفة على دولة الاسلام في جزيرة العرب أما العراق فكان خارج سيطرتهما  حيث ظهرت حركة ترفض حكم بني أمية وحكم ابن الزبير وطالبت الحركة بدم الحسين شهيد كربلاء, واستمر الحال هذا لسنين طويلة , يحكم الناس خليفتان متحاربان , وتحققت نبوءة الامام علي بن أبي طالب عندما قال في مروان  ( أوَلم يبايعني بعد قتل عثمان؟! لاحاجة لي في بيعته! إنها كف يهودية لو بايعني بكفه لغدر بسُبَّته! أمَا إن له إمرةً كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبو الأكبش الأربعة وستلقى الأمة منه ومن ولده يوماً أحمر). ( راجع فصل الامام علي , عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص 123). 
فلم يحكم مروان بن الحكم سوى ( تسعة اشهر) وهي مصداق قول الامام علي فيه ( إن له أمرة كلعقة الكلب أنفه),  ثم مات مخنوقا بمخدات الجواري وقد تقدم ذكره ,وستأتي سيرة مروان  في فصل ( أعداء النبي), لنرى أن مروان بن الحكم هو طريد النبي الكريم (ص), فقد طرد النبي أباه الحكم بن أبي العاص  وخرج مروان مع أبيه مطرودا من المدينة الى الطائف . فيا لدورة الازمنة وتقلباتها , لقد تخلت الامة عن الامام علي بن أبي طالب لتمر السنين لتدفع الامة جراء خيانتها للنبي محمد (ص) فيصبح طريد النبي (ص) مروان بن الحكم خليفة على المسلمين !




دولة المسلمين في دوامة صراعات :
 في عهد مروان بن الحكم أنتهى حكم آل سفيان وابتدأ حكم آل الحكم من بني العاص بن أمية لتتحقق نبوءة المصطفى محمد (ص) التي تقدم ذكرها في بداية الفصل حيث يقول : (عن أبى هريرة: أن رسول الله  رأى في منامه كأن بنى الحكم ينزون على منبره وينزلون فأصبح كالمتغيظ ، فقال : ما لي رأيت بنى الحكم ينزون على منبرى نزو القردة ، قال : فما رؤى رسول الله (ص) مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتى مات) ( مجمع الزوائد للهيثمي ج5 ص 243 , وبألفاظ أخرى في, المستدرك على الصحيحين للنيسابوري , باب الفتن. دلائل النبوة للبيهقي , باب غزوة تبوك. كنز العمال للمتقي الهندي ج11 ص 167. تفسير الدر المنثور للسيوطي ج4 ص 191. البداية والنهاية لابن كثير ج6 ص 272. تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 57 ص 256. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج9 ص220. شواهد التنزيل للحسكاني ج2 ص 457. مسند أبي يعلى الموصلي ج11 ص 348).
وتقدم قول عائشة لمروان بن الحكم يوما: (  سمعت رسول الله يقول لأبيك وجدك إنكم الشجرة الملعونة في القرآن. ) ( الدر المنثور للسيوطي ج4 ص 191).
بعد سيطرة  مروان بن الحكم على فلسطين ومصر صارت دولته تشمل سوريا والاردن كذلك , وكان عبدالله بن الزبير يحكم جزيرة العرب , أما في العراق فقد ظهرت حركة قوية للمطالبة بدم الحسين ترفض حكم بني أمية في الشام وحكم الزبير في مكة , أرسل مروان جيشا الى العراق بقيادة عبيد الله بن زياد لأخضاع العراق للدولة  وللقضاء على حركة التوابيين التي رفعت شعار المطالبة بدم الحسين ,لتقع موقعة عين الوردة ويهزم جيش ابن زياد التوابيين, ذكر اليعقوبي :(قام سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وخرجا في جماعة معهما من الشيعة بالعراق، بموضع يقال له عين الوردة، يطلبون بدم الحسين بن علي، ويعملون بما أمر الله به بني إسرائيل، إذ قال: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم، فتاب عليكم، إنه هو التواب الرحيم، واتبعهم خلق من الناس، فوجه إليهم مروان عبيد الله بن زياد، وقال: إن غلبت على العراق فأنت أميرها، فلقي سليمان بن صرد، فلم يزل يحاربه حتى قتله، وقيل لم يقتل سليمان في أيام مروان، ولكنه قتل في أيام عبد الملك.) ( تاريخ اليعقوبي ج1 ص 212), تأمل قوله : ( أن غلبت على العراق فأنت أميرها)  فالعملية هي تقاسم للملك والسلطان .
أرسل مروان كذلك جيشا آخر الى المدينة المنورة لحرب ابن الزبير المعتصم بمكة , ثم يهلك مروان بن الحكم خنقا بمخدات زوجته وجارياتها كما تقدم , ليتولى الحكم من بعده ابنه عبد الملك بن مروان. يدخل جيش الدولة الى المدينة المنورة بعد هروب واليها المعين من قبل عبد الله بن الزبير, ثم يتوجه جيش الدولة الى مكة لملاقاة ابن الزبير فيلتقي الطرفان في الربذة وهي بين مكة والمدينة , ينتصر فيها جيش ابن الزبير ويقتل خمس مئة من عسكر جيش الدولة ويأسر مثلها وكان ذلك في سنة 65 هجرية, ويبقى ابن الزبير يحكم الحجاز وجزيرة العرب.
في تلك الاثناء تتقوى حركة التوابيين بقيادة المختار الثقفي في العراق و يفشل جيش دولة مروان بقيادة عبيد الله بن زياد في السيطرة على العراق هذه المرة  ,لينتصر أنصار المختار الثقفي بقيادة ابراهيم بن مالك الاشتر على جيش ابن زياد ويقتلوه, فتصبح دولة المسلمين ثلاثة أقسام مروان في الشام وابن الزبير في جزيرة العرب والعراق خارج عنهما, بعد ذلك  يبعث عبد الله بن الزبير جيشا بقيادة أخيه مصعب بن الزبير من مكة الى العراق للسيطرة عليه , يدخل جيش مصعب بن الزبير العراق ليحارب  المختار الثقفي فيقضي على ثورته سنة 68 هجرية ليدخل العراق تحت سيطرة حكم ابن الزبير. في سنة 69 هجرية يخرج عبد الملك بن مروان على رأس جيش متوجها الى العراق للقضاء على سيطرة مصعب بن الزبير ,في أثناء ذلك يقوم عمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالاشدق بالسيطرة على دمشق ويقول أنه أولى من عبد الملك بالخلافة,  فيعود عبد الملك الى دمشق من غزوته ولا يمضي للعراق ويقاتل عمرو بن سعيد ثم يخدعه ويستأمنه ثم يذبحه بيده ويلقي برأسه من بوابة القصر الى أنصار عمرو بن سعيد وحاشيته الذين كانوا في انتظاره بباب قصر الخلافة, ويتخلص من خصم عنيد .بعد أربع سنين من حكم مصعب بن الزبير للعراق يتمكن  عبد الملك بن مروان  من السيطرة على العراق وقتل مصعب بن الزبير( اخو عبد الله بن الزبير) وذلك في عام 72 هجرية, ثم يرسل عبد الملك جيشا الى مكة بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي لحرب عبد الله بن الزبير في مكة , يحاصر الحجاج الحرم المكي ويضرب الكعبة بالمجانيق  ثم يقتل عبد الله بن الزبير ويصلبه في الحرم وكان ذلك عام 73 هجرية, لتنتهي دولة عبد الله بن الزبير ويستتب الامر لعبد الملك. ( بتصرف واختصار عن تاريخ الطبري ج4, تاريخ اليعقوبي ج2 ,  أنساب الاشراف للبلاذري )
هذه الاضطرابات التي دامت لسنين  برهان ساطع لفوضى الحكم في دولة المسلمين , ومايقوله المتشدقون المزخرفون للتاريخ لايصمد أمام هذه الحقائق التاريخية  التي ترينا تاريخا دمويا لامحل فيه للرحمة ولامكان فيه لشرع الله , إنما هو صراع قبلي دنيوي على الملك والسلطان, أما الكلمات الطنانة الرنانة التي يرددها خطباء الجوامع وأساتذة التاريخ  في محاولة أظهار أن الدولة كانت تسير بخلافة على منهاج النبوة , فهي هراء يسقط أمام الحقائق ,ولاتسري تخرصات الكتبة المزورين إلا على شباب سذج مغرر بهم مخدوعين بتاريخ مزخرف بالزور والبهتان.

طاغية يخلف طاغية
تفوق عبد الملك بن مروان بطغيانه على من سبقه كأبيه ويزيد ومعاوية , فلم يهادن ولم يسايس فسيفه كان جاهزا لقطع رؤوس المعارضة وبين للناس أن كرسي الخلافة خط أحمر لايمكن التهاون فيه فهو يقول (‏أيها الناس إنا نحتمل منكم كل الغرمة ما لم يكن عقد راية أو وثوب على منبر‏:‏ هذا عمرو بن سعيد حقه حقه، قرابته وابنه، قال برأسه هكذا فقلنا بسيفنا هكذا، وإن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي، وقد أعطيت الله عهداً أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء، فليبلغ الشاهد الغائب‏..) ( البداية والنهاية لابن كثير ج9 ص 78) , وقد تقدم ذكر عمرو بن سعيد الملقب بالأشدق عندما قطع عبد الملك رأسه وألقاه من بوابة القصر لأنصار عمرو. لقد بلغ الطغيان بعبد الملك أنه كان لايطيق أن يذكره أحد بتقوى الله وعبادته فهو يقول (إنكم تأمرونا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم، والله لا يأمرني أحد بعد يومي هذا بتقوى الله عز وجل إلا ضربت عنقه ثم نزل.)( انساب الاشراف للبلاذري ج2 ص 441) , ويقول في مكان آخر ( إني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف ) ( تاريخ دمشق ج 37 ص 135). وكان من جراء هذا الطغيان أن سلط عبد الملك أحد جلاوزته وهو الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق والحجاز وأباح له سفك الدماء كيف يشاء أن عبد الملك بن مروان الذي يسميه وعاظ السلاطين بخليفة المسلمين ويلحقون كلمة رضي الله عنه باسمه كان سكيراً كمن قبله من الخلفاء كيزيد ومعاوية , روى البلاذري (قال سعيد بن المسيب لعبد الملك: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء ( الخمر )؟ قال: والدماء يا أبا محمد فنستغفر الله ! و دخل الأخطل على عبد الملك وهو سكران فقال له: يا أبا مالك مالك؟ قال: إن أبا نسطور وضع في جمجمتي ثلاثاً) ( النص عن جواهر التاريخ ج3 للعلامة الكوراني ونقله عن أنساب الاشراف للبلاذري) فلاندري كيف يكون الذي يرضى الله عنه عند المسلمين  متعاطيا للخمر والمسكر ؟

بنو أمية يحجون الى بيت المقدس بدلا عن الذهاب لمكة
بلغ التحريف في دين محمد (ص) في عهد عبد الملك شأوا بعيدا فاق مافعله الاولون , فالانحراف الذي بدأ صغيرا في عهد الاوائل تنامى وأتسع في عهد عبد الملك , فكثرت الاسرائيليات والأحاديث التوراتية التي زرعها كعب الاحبار اليهودي, ومن تلك الأحاديث التي بثها كعب الاحبار أن بيت المقدس هو قبلة العالمين ومهبط الملائكة وارض الله المباركة ( سيأتي تفصيله في فصل دور اليهود , باب كعب الاحبار ),  فأستفاد عبد الملك من تلك الأحاديث اليهودية لتقوية مركزه السياسي واستحدث بدعة الحج الى بيت المقدس الذي كان تحت سيطرته بدلا عن الذهاب الى الحج في مكة , ووصل الأمر أن منع عبد الملك  الناس من الذهاب الى الحج في مكة لأن عبد الله بن الزبير كان يحكم الحجاز آنذاك فكان الناس عند ذهابهم للحج يخرجون من دولة عبد الملك ويدخلون دولة ابن الزبير في الحجاز ,واستغل ابن الزبير كذلك موسم الحج لصالحه فكان يكشف خفايا بني أمية ويشهر مثالبهم ويحث الناس على الخروج على عبد الملك في الشام.
ذكر ابن كثير الدمشقي  (وفيها ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء القبة على صخرة بيت المقدس وعمارة الجامع الأقصى ، وكملت عمارته في سنة ثلاث وسبعين ، وكان السبب في ذلك أن عبد الله بن الزبير كان قد استولى على مكة وكان يخطب في أيام منى وعرفة ومقام الناس بمكة وينال من عبد الملك ويذكر مساوئ بني مروان ويقول: إن النبي(ص)لعن الحكم وما نسل وأنه طريد رسول الله ولعينه . وكان(ابن الزبير)يدعو إلى نفسه وكان فصيحاً فمال معظم أهل الشام إليه ، وبلغ ذلك عبد الملك فمنع الناس من الحج فضجوا ، فبنى القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليشغلهم بذلك عن الحج ويستعطف قلوبهم ! وكانوا يقفون عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم...   ولما أراد عبد الملك عمارة بيت المقدس وجه إليه بالأموال والعمال ، ووكل بالعمل رجاء بن حياة ويزيد بن سلام مولاه ، وجمع الصناع من أطراف البلاد وأرسلهم إلى بيت المقدس ، وأرسل إليه بالأموال الجزيلة الكثيرة وأمر رجاء بن حياة ويزيد أن يفرغا الأموال إفراغاً ولايتوقفا فيها ، فبثوا النفقات وأكثروا فبنوا القبة فجاءت من أحسن البناء ، وفرشاها بالرخام الملون وعملا للقبة جلالين أحدهما من اليود الأحمر للشتاء وآخر من أدم للصيف ، وحفَّا القبة بأنواع الستور ، وأقاما لها سدنة وخداماً بأنواع الطيب والمسك والعنبر والماورد والزعفران ، ويعملون منه غالية ويبخرون القبة والمسجد من الليل ، وجعل فيها من قناديل الذهب والفضة والسلاسل الذهب والفضة شيئاً كثيراً ، وجعل فيها العود القماري المغلف بالمسك ، وفرشاها والمسجد بأنواع البسط الملونة ، وكانوا إذا أطلقوا البخور شم من مسافة بعيدة ، وكان إذا رجع الرجل من بيت المقدس إلى بلاده توجد منه رائحة المسك والطيب والبخور أياماً ويعرف أنه قد أقبل من بيت المقدس وأنه دخل الصخرة . وكان فيه من السدنة والقوم القائمين بأمره خلق كثير ، ولم يكن يومئذ على وجه الأرض بناء أحسن ولا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس ، بحيث إن الناس التهوا بها عن الكعبة والحج ! وبحيث كانوا لا يلتفتون في موسم الحج وغيره إلى غير المسير إلى بيت المقدس ، وافتتن الناس بذلك افتتاناً عظيماً وأتوه من كل مكان وقد عملوا فيه من الإشارات والعلامات المكذوبة شيئاً كثيراً مما في الآخرة فصوروا فيه صورة الصراط وباب الجنة ، وقدم رسول الله(ص)ووادي جهنم وكذلك في أبوابه ومواضع منه ، فاغتر الناس بذلك وإلى زماننا )( النص عن جواهر التاريخ ج3 للعلامة الكوراني ونقله عن البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي ج8 ص 308), لقد هدم عبد الملك فريضة الحج من أساسها واستعاض عنها بطقوس الحج الى بيت المقدس  من أجل حربه لابن الزبير في مكة, فالحرب سياسية عسكرية واقتصادية ودين محمد (ص) غطاء للتمويه على الحمقى والمغفلين , إن منع الناس من الذهاب الى مكة للحج وحثهم على الحج الى بيت المقدس له مكسب اقتصادي وسياسي لدولة عبد الملك بن مروان,  فتأمل الى أي مدى وصل التحريف والتآمر على دين النبي (ص)!



  انتهى فصل أمية , ويليه بإذنه تعالى فصل ( استمرار المؤامرة على آل النبي ص)
http://marwan1433.blogspot.ca/2013/08/9.html