الجمعة، 26 يوليو 2013

6-عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية \ مؤامرة المسلمين على النبي محمد (ص)

الفصل السادس من كتاب مؤامرة المسلمين على النبي محمد (ص)

فهرس الفصل: مقدمة, علم الخليفة, الخليفة والسنة النبوية, شجاعة الخليفة, نبوءات في عثمان, ولاة عثمان على الامصار, نهب الاموال, عثمان يتخلى عن عبد الرحمن, دور عثمان في الاغتيالات , عبد الله بن مسعود وعثمان, عمار بن ياسر وعثمان, أبوذر وعثمان, المقداد وعثمان, حذيفة وعثمان, أبي بن كعب وعثمان, عثمان يأوي في بيته جاسوس قريش, زوجة عثمان, الثورة على عثمان, دور عائشة في الثورة, نهاية عثمان, المؤرخون وقتلة عثمان, بنات النبي وعثمان.



-6-الخليفة الثالث عثمان بن عفان بن أبي العاص الاموي

بعد مقتل عمر بن الخطاب استلم الحكم عثمان بن عفان ,واستفتح عهد حكمه بالعفو عن قاتل أزهق ارواح اناس ابرياء ظلما وعدوانا! القاتل هو عبيد الله بن عمر بن الخطاب الذي استشاط غضبا بعد مقتل والده عمر وأراد الاخذ بثأر أبيه فذهب الى الهرمزان وهو فارسي من أسرى المسلمين وقتله ظنا أنه أبا لؤلؤة قاتل والده , ثم قتل جُفينة وقتل كذلك ابنة أبي لؤلؤة وحلف أن سيقتل جميع السبايا وبعض المهاجرين اذا تمكن . تم توقيف عبيد الله بعد ذلك فقال علي بن ابي طالب مخاطبا عبيد الله بن عمر: ما كان ذنب بنت أبي لؤلؤة حين قتلتها ؟  وقال الخليفة الجديد عثمان : (أيها الناس ، إنه كان من قضاء الله ان عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، أصاب الهرمزان وهو رجل من المسلمين ليس له وارثٌ إلا الله والمسلمون ؟ وأنا إمامكم ، وقد عفوت ، أفتعفون عن عبيد الله بن خليفتكم بالأمس ؟ قالوا نعم . فعفا عنه) ( كتاب السقيفة وفدك ص 88 للجوهري,  عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد)
ولما بلغ عليا بن أبي طالب ماقال عثمان قال: (سبحان الله ! لقد بدأ بها عثمان ! أيعفو عن حق إمرئ ليس بواليه ! تالله إن هذا لهو العجب.)( شرح النهج لابن أبي الحديد ج9 ص 55,  السقيفة وفدك للجوهري ص 88) . روى ابن سعد:
( قال علي لعبيد الله بن عمر: ما ذنب بنت أبي لؤلؤة حين قتلتها؟ قال فكان رأي علي حين استشاره عثمان ورأي الأكابر من أصحاب رسول الله على قتله، لكن عمرو بن العاص كلم عثمان حتى تركه، فكان علي يقول: لو قدرت على عبيد الله بن عمر ولي سلطان لاقتصصت منه.)( الطبقات الكبرى لابن سعد ج5 ص16) ومثله أورد العسقلاني : ( فانطلق عبيد الله بن عمر فأخذ سيفه حين سمع ذلك من عبد الرحمن فأتى الهرمزاني فقتله وقتل جفينة وقتل بنت أبي لؤلؤة صغيرة وأراد قتل كل سبي بالمدينة فمنعوه... فلما استخلف عثمان قال له عمرو بن العاص: إن هذا الأمر كان وليس لك على الناس سلطان فذهب دم الهرمزان هدراً.) ( الاصابة للعسقلاني ج3 ص 234)
وعاب جمع من الصحابة ذلك فقال زياد بن لبيد البياضي في عبيد الله بن عمر بن الخطاب
ألا يا عبيد الله ما لك مهرب * ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر
أصبت دما والله في غير حله * حراما وقتل الهرمزان له خطر
على غير شئ غير أن قال قائل * أتتهمون الهرمزان على عمر
قال: فشكا عبيد الله بن عمر زيادا إلى عثمان فاستدعى عثمان زياد بن لبيد فأنشأ زياد يقول في عثمان:
أبا عمرو عبيد الله رهن * فلا تشكك بقتل الهرمزان
أتعفو إذ عفوت بغير حق * فما لك بالذي يخلى يدان
قال فنهاه عثمان عن ذلك وزبره فسكت زياد بن لبيد عما يقول ( الابيات عن البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص167)
روى المسعودي في ابن عمر :
(ولما اكثر الناس التحدث في دم الهرمزان ، أمر عثمان عبيد الله بالرحيل إلى الكوفة وأقطعه فيها داراً وأرضاً فسمي ذلك الموضع بـ ( كويفية بن عمر ), وحين تولى الإمام علي الخلافة ، طلب عبيد الله فهرب إلى معاوية ، فقال علي : لئن فاتني في هذا اليوم لا يفوتني في غيره! فلما كانت حرب صفين قُتل فيها . وقيل : إن علياً هو الذي قتله ، ضربه ضربةً فقطع ما عليه من الحديد حتى خالط سيفُه حشوة جوفه)( مروج الذهب للمسعودي ج2 ص 385).  هرب عبيد الله الى معاوية في الشام , فالشام صارت آنذاك ملاذا لكل أعداء الامام علي بن أبي طالب,  تأمل قول الامام علي : )لئن فاتني في هذا اليوم لايفوتني في غيره.) وهو كلام عجيب فكأنه علِمَ أن سيقتله يوما وهو ما تحقق.
وذكر الذهبي :(وقد ذكرنا أن عبيد الله لما قتل عمر أخذ سيفه وشد على الهرمزان فقتله، وقتل جفنية، ولؤلؤة بنت أبي لؤلؤة، فلما بويع عثمان هم بقتله، ثم عفا عنه. وكان قد أشار علي على عثمان بقتله، فلما بويع ذهب عبيد الله هارباً منه إلى الشام. وكان مقدم جيش معاوية يوم صفين، فقتل يومئذ.)( تاريخ الاسلام للذهبي ج1 ص 472).
كانت حجة عثمان أن عمر بن الخطاب مات مقتولا فلم يحب عثمان أن يقتل ابنه عبيد الله ويجعل مأتمين في بيت عمر ؟  وهكذا اسقط حقا لله وعفا عن القاتل عبيد الله بن عمر الذي قتل رجلين وامرأة في ساعة غضب . تأمل قول الخليفة الجديد :( أنه كان من قضاء الله..) وهو مفهوم يلقي بالجرائم وتبعاتها على القضاء والقدر, صار هذا المفهوم حجة كل سلطان وخليفة ,وتلقى المسلمون هذا المفهوم ومارسوه وأسقطوا  سبب خيباتهم على الاقدار حتى أضمحلت ارادة الانسان ومسؤليته في المجتمع الاسلامي  . ثم يضيف الخليفة قائلاً (... عبيد الله ابن خليفتكم بالامس..) وهي طامة اخرى فكونه ابن الخليفة جعل الحاكم يتساهل في حكمه ويعفو عنه, ولو كان من عوام الناس لكان حكمه غير ذلك , وهذه سياسة عثمان مع الاقارب والعشيرة .
 إن الهرمزان المقتول على يد عبيد الله بن عمر كان مسلماً  وتلك حقيقة أقرها المؤرخون , حتى أن المؤرخ الذهبي أموي الهوى لم ينكرها:
(روى إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده قال: رأيت الهرمزان مهلاً بالحج مع عمر، وعليه حلة حبرة) (تاريخ الاسلام للذهبي ج1 ص417)
وبذلك يكون الخليفة الثالث عثمان قد غمط حق مواطن من رعايا الدولة ومسلم كذلك, فما يقول المبيضون لصفحات التاريخ في هذه المثلبة التي بدأ بها عثمان حكمه؟
بعد  الاستفتاح بالعفو عن جرائم ابن الخليفة عمر, يصعد عثمان  المنبر ليلقي خطابه الافتتاحي للخلافة فيتلعثم ثم يقول:
 (أما بعد : فان أول مركب صعب، وما كنا خطباء، وسيعلم الله, وان أمرءا ليس بينه وبين آدم إلا أب ميت لموعوظ..) ( كتاب الموفقيات للزبير بن بكار , صفحة 202) ثم ينزل عن المنبر! وتنتهي الخطبة القصيرة المبهمة . وفي ذلك روت مصادر التاريخ:
( أن عثمان  لما بويع، خرج إلى الناس، فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياماً، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء، وسيعلمنا الله.)( طبقات الصحابة لابن سعد ج 3 ص 62) وأورد مثل ذلك ابن عبد البر في كتابه بهجة المجالس ج1 ص 19 فذكر (صعد عثمان بن عفّان  على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم أرتج عليه، فقال:أمّا بعد فإنّ أول كلّ مركبٍ صعب، وما كنا خطباء، وسيعلم الله، وإن امرأً ليس بينه وبين آدم أب حيٌّ لموعوظ.  ).
وذكر الجاحظ خطبة عثمان الركيكة فكتب ( صعد عثمان بن عفان  المنبر فارتج عليه فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب، وستأتيكم الخطب على وجهها وتعلمون إن شاء الله)(  النص عن الغدير للأميني , باب عثمان ونقله عن البيان والتبيين للجاحظ ج1 ص 272)
وذكرت هذه الخطبة ذات السطر الواحد كذلك  في ( انساب الاشراف للبلاذري ج 5 ص24, تاريخ ابو الفدا ج1 ص 166, تاريخ اليعقوي ج2 ص 140)
 ذكر الطبري خطبة أخرى أنفرد بها سيف بن عمر التميمي المشهور بالكذب جعل فيها عثمانا من الفصحاء , ولافائدة من نقل قول سيف بن عمر التميمي الذي أجمع المحققون على كذبه  . قال المؤرخ أموي الهوى  ابن كثير  في خطبة عثمان :
(وما يذكره بعض الناس من أن عثمان لما خطب أول خطبة ارتج عليه فلم يدر ما يقول حتى قال: أيها الناس، إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش فستأتيكم الخطبة على وجهها. فهو شيء يذكره صاحب (العقد) وغيره، ممن يذكر طرف الفوائد، ولكن لم أر هذا بإسناد تسكن النفس إليه والله أعلم.) ( البداية والنهاية لابن كثير , ج7 باب خلافة عثمان تحت عنوان ثم استهلت سنة أربع وعشرين هجرية). أما قوله : شئ يذكره صاحب العقد فيعني به ابن عبد ربه الاندلسي في كتابه العقد الفريد الذي أورد خطبة عثمان القصيرة المبهمة كذلك وقال بصحتها,  ابن كثير الدمشقي لايذكر اتفاق باقي المصادر على خطبة عثمان الركيكة هذه فهو ذكر فقط صاحب كتاب العقد الفريد ثم ذيل ذلك بأن قال أن صاحب العقد يذكر طرف الفوائد كي يحط من منزلة مقولته , فتأمل ,ثم تأمل قوله: (ولكن لم أر هذا بإسناد تسكن النفس إليه والله أعلم)! فهل تصحيح الروايات يتم بما تميل اليه النفس  ؟  هذا مثل على تفاني كتبة البلاط  في تجميلهم لحوادث التاريخ وأنكارهم الروايات التي لاتلائم مذاهبهم , ففي مجتمع قريش العربي , مجتمع الفصاحة والشعر والادب  تبدو هذه الخطبة  من كلام البسطاء والحمقى. وستأتي شواهد أخرى على جهل الخليفة عثمان بأبسط قواعد الفقه والدين مما يتوافق مع أسلوبه الخطابي هذا الذي  دل على مبلغ علمه . كان من نتائج خيانة المسلمين لأوامر النبي (ص) في السقيفة , أن تتطرد الاحداث وتتفاقم حتى صار عثمان بن عفان خليفة على المسلمين متحملاً مسؤولية قيادة أمة ,وهو الذي لم يكلفه النبي(ص) بمهمة أو منصب طوال حياته , وعرف المسلمون أجمعهم أن عثمان تخلف عن معركة بدر وهرب من معركة أحد ولم يحضر بيعة الرضوان ,وكان جاهلا بأبسط قواعد الفقه .




علم الخليفة
الخليفة لايعرف حكم الغسل !
من أوليات الفقه في باب الطهارة وجوب الاغتسال بعد الجماع  , لكن الخليفة عثمان له رأي غريب في ذلك !
 (عن عطاء بن يسار إن زيد بن خالد الجهني أخبره أنه سأل عثمان بن عفان قال: قلت أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره. قال عثمان: سمعته من رسول الله .)( الغدير للأميني باب حياة الخليفة عثمان  ص48 ونقله عن صحيح مسلم ج1 ص 142). ويقول الاميني معلقاً : هذا مبلغ فقه الخليفة أبان خلافته وبين يديه قوله تعالى: ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبا إلا عابري السبيل حتى تغتسلوا ) ( النساء43 )( انتهى).
 يبدو أن الخليفة  لم يكن يحفظ هذه الاية ولم تمر عليه من قبل, وهذا يعني أن الخليفة طوال عمره كان يغتسل فقط اذا أمنى بعد الجماع, أما في غيرها عند الجماع وعدم الانزال أو عدم خروج المني فإنه لم يغتسل!
جهل خليفة المسلمين الحديث النبوي القائل : ( اذا التقى الختان بالختان وجب الغسل أنزل أم لم ينزل) (  صحيح البخاري ج1 ص 108,  صحيح مسلم ج 1ص142مسند احمد بن حنبل ج2 ص 234). ماذا يقول طلبة العلوم الدينية وهم في صفهم الاول عند سماعهم مثل هذه الرواية في رجل ما , لاشك أن سيعيبون عليه جهله بالاحكام و يسخرون منه, فكيف إذا كان القائل هو الخليفة الثالث عثمان؟

الخليفة لايعرف عدة المطلقة والارملة
من المعروف في فقه الطلاق  أن المرأة التي يموت عنها زوجها أو تتطلق منه تنتظر ثلاث حيضات بعد فراقه ثم يحق لها الزواج من غيره , لكن عثمان له رأي غريب آخر في ذلك!
عن نافع أن ربيع ( امرأة) خلعت ( انفصلت وطلقت) زوجها فقال عثمان مجيبا عبد الله بن عمر : (تنتقل ولا ميراث لها ولاعدة الا انها لا تنكح حتى حيضة خشية أن يكون بها حبل! فقال عبد الله بن عمر : عثمان خيرنا وأعلمنا !)( الخلفاء للدكتور محمد الصادقي ,عن سنن البيهقي ج7 ص 450, سنن ابن ماجةج1 ص634, نيل الاوطار للشوكاني ج7 ص 35). عثمان يأتي بفتوى يخالف فيها الشرع, فالاية القرانية من سورة البقرة تقول ( والمتربصات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء) (البقرة 288.) . وتعني الاية الكريمة أن المطلقة تنتظر ثلاث قروء أي ثلاث حيضات بعد فراق زوجها ثم يحق لها بعد ذلك أن تتزوج. فكيف جعل عثمان العدة حيضة واحدة والقران يقول ثلاث قروء, ألم يقرأ الخليفة هذه الاية القرانية قبل أن يحكم هذا الحكم الارتجالي؟  أنه بلاشك لايعرف سورة البقرة أيضاً,وما بال ابن عمر يحمده على ذلك الجواب المخالف للقران, ياللعجب !

الخليفة يحتار في جواب زواج الاختين
سأل رجلاً الخليفة عثمان عن الاختين في ملك اليمين فقال عثمان: أحلتهما اية وحرمتهما اية, فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك!( الموطأ لمالك بن انس ج2 ص 10  ). الجواب الصحيح أن الحكم حرام للحرائر وللاماء في الجمع بين الاختين, فاية التحريم تحرم كل المحارم نسبيا وسببيا ورضاعيا ولاتستثني, لكن الخليفة يجهل الحكم في تلك المسألة البسيطة ويقول برأيه, وليس ذلك فقط, أنه يقول بتناقض القران بقوله احلتهما اية وحرمتهما اية!

جهل الخليفة يؤدي الى قتل إمرأة وتدمير أسرة!
 أمرأة ولدت بفترة حمل مدتها ستة أشهر من زواجها , فظن زوجها أنها كانت قد جامعت وزنت مع رجل آخر قبله لان فترة الحمل كانت ستة اشهر فقط . وبعد ان وضعت وليدها جاء زوجها الى الخليفة الحاكم عثمان شاكياً  , فقام الخليفة بأقامة حد الرجم عليها حتى الموت . لنقرأ الرواية  :
 (عن بعجة بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له تماما لستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان فأمر بها أن ترجم فبلغ علياً بن أبي طالب فأتاه فقال: ما تصنع؟ ليس ذلك عليها قال الله تبارك وتعالى: وحمله و وفصاله ثلاثون شهرا  ( الاحقاف 15). وقال: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين (البقرة 233) فالرضاعة أربعة وعشرون شهرا. والحمل ستة أشهر. فقال عثمان: والله ما فطنت لهذا. فأمر بها عثمان أن ترد فوجدت قد رُجمت، وكان من قولها لأختها: يا أخية لا تحزني فوالله ما كشف فرجي أحد قط غيره، قال: فشب الغلام بعد فاعترف الرجل به وكان أشبه الناس به، وقال: فرأيت الرجل بعد يتساقط عضوا عضوا على فراشه)(  الغدير, باب الخليفة عثمان للعلامة الاميني ص 1, ومصادره هي مسند مالك، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، وأبو عمر، وابن كثير، وابن الديبع، والعيني، والسيوطي).
إن جهل الخليفة بآيات القران وبأحكامه أوقعه في ذلك الخطأ الشنيع الذي أدى الى قتل أمرأة بريئة , ويَتَّم طفل ثم مرض زوجها حزناً وغماً. وهذا حال الأمم التي يحكمها الجهلة .
قال العلامة الأميني: إن تعجب فعجب إن إمام المسلمين لا يفطن لما في كتاب الله العزيز مما تكثر حاجته إليه في شتى الأحوال، ثم يكون من جراء هذا الجهل أن تودي بريئة مؤمنة، وتتهم بالفاحشة، ويهتك ناموسها بين الملأ الديني وعلى رؤس الاشهاد.

بعض ابتداعات الخليفة عثمان
ابتدع عثمان في عهده ابتداعات جديدة على دين الاسلام , فغير وبدل كيف شاء ,وقلده الناس فالناس على دين ملوكها كما قيل, ظلت سنن عثمان وابتداعاته سارية في المجتمع الاسلامي الى عهدنا الحالي. ذكر الشيخ السلفي المعاصر عبد الله بن باز في موقعه على الشبكة في موضوع البدع مايلي:
(قال النبي (ص) في الحديث الصحيح في خطبة الجمعة: (خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعةٍ ضلالة). أخرجه مسلم في الصحيح, زاد النسائي بإسنادٍ حسن: (وكل ضلالةٍ في النار). وقال أيضاً - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الصحيح: (إياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة). وقال أيضاً - عليه الصلاة والسلام -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). يعني فهو مردود. متفق على صحته. وقال - عليه الصلاة والسلام -: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). خرجه مسلم في الصحيح. فالواجب على علماء الإسلام أن يوضحوا البدع للناس ، وأن ينكروها ، وأن يرشدوا الناس إلى تركها ، وهي الإحداث في الدين، وهي أن يشرع الإنسان شيئاً ما شرعه الله، هذا هو البدعة، إحداث شيء ما شرعه الله من صلاة ، أو صومٍ ، أو غير ذلك على وجهٍ ما شرعه الله، هذا يسمى بدعة) ( انتهى كلام الشيخ بن باز من موقعه على الشبكة,  http://www.binbaz.org.sa/mat/18399). فيما يلي بعض الامثلة على تغيير سنة النبي (ص) على يد عثمان بن عفان , وسنه بدعاً لاتمت لدين الاسلام بشئ ,ووفقا للأحاديث التي ذكرها الشيخ عبد الله بن باز يكون عثمان مبتدعاً على ضلالة  وكل ضلالة في الناركما نصت أحاديث المصطفى (ص).

 في الحج والعمرة :
(أخرج البخاري في الصحيح بالإسناد عن مروان بن الحكم قال: سمعت عثمان وعلي  بين مكة والمدينة وعثمان ينهى عن المتعة ( متعة الحج) وأن يجمع بينهما فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا قال: لبيك عمرة وحجة معا قال: فقال عثمان: تراني أنهى الناس عن شئ وتفعله أنت؟ قال: لم أكن لأدع سنة رسول الله (ص) لقول أحد من الناس.
وفي لفظ أحمد: كنا نسير مع عثمان عنه فإذا رجل يلبي بهما جمعا قال عثمان : من هذا؟ فقالوا: علي. فقال: ألم تعلم أني قد نهيت عن هذا؟ قال بلى. ولكن لم أكن لأدع قول رسول الله  لقولك. وأخرج الشيخان بالإسناد عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة فقال له علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله (ص) تنهى عنه؟ قال: دعنا منك، قال: إني لا أستطيع أن أدعك. فلما رأى ذلك علي أهل بهما جمعا.
وأخرج مسلم من طريق عبد الله بن شقيق قال: كان عثمان  ينهى عن المتعة وكان علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، ثم قال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله؟ قال: أجل ولكنا كنا خائفين. ( النصوص عن الغدير , باب عثمان للعلامة الاميني ج1 ص 35 ونقله عن : صحيح البخاري ج3 ص69, صحيح مسلم ج1 ص349, مسند أحمد ج1 ص61 , سنن النسائي ج4 ص148, ، سنن البيهقي ج4 ص352,  مستدرك الحاكم  ج1 ص 472). كان المسلمون في عهد النبي يجمعون بين الحج والعمرة فلما جاء عهد عثمان فرق بين الحج والعمرة ونهى عن الجمع بينهما وهو أمر مخالف لسنة النبي (ص) , لكن سنة عثمان بن عفان سرت حتى يومنا هذا فصار المسلمون يفرقون بين حجهم وعمرتهم حسب أوامر عثمان!.

الخليفة يقدم الخطبة على الصلاة ويخالف سنة محمد (ص)
كان النبي (ص) يصلي العيدين ثم يخطب بعد الصلاة وعلى ذلك سار أبوبكر وعمر من بعده, فلما صار عثمان خليفة عكس الأمر فجعل الخطبة قبل الصلاة ,ثم نسج بنو أمية على منواله  وقدموا الخطبة على الصلاة. 
(عن ابن عباس قال: أشهد على رسول الله (ص) إنه صلى يوم فطر أو أضحى قبل الخطبة ثم خطب). (صحيح البخاري ج 2 ص: 116، صحيح مسلم ج 1ص 325، سنن أبي داود ج 1ص 179، سنن ابن ماجة  ج1ص: 385، سنن النسائي ج 3ص: 184، سنن البيهقي ج 3ص 296.)
 (عن عبد الله بن السائب قال: حضرت العيد مع رسول الله (ص) فصلى بنا العيد ثم قال: قد قضينا الصلاة فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب.)( سنن ابن ماجة ج1 ص 386, سنن أبي داود ج1 ص180, سنن النسائي ج3 ص185)) تأمل سماحة النبي (ص) مع الناس ,فمن الذي يحضر خطبة خاتم الانبياء ليراه ويسمع  كلامه ثم يفضل الخروج من المسجد؟ ولكن مع ذلك ترك النبي الامرعلى ماهو عليه وترك الخيار للناس, إن أرادوا سمعوا خطبته وإن أرادوا أنصرفوا لشؤونهم  فتلك هي سنة الصلاة ,فالصلاة أولا ثم يعقبها بالخطبة فمن أراد سماع الخطبة فليبقى ومن شاء الانصراف فلينصرف.
أما عثمان فصار يصلي بعد الخطبة مخالفا سنة النبي (ص), يروي ابن حجر:
(عن الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم فرأى ناسا لم يدركوا الصلاة، ففعل ذلك، أي صار يخطب قبل الناس) ( عن عثمان للاميني ج1 ص65 ونقله عن فتح الباري لابن حجر ج2 ص361)
  أن سبب ذلك هو أستثقال الناس لخطب الخليفة  السمجة  فكانوا يخرجون بعد الصلاة من المسجد, فلما رأى عثمان ذلك غير سنة النبي وجعل الصلاة بعد الخطبة  .وعلى بدعة عثمان سار بنو أمية وأجبروا الناس على الجلوس وسماع خطب الولاة والسلاطين من أجل انتظار أقامة الصلاة. أن هذا التحريف في سنة النبي لاينكره فقهاء الجمهور لكن الناس ساروا على سنة عثمان وخالفوا سنة النبي (ص), ولايزال الامر الى عهدنا هذا على ذلك فالناس تصلي العيد على سنة عثمان وليس على سنة النبي (ص).
ولما حاصر الناس عثمانا في بيته قبل مقتله كان الامام علي يصلي بالناس على سنة النبي  فيروى عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: (شهدت العيد مع علي بن أبي طالب و عثمان محصور فجاء فصلى ثم انصرف فخطب.)(  عثمان للعلامة الاميني وعن موطأ مالك ج1 ص 147, كتاب الام للشافعي  ج1 ص 171)
بعد استشهاد الامام علي  عاد بنو أمية لسنة عثمان وأجبروا الناس على الجلوس لسماع خطبهم وأوامرهم وظل الامر على ذلك . ولاندري كيف يطمئن المسلم لدينه إذا عرف أن عبادته هي بدعة من ابتداعات الخليفة الثالث  ومخالفتها لسنة النبي (ص) بينة.





عثمان على خطى الخليفة الاول والثاني في طمس الحديث النبوي
روى ابن سعد ، وكذلك احمد في مسنده عن محمود بن لبيد قال ( سمعت عثمان على المنبر يقول: لا يحلّ لاَحد أن يروي حديثاً عن رسول الله لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر) (الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص 336). وكذلك روى الهندي : (لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر ، فإنه لم يمنعني أن أحدث عن رسول الله أن لا أكون من أوعى أصحابه ، إلا أني سمعته يقول : من قال علي ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار) ( منتخب كنز العمال للمتقي الهندي ج4 ص 172  ).
تبين الرواية الاولى  أن الاحاديث النبوية التي اقرها ابوبكر وعمر أقرها عثمان أيضا ومنع غيرها, ومن طبيعة الحال أن جل الاحاديث تلك كانت لاتتطرق الى الخلافة ولا الى اسلوب الحكم فقد طمست احاديث الخلافة والامامة والولاية, وصار الحكم في دين الاسلام كما يرغب الحاكم بلا قانون ولاضوابط , فمرة يصبح الحاكم بانتخاب بين ثلاثة ويسموه اختيار وحل وعقد ,ومرة وصية لرجل واحد, ومرة لستة اشخاص ! يكمل عثمان في الرواية الثانية ويثبت شرعية كلامه بمصداقية الحديث الذي يرويه وبذلك يبدو للسذج وكأن عثمان هو الحارس الاوحد على تراث محمد ,ولكن الحقيقة  سنراها  في  النهب والبذخ واعطاء الحكم والولايات لاناس بعضهم فاسق بنص القران, وبعضهم مرتد وبعضهم طريد النبي نفسه! فلاندري كيف يذكر ان النبي (ص) قال: ( من قال علي ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار) ثم يفعل خلاف ذلك  . تقدم في فصل أبوبكر كيف أن الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي حكم بعد مرور ثمانية عقود من تاريخ وفاة النبي يكرر تماما ما يقوله عثمان بن عفان في عهده,  فيقر عمر بن عبد العزيز احاديث الرسول محمد(ص) التي رويت في عهد ابوبكر وعمر فقط ويرفض ما سواها ,فتأمل. وهكذا يصبح الحديث النبوي هو مايريده ابوبكر وعمر وليس كل مايرويه الصحابة أمثال سلمان والمقداد وابوذر وغيرهم. وهكذا نضبت معظم الاحاديث النبوية في عهد عثمان بموت الصحابة في الفتوحات وتفرقهم في البلاد ,وبقيت الاحاديث التي قبل بها ابوبكر وعمر وأقرها عثمان بن عفان وهي احاديث السكوت عن الظلم, والرضا بالحاكم الجائر والقبول بقدر الله اللازم ,وغيرها تلك التي جعلت من الامة أمة راضخة لحاكمها الظالم, يسيرها كيف يشاء, والى يومنا هذا.  


شجاعة الخليفة ودوره في الحروب
( ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الادبار, ومن يوليهم يومئذ دبرَه إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير )( الانفال 15-16). الاية  تبين أن الذي يفر من الزحف مآواه جهنم وغضب من الله , وهو عين مافعله عثمان كما سنرى وفعله الخليفة الثاني في معركة أحد وقد تقدم ذكره.
لم يكن لعثمان أي أثر يذكر في الحروب فقد تغيب عن معركة بدر بحجة مرض زوجته ولم يشارك فيها ,وهرب في معركة أحد ,ولم يشارك في معركة الخندق , يروي ابن شبَّة فيقول:
(لقي عبدالرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: مالك لا تأتي أمير المؤمنين ـ يعني عثمان ـ و لا تغشاه؟ فقال له عبدالرحمن: أبلغه عنّي أنّي لم أغب عن بدر، ولم أفِرّ يوم عيين ـ يعني يوم أحد ـ ولم أخالف سنّة عمر) ( تاريخ المدينة لابن شبة , باب أخبار عثمان)
قول عبد الرحمن هذا يدل على غياب عثمان عن معركة بدر وفراره يوم أحد, أما يوم بدر فتتفق المصادر أنه تعلل بمرض زوجته ولم يحضر المعركة , وفي يوم أحد فر من المعركة وعاد بعد ثلاث أيام . روى الطبري (ومن المنهزمين يوم أحد عثمان بن عفان فقد فر مع رجلين وبلغوا الجلعب وهو جبل بناحية المدينة فأقاموا به  ثلاثاً ولما عادوا قال النبي (ص) لهم : لقد ذهبتم بها عريضة)(تاريخ الطبري ج 2 ص 522,  الكامل لابن الاثير ج2 ص 110 , السيرة الحلبية ص 240 , النص والاجتهاد للعلامة شرف الدين ص 326). وذكر المؤرخ ابن اسحاق (وفر عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان رجلان من الأنصار، ثم من بني زريق حتى بلغوا الجلاب جبلاً بناحية المدينة، فأقاموا به ثلاثاً)( سيرة ابن اسحاق, باب معركة أحد , ج1 ص 246) , وأكد هرب عثمان العسقلاني فقال :( سعيد بن عثمان الأنصاري شهد أحدا روى إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق الزبير قال والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا ثم قال وقوله إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان قال منهم عثمان بن عفان وسعيد بن عثمان وعلقمة بن عثمان الأنصاريان قال بلغوا جبلا بناحية المدينة ببطن الأعوص فأقاموا هناك ثلاثا قلت ساقه بن إسحاق في مسنده مع إدراجه ومن قوله ثم الخ من كلام بن إسحاق في المغازي)( الاصابة لابن حجر العسقلاني , ج3 ترجمة سعيد بن عثمان الانصاري)
 وردت رواية هرب عثمان في معركة أحد كذلك في البداية والنهاية لابن كثير  ج 4 - ص 28 ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 - ص 55 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 15 - ص 21 ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج 2  ص89 ..
  المصادر أعلاه شواهد على فرار عثمان من الزحف يوم أحد , لذا حاول المحرفون طمسها وانبرى الوعاظ وكتبة البلاط في تبييض صفحات عثمان , ومثال على ذلك ماذكره المؤرخ الواقدي حيث ذكر هروب عثمان في كتابه المغازي  ثم صُفحت الطبعة وابدل اسم عثمان بكلمة فلان, ذكر المحقق المعاصر نجاح الطائي  :
(قال الدكتور مارسدن جونس في مقدّمة كتاب المغازي للواقدي مايلي : ويظهر بوضوح أنّ النصّ في المخطوطة الأم، كان يذكر عثمان وعمر، أو عمر وحده، أو عثمان وحده، ممّن ولّوا الأدبار يوم أحد ولكنّ الناسخ لم يقبل هذا في حقّ عمر أو عثمان، فأبدل إسميهما أو إسم أحدهما بقوله: فلان) (مغازي الواقدي، ج1، مقدّمة مارسدن جونس ص 18,  تحقيق العلامة الطائي في مقدمة كتابه نظريات الخليفة عثمان)..

تخلف عثمان عن بيعة الرضوان
كانت بيعة الرضوان أيام الحديبية عندما جمع النبي (ص)  أصحابه للبيعة ،( فبايعوه بأجمعهم على الموت في نصرته وعلى أن لايفروا  لم يتخلف منهم الا رجل يدعى الجد بن قيس الانصاري وعثمان ابن عفان) (باختصار عن البداية والنهاية لابن كثير  ج 4 ص 32), إن المؤرخ ابن كثير أموي الهوى لكنه لم يستطع أنكار هذه الحقيقة , و اجتمع غيره من المؤرخين  على ذلك. لم يشأ عثمان ان يكون في بيعة الرضوان ترضية لقريش المشركة آنذاك, فأمنته قريش ودعته من بين جميع المسلمين للقدوم الى مكة, وليس كذلك فقط قد آوى عثمان جاسوس قريش على المسلمين معاوية بن المغيرة في بيته بالمدينة وسيأتي بيانه لاحقا .

نبواءات في عثمان
قال النبي الكريم (ص) : ( لوبلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلاً أتخذوا مال الله دولا وعباده خولا ودينه دخلا)( مسند أحمد بن حنبل ج3 ص 8. كنز العمال ج 11 ص 165. المستدرك للحاكم ج4 ص 526) . هذا الحديث من المعجزات لأخباره عن غيب , وعثمان من آل بني العاص , ولما أستلم عثمان مقاليد الامور تحققت نبوءة هذا الحديث . أما قول النبي (ص) دولاً فيعني أن يكون المال لناس دون ناس, وأما الخول فهم العبيد والمستضعفون , والدخل هو العيب والفساد ويعني هذا أدخال الفساد على الدين ومعاملة الناس معاملة العبيد ورفع اناس فوق اناس , وهو مافعله عثمان, فقرب أهله وعشيرته ومنحهم المناصب والاموال الطائلة , ونفى خيرة أصحاب النبي وأغتال بعضهم وعاقب الاخرين بالضرب  وسيأتي تفصيل ذلك . يقول النبي (ص) كذلك :(فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش.)( صحيح البخاري , باب الفتن، الحاكم في المستدرك ج 4 ص 470) وهذا من النبواءات ايضا , ففسدت الامة في عهد عثمان وتولى امور امصارها غلمان قريش أمثال عبدالله بن عامر بن كريز ابن خالة عثمان, وعبد الله بن أبي سرح أخو عثمان لأمه ,والوليد الفاسق من آل معيط, وغيرهم. صارت الامور لبني أمية بعدما تسلم عثمان الحكم , ومرت بنا تهنئة ابو سفيان شيخ الامويين لعثمان بالخلافة  ونصحه له بأن يجعل الملك والخلافة كالكرة يتلقفها بنو أمية واحد الى اخر (راجع فصل عمر) .وكذلك فعل عثمان,  فقد عزل ولاة الامور في الامصار الذين كانوا في عهد عمر ووضع محلهم بطانته من بني أمية  وبني العاص . كان تقريب عثمان لأقرباءه من آل أبي العاص وبني أمية سبباً من أسباب الثورة على عثمان , روى الطبري : ( عن عامر بن سعد، قال: كان أول من اجترأ على عثمان بالمنطق السيء جبلة ابن عمرو الساعدي، مر به عثمان وهو جالس في نادي قومه، وفي يد جبلة بن عمرو جامعة، فلما مر عثمان سلم، فرد القوم، فقال جبلة: لم تردون على رجل فعل كذا وكذا! قال: ثم أقبل على عثمان، فقال: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه. قال عثمان: أي بطانة! فو الله إني لأتخير الناس؛ فقال: مروان تخيرته! ومعاوية تخيرته! وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته! وعبد الله بن سعد تخيرته! منهم من نزل القرآن بدمه، وأباح رسول الله (ص) دمه.) ( تاريخ الطبري ج2 ص482 , باب عثمان).

ولاة عثمان بن عفان على الامصار
1- عزل عثمان والي البصرة ابو موسى الاشعري ونصب مكانه عبد الله بن عامر بن كريز وهو ابن خال عثمان , وكان عمر عبدالله بن عامر 25 عاما انذاك ولبس الخز (الحرير) وجبة حمراء (اسد الغابة لابن الاثير ج3 ص 192  )  وفي رواية ابن عبد البر كان عمره حين ولاه عثمان 16 عاماً (الاستيعاب لابن عبد البر ج3 ص932 ترجمة عبدالله بن عامر). عند مقتل عثمان بن عفان ينهب عبد الله بن عامر بيت المال في البصرة ويأتي المدينة ( الكامل لابن الاثير ج 3 ص 106). أغتيل عبد الله بن عامر هذا في عهد معاوية  قبيل تنصيب معاوية ابنه يزيدا وليا للعهد.
2- بعد أن أعطى سعد بن أبي وقاص صوته لعثمان في مجلس الشورى الصوري كما تقدم في فصل (عمر ),  يجازيه عثمان بن عفان فيعينه والياً على الكوفة , ثم يعزله بعد أقل من سنة ويعين محله الفاسق الوليد بن عقبة بن أبي معيط, وقد مرت بنا خطة عمر وعثمان في جلب سعد بن أبي وقاص من الكوفة ليصوت لعثمان في مجلس الشورى( راجع قصة الشورى في فصل عمر).  تجتمع تفاسير القرآن على أن الوليد بن عقبة هذا  أنزلت فيه الاية ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (  الحجرات 6) , اشتهر الوليد بالخمر والمجون وكان في الكوفة يصلي الفجر بالناس وهو سكران, فذهب جماعة من الكوفيين إلى يثرب يشكونه إلى عثمان، و صحبوا معهم خاتمه الذي انتزعوه منه في  سكره كدليل على سكره الشديد ، ولما قابلوا عثمان، وشهدوا عنده بما رأوه من شرب الوليد للخمر، زجرهم عثمان، وقال لهم: مايدريكم أنه شرب الخمر فخرجوا من عنده.  وذهبوا إلى الامام علي بن أبي طالب ، وأخبروه بما ألم بهم فانبرى الامام إلى عثمان قائلا: دفعت الشهود وأبطلت الحدود, فقال عثمان لعلي : ماترى؟ قال علي :أرى ان تبعث إلى صاحبك، فان أقاموا الشهادة في وجهه ولم يدل بحجة أقمت عليه الحد.
لم يجد عثمان بدا من الاذعان فكتب الى الوليد يأمره بالمجئ اليه فلما مثل بين يدي عثمان, دعا عثمان الشهود فشهدوا عليه فقام الامام علي بن أبي طالب ليجلده فسب الوليد عليا وقال له : ياصاحب مكس , فضرب علي به الارض واقام الحد جلدا وهو يقول : لتدعني قريش جلادها, فصاح عثمان بعلي مدافعا عن الوليد : ليس لك ان تفعل به هذا! فقال علي: بلى وشر من هذا اذا فسق. ( بتصرف عن مروج الذهب للمسعودي.)
لم يجد عثمان بن عفان بدا سوى عزل الوليد بن عقبة بعد فضائحه ونصب مكانه على الكوفة من هو شر منه وهو قريب اخر لعثمان وهو سعيد بن العاص . كان سعيد منحرفا طائشا كالوليد ومن اقواله ( انما الكوفة بستان لقريش) وهو يعني أن ماتأتيه الكوفة من غلاة ودخل قومي أنما سيكون لقريش, وهي مقولة تعبر عن النفس الاستغلالي للحكام الظلمة وتظهر الاسلام وكأنه دين استعماري ينهب الشعوب ليتمتع رجال الحكم بخيرات وكنوز البلاد .
3- في عهد عمر كان عمرو بن العاص والي مصر فعزله عثمان ونصب محله عبد الله بن أبي سرح وهو أخو عثمان لأمه( ستأتي ترجمته في فصل أعداء النبي) . عبد الله  بن أبي سرح هذا من الذين أهدر النبي محمد(ص) دمهم لجرأته على الدين وكذبه على النبي (ص) . فقد كان ابن سرح من الكتبة وكان يغير في كتابته لآيات القران استهزاءا بالنبي ويقول لاصحابه : مايدري محمد ماذا أكتب ! ثم يهرب مرتدا ويهدر النبي دمه (بتصرف عن الاستيعاب لابن عبد البر, ج 2  ص 378 ,ترجمة ابن سرح  ). بعد فتح مكة أذعن كفار قريش للمسلمين خوفا وطمعا ومنهم عبد الله بن أبي سرح هذا , فيأتي عثمان متوسلا بالنبي  (ص) ليعفي عنه ( ابن سرح أخو عثمان لإمه) , والنبي  يعرض عنهما, ثم يعاتب النبي (ص) اصحابه بعد الحادثة فيقول لهم : ما منعكم أن يقوم احدكم الى هذا الكلب فيقتله! ( مغازي الواقدي, غزوة الفتح صفحة 267 ) . إن الذي سماه النبي بالكلب يصبح واليا على مصر في عهد عثمان ,فتأمل.
لم يطق أهل مصر واليهم الظالم عبد الله بن أبي سرح فأتوا في سبعمائة رجل الى المدينة يطلبون من الخليفة عثمان أن يعزل بن أبي سرح لسوء حاله وطيشه.فلم يأبه عثمان بهم فقال له الامام علي : انما يسألك القوم رجلا مكان رجل, وقد ادعوا قبله دما, فاعزله عنهم واقض بهم , فان وجب عليه حق فانصفهم منه !  تأمل ايها القارئ اسلوب الامام علي في الحكم والعدالة قلما نجد مثله في ارقى الامم, ولكن حقه قد غمط  وصار مقامه في عهد الخلفاء كمقام باقي الناس.
استجاب عثمان لمطالب أهل مصر على كره وقال لهم : اختاروا رجلا اوليه عليكم مكانه فاشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر وهو ابن الخليفة الاول أبوبكر, فوافق عثمان ظاهريا على ذلك و هيأ خطة غادرة لقتل محمد بن أبي بكر ومن معه وتصرف وكأنه يريد خيراً لكنه أضمر الشر والقتل , ثم كتب عثمان عهده لهم  ووجه معهم بعض المهاجرين والانصار من أهل المدينة ليذهبوا الى مصر . لكن مصاريف القدر فضحت الغدر , كما يلي : بينما القوم ومعهم محمد بن أبي بكر  خارجين من المدينة  في طريقهم الى مصر  شاهدوا رجلا قادما من يثرب (المدينة) فأوقفوه  فاذا هو ورش غلام عثمان, ففتشوا متاعه فوجدوا رسالة بختم عثمان بن عفان موجهة الى حاكمه الظالم اخيه في مصر عبد الله بن أبي سرح يأمره فيها بالتنكيل بالقوم القادمين من مكة وهو الوفد المصري وبعض المهاجرين والانصار وهي خطة غادرة للتخلص من المعارضة وابقاء الحكم لعبدالله بن أبي سرح وكان الخط في الكتاب هو خط وزير عثمان وهو مروان بن الحكم . ويذكر البلاذري نص الكتاب حيث مكتوب فيه : (أما بعد: فإذا قدم عليك عمرو بن بديل فاضرب عنقه، واقطع يدي ابن عديس و كنانة، وعروة، ثم دعهم يتشحطون في دمائهم حتى يموتوا، ثم أوثقهم على جذوع نخل) ,فغضب القوم على ذلك الغدر من عثمان ووزيره مروان فقفلوا راجعين الى يثرب وقد صمموا على خلع عثمان أو قتله, وقتل عثمان بعد ذلك . ( بتصرف عن أنساب الاشراف للبلاذري) وكانت هذه الحادثة هي الدافع الاخير لقتل الخليفة الثالث عثمان وسيأتي تفصيلها فيما بعد.
4- ابقى عثمان على ولاية الشام معاوية بن أبي سفيان, وفي عهده ضم فلسطين والاردن الى الشام فصارت تحت أمرة معاوية بن ابي سفيان ,وصار لمعاوية نفوذ وقوة جيش لايجاريه احد, فيا له من تمهيد لخلافة طلقاء بني أمية بدأ به الخلفاء حتى اينع واستوى في عهد عثمان  .

  


نهب الاموال
تميز عهد عثمان بالبذخ فقد أغتنت الدولة بمال الفتوحات , وكان عثمان كريما فقط على عشيرته فكان يصرف عليهم من أموال بيت المسلمين ويغدقهم  بالعطايا والاراضي والهبات, و خصص قسما كبيرا من الثروة للصفوة من انصاره وحرم معارضيه من العطايا إلا من كان يخاف من لسانه وسطوته وعشيرته , وسيأتي ذكر عطاياه على بني أمية وعلى اقاربه ليتبين  البذخ الكافر في دولة الاسلام التي كان خليفتها عثمان بن عفان.
نوه عثمان في أكثر من حادثة تحيزه لعشيرته وعمومته فقد قال يوما لجمع من المسلمين وفيهم عمار بن ياسر (لو أن مفاتيح الجنة في يدي لاعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم، والله لاعطينهم ولاستعملنهم على رغم أنف من رغم. فقال عمار: على رغم أنفي ؟ قال: على رغم أنفك. قال: وأنف أبي بكر وعمر ؟ فغضب عثمان فوثب إليه فوطئه وطأ شديدا، فأجفله الناس عنه) ( تاريخ المدينة لابن شبة ج3 ص 1098, باب خلافة عثمان)
ومثله ذكر ابن حنبل : (فقال عثمان  لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم) ( مسند احمد ج1 ص417). ولم يذكر ابن حنبل في مسنده ان عثمانا ضرب عمارا كما ذكر ابن شبة فكأنه بتر الرواية كي لايظهر قسوة عثمان وصلافته مع عمار . هذا وماقبله أعتراف  بلسان الخليفة على ولاء منقطع النظير لعشيرته. وقد ذكر الامام علي في ايام خلافته مصداق ذلك فقال يصف عهد عثمان ( وقام معه بنو أبيه يخضمون مال المسلمين خضم الابل نبتة الربيع) ( نهج البلاغة , الخطبة الشقشية).

عطايا عثمان لعشيرته
كان في يثرب ( المدينة) سوق يسمى تهروز تصدق به النبي محمد (ص) على جميع المسلمين, لكن عثمان قام في عهده بوهب ذلك السوق لقريبه الحارث بن الحكم بن ابي العاص (أخو مروان بن الحكم),ووهبه ابل الصدقة التي وردت الى المدينة (  عن حياة الامام الحسين لباقر شريف القرشي ونقله عن انساب الاشراف للبلاذري ج 5  ص28 , العقد الفريد ج 3 ص 103 ). لم يكتف عثمان بهذا فقد أعطى للحارث بن الحكم ثلاثمائة ألف درهم( انساب الاشراف للبلاذري ج 5 ص 52. ) .الحكم  هو ابن عم عثمان وبذلك يكون مروان بن الحكم ابن ابن عم الخليفة.
وهب عثمان الى أبي سفيان شيخ بني أمية مائتي ألف من بيت المال (شرح النهج  لابن أبي الحديد ج1 ص 67)  ولاندري هل بيت مال المسلمين لتوزيع الهبات والعطايا أم للامة وما تحتاجه ؟
أما سعيد بن العاص , قريب الخليفة عثمان والوالي على الكوفة بعد الوليد الفاسق , فقد وهبه عثمان مائة الف درهم (انساب الاشراف للبلاذري ج5 ص 28.) ولم يرض أهل الكوفة بولاية سعيد بن العاص هذا وكان ذلك من اسباب ثورة اهل الكوفة على عثمان. ولد سعيد بن العاص هذا في عام الهجرة وقُتل ابوه في بدر كافرا , قتله علي بن أبي طالب . وبعد مقُتل عثمان بن عفان , اعتزل سعيد الناس ولم يبايع علياً قاتل أبيه, ولما صار معاوية ملكا ولاه على المدينة, فكان معاوية يداول بينه وبين مروان بن الحكم على ولاية المدينة . ( بتصرف عن الاستيعاب لابن عبد البر ج1 ترجمة سعيد).
وهب عثمان بن عفان لزوج ابنته عبد الله بن خالد بن أسيد ستمائة ألف درهم من بيت مال المسلمين في البصرة حيث كتب لواليه على البصرة عبد الله بن عامر بأن يدفع هذه الهبة من بيت مال الدولة( حياة الامام الحسين لباقر شريف القرشي,  تاريخ اليعقوبي ج2 ص 145), تأمل فعل الخليفة  فكأنه  قدّم ابنته إلى عبد الله بن خالد وجعل مهرها من بيت المال! ألا يذكرنا هذا العمل بما يفعله الملوك والرؤساء العرب , ومن العجيب أن الذين يثورون على الحكام العرب في عصرنا لايتبرأون من أعمال عثمان وغيره من الخلفاء, لجهلهم بتاريخهم وبسبب التحريف الذي قام به وعاظ السلاطين فرفعوا الخلفاء ومنهم عثمان  الى مقامات مقدسة .
أما الوليد بن عقبة الفاسق فقد استقرض من خازن بيت مال المسلمين الصحابي عبد الله بن مسعود أموالا طائلة  فأقرضه، وطلبها  منه عبد الله من مسعود بعد ذلك  فأبى الوليد أن يعيد الاموال, ولما ورفع عبد الله بن مسعود رسالة إلى عثمان يشكوه اليه، كتب عثمان إلى عبد الله رسالة جاء فيها : انما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال ! فغضب ابن مسعود، وطرح مفاتيح بيت المال وقال : كنت أظن اني خزان للمسلمين، فاما اذا كنت خازنا لكم فلا حاجة لي في ذلك .وأقام بالكوفة بعد أن استقال من منصبه (باختصار عن انساب الاشراف للبلاذري ج 5 ص 30.). لم ينس عثمان فعل عبد الله بن مسعود فأسر ذلك في نفسه ولم يطل العهد حتى مات الصحابي عبد الله بن مسعود في عهد عثمان بعد ضربه من جلاوزة الخليفة فمات رحمه الله مظلوما, وسيأتي تفصيل ذلك.
 الحكم بن أبي العاص بن أمية : (الحكم بن أبي العاص هو عم الخليفة الثالث عثمان) ( الاصابة للعسقلاني , ترجمة الحكم), ستأتي سيرته في فصل (اعداء النبي).
الحكم بن أبي العاص من ألد اعداء النبي محمد (ص), فقد كان يتجسس على النبي في بيته وكان يقلد مشيته ساخراً  ,وقد يظن القارئ أن مافعله  الحكم كان في عهد الجاهلية ولكن ليس كذلك, فما فعله  الحكم  كان بعد اسلامه , فنفاه محمد (ص) إلى الطائف وسماه بالوزغ, والوزغ نوع من سلاحف الصحراء ,وحرم عليه الدخول الى المدينة ,ولما مات النبي (ص) راجع عثمان أبا بكر ليدخله فرفض أبو بكر، ولما مات أبو بكر راجع عثمان عمر ليدخله المدينة فأبى عمر. روى الطبراني: ( عن ابن عباس , قال: إنما كان نفي النبي (ص) الحكم بن أبي العاص من المدينة إلى الطائف , بينما النبي في حجرته فإذا هو إنسان يطلع عليه , فقال النبي (ص):الوزغ , الوزغ, فنظر فإذا هو الحكم , فقال النبي(ص) :اخرج لا تساكني بالمدينة ما بقيت , فنفاه إلى الطائف.) ( المعجم الكبير للطبراني ج10 ص 294) , وذكر الدينوري : (وكان مروان يكنى أبا عبد الملك وأبوه الحكم ابن أبي العاص كان طريد رسول الله (ص) وأسلم يوم فتح مكة ومات في خلافة عثمان، وكان سبب طرد رسول الله (ص) إياه أنه كان يفشي سره فلعنه وسيره إلى بطن وج فلم يزل طريداً حياة النبي  وخلافة أبي بكر وعمر، ثم أدخله عثمان وأعطاه مائة ألف درهم) ( كتاب المعارف لابن قتيبة  ج1 ص80).
إنبرى ابن تيمية الحراني مدافعا عن عثمان فقال مبررا رد الحكم الى المدينة:   
(وبالجملة فنحن نعلم قطعا أن النبي  لم يكن يأمر بنفي أحد دائما ثم يرده عثمان معصية لله ورسوله ولا ينكر ذلك عليه المسلمون وكان عثمان  أتقى لله من أن يقدم على مثل هذا بل هذا مما يدخله الاجتهاد, فلعل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يرداه لأنه لم يطلب ذلك منهما وطلبه من عثمان فأجابه إلى ذلك أو لعله لم يتبين لهما توبته وتبين ذلك لعثمان وغاية ما يقدر أن يكون هذا خطأ من الاجتهاد أو ذنبا) ( منهاج السنة لابن تيمية الحراني ج6 ص167) . إن دأب ابن تيمية هو تبييض افعال الخلفاء والسلاطين فتأمل كلامه الركيك ومحاولة التفافه على المعاني والحقائق ,وكم من سار على منواله لرفع مقام الخلفاء والملوك بزيف الكلام وسفسطاته. وخير رد على تهافت كلامه هو ماقاله الذهبي اموي الهوى كذلك الذي لم يستطع انكار حقيقة نفي الحكم فقال في الحكم (الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي، والد مروان وابن عم أبي سفيان، وعم عثمان بن عفان. أسلم يوم الفتح. كان يفشي سر النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل كان يحاكيه في مشيته، فطرده إلى الطائف وسبه. فلم يزل طريداً إلى أن استخلف عثمان، فأدخله المدينة وأعطاه مئة ألف) ( كتاب العبر في خبر من غبر للذهبي ج1 ص 5) إن كلام ابن تيمية الذي يقول فيه : (أن عثمان أتقى من أن يقدم على مثل هذا !) قول لامعنى له ولن يغير من حقائق التاريخ.



 مروان بن الحكم بن أبي العاص
استوزر الخليفة عثمان ابن عمه مروان بن الحكم  وجعله مستشاره الخاص، فصارت جميع مقدرات الدولة تحت تصرفه، ووهب من الاموال ما يلي:
 اعطاه خُمس غنائم افريقية، وقد بلغت خمس مائة الف دينار( تاريخ ابي الفداء ج 1 ص 168 .طبقات ابن سعد ج 3 ص 24 ), ووهب له ألف وخمسين أوقية، لا نعلم أنها من الذهب أو الفضة  (سيرة الحلبي ج2 ص 87.). فقال في ذلك الصحابي عبد الرحمن بن حنبل:
وأحلف بالله جهد اليمين  ما ترك الله أمرا سدى
ولكن جُعلت لنا فتنة  لكي نبتلى بك أو تبتلى
دعوت الطريد فأدنيته  خلافا لما سنه المصطفى
ووليت قرباك أمر العباد  خلافا لسنة من قد مضى
وأعطيت مروان خمس الغنيمة آثرته وحميت الحمى
ومالا أتاك به الأشعري  من الفيء أعطيته من دنا
( الاستيعاب في معرفة الاصحاب لابن عبد البر ج1 ص 250, ترجمةعبد الرحمن بن حنبل) ولما علم عثمان بما قاله عبد الرحمن بن حنبل طرده من المدينة ونفاه, وهي سياسة كان يستعملها عثمان مع  من يخالفه ,وقد فعلها مع أبي ذر وحذيفة كما سيأتي .
فوق تلك الهبات أعطى الخليفة عثمان  لمروان بن الحكم مائة الف من بيت المال، فجاء زيد بن أرقم خازن بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وجعل يبكي فنهزه عثمان وقال له : (أتبكي إن وصلت رحمي ؟  فقال زيد بن أرقم:  لا ولكن أبكي لاني أظنك أنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت انفقته في سبيل الله في حياة رسول الله ,  لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا! فصاح به عثمان: الق المفاتيح ياابن أرقم فانا سنجد غيرك ) ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص 67.). ثم يهب عثمان بن عفان لمروان (فدك)   (تاريخ أبي الفداء  ج1 ص 168) , وتقدم ذكر فدك في فصل السقيفة , تلك الارض التي وهبها النبي الكريم لابنته الزهراء فاطمة, ثم غصبها الخلفاء منها بعد رحيل النبي  وأدعى الخليفة  أبوبكر أن النبي لايورث, وتمر السنون  لينعم عثمان بن عفان على مروان طريد الرسول بفدك , فتأمل !
روى الفسوي : ( حدثني سليمان: أن عمر نظر في مزارعه فخرق سجلاتها غير مزرعتي خيبر والسويداء. فسأل عمر: خيبر من أين كانت لأبيه ؟ قيل: كانت فيئاً على رسول الله  فتركها رسول الله (ص)فيئاً على المسلمين حتى كان عثمان بن عفان فأعطاها مروان بن الحكم، وأعطاها مروان بن عبد العزيز أبا عمر، وأعطاها عبد العزيز عمر، فخرق سجلتها وقال: أنا أتركها حيث تركها رسول الله . وبلغني أنها فدك.) ( المعرفة والتاريخ ج1 ص137 ليعقوب الفسوي المتوفى277 هجرية). 
 لم يستغرق الزمن طولا حتى صار مروان المليونير هذا  خليفة وملك على المسلمين في دولة بني أمية فللمال سطوته وقوته.
لم يستطع ابن تيمية إيجاد حل لمثالب عثمان في تقريبه لعشيرته فكتب   
(وأما إعطاؤه خمس غنائم إفريقية وقد بلغت مائتي ألف دينار فمن الذي نقل ذلك ,وقد تقدم قوله إنه أعطاه ألف ألف دينار والمعروف أن خمس إفريقية لم يبلغ ذلك ونحن لا ننكر أن عثمان رضي الله عنه كان يحب بني أمية وكان يواليهم ويعطيهم أموالا كثيرة وما فعله من مسائل الاجتهاد التي تكلم فيها العلماء الذين ليس لهم غرض) ( منهاج السنة لابن تيمية ج6 ص 233), ابن تيمية  يقر أن عثمان كان يحب قومه ويواليهم ويعطيهم أموالا ثم يقول أن ذلك من مسائل الاجتهاد وليس للناس في ذلك غرض ! ولاندري كيف نسمي الاجتهاد أجتهادا أذا خالف نص القرآن والسنة؟  فأموال بيت المال في الاسلام هي لجماهير الناس وليست لاقارب الخليفة وعشيرته , لكن ابن تيمية يغض الطرف عن ذلك .

عثمان يهب الاموال لمن يخاف سطوتهم
اغدق عثمان بن عفان الاموال على من يخاف سطوتهم كذلك, ومنهم طلحة بن عبيد الله الذي اعطاه مائتي الف دينار ,وكان على طلحة ديناً بمقدار خمسون ألفا  فوهبها له أيضاَ (تاريخ الطبري  ج5 ص 139 .) . وخلف طلحة  بعد وفاته مائة بهارا في كل بهار ثلاث قناطر ذهب، والبهار جلد ثور وهذه هي التي قال عثمان فيها يوم حاربه طلحة وحاصره في بيته : (ويلي على ابن الحضرمية (يعني طلحة) أعطيته كذا وكذا بهار ذهبا وهو يروم دمي يحرض على نفسي) ( شرح ابن أبي الحديد ج2 ص 404)  وسيأتي تفصيل ذلك في فصل (الامام علي) وفصل  (أعداء النبي).  مائة كيس بحجم جلد الثور ملأى بالذهب , ياللبذخ الفاحش! ذكر ابن الجوزي أن طلحة ترك مائة بعير تحمل ذهبا وهو مصداق لقول ابن ابي الحديد.
ويذكر العلامة الاميني :
 (طلحة بن عبيد الله التيمي: إبتنى دارا بالكوفة تعرف بالكناس بدار الطلحتين، وكانت غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك وله بناحية سراة أكثر مما ذكر، وشيد دارا بالمدينة وبناها بالآجر والجص والساج. وعن محمد بن إبراهيم قال: كان طلحة يغل بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة ألف، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو أكثر أو أقل
وقال سفيان بن عيينة: كان غلته كل يوم ألف وافيا. والوافي وزنه وزن الدينار، وعن موسى بن طلحة: إنه ترك ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار، وكان ماله قد اغتيل. وعن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: كان قيمة ما ترك طلحة من العقار والأموال وما ترك من الناض ( الناض هو الدرهم ) ثلثين ألف ألف درهم، ترك من العين ألفي ألف ومائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار والباقي عروض. وعن سعدى أم يحيي بن طلحة: قتل طلحة وفي يد خازنه ألفا ألف درهم ومائتا ألف درهم، وقومت أصوله وعقاره ثلاثة ألف ألف درهم. وعن عمرو بن العاص: أن طلحة ترك مائة بهار في كل بهار ثلاث قناطر ذهب وسمعت إن البهار جلد ثور. وفي لفظ ابن عبد ربه من حديث الخشني: وجدوا في تركته ثلاثمائة بهار من ذهب وفضة. وقال ابن الجوزي: خلف طلحة ثلثمائة جمل ذهبا. وأخرج البلاذري من طريق موسى بن طلحة قال: أعطى عثمان طلحة في خلافته مائتي ألف دينار.
( باختصارعن الغدير للأميني , باب عثمان  ج1 ص188 ,ونقله عن طبقات ابن سعد ج3 ص 158, الأنساب للبلاذري ج5 ص7  ، مروج الذهب للمسعودي ج1 ص 434، العقد الفريد  ج2 ص 279 ، الرياض النضرة للمحب الطبري ج2 ص 258 , دول الاسلام للذهبي, الخلاصة للخزرجي ص 152.)
 هذه الهبات هدية لطلحة أحد أعضاء مجلس الشورى الصوري وهي لم  تكن حباً بطلحة بل خوفاً منه, فطلحة كان يعلم دور عثمان في تسميم الخليفة الاول ابوبكر ,وطلحة تيمي من قبيلة أبي بكر فلن ينسى الاخذ بثأر قريبه وكان طلحة نفسه يطمح بالخلافة والامارة , ولذا رغماً عن كل تلك الرشاوي والاموال صار طلحة من المحرضين والمشاركين في قتل عثمان كما سيأتي , وأورد المؤرخون دوره فذكروا (لم يكن أحد من أصحاب النبي (ص) أشد على عثمان من طلحة.) ( البلاذري في أنسابه ج2 ص 289, وابن عبد ربه في العقد الفريد ج2 ص 95) .
 أما الزبير بن العوام المعارض الوحيد في مجلس الشورى الصوري الذي استحدثه عمر , فقد طمعه عثمان بمال المسلمين واكرمه  بستمائة ألف دينار حتى بنى الزبير احدى عشر دارا في المدينة ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة ، ودارا بمصر( عثمان للعلامة الاميني ونقله عن صحيح البخاري , باب الجهاد  ج5 ص 21) , وقال ابن سعد (كان للزبير بمصر خطط، وبالاسكندرية خطط، وبالكوفة خطط، وبالبصرة دور، وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة) ( طبقات الصحابة لابن سعد , ترجمة الزبير) , وروى المسعودي فقال في الزبير ( بنى دارا بالبصرة وهي المعروفة في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة تنزلها التجار وأرباب الاموال واصحاب الجهاز من البحريين وغيره , وابتنى أيضا دورا بمصر والكوفة والاسكندرية وماذكرنا من دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول الى هذه الغاية , وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار , وخلف الزبير ألف فرس , وألف عبد وأمة وخططاً) ( مروج الذهب ج2 ص 342). يبدو لاول وهلة أن ألف عبد وأمة رقم كبير ,ولكن عندما نعلم أن للزبير دور وقصور كثيرة كما ذكر المؤرخون يكون تصديق عدد عبيده ممكن , لأن تلك الدور والضيع والخطط بحاجة الى خدم وعمال وزراع فأولئك هم عبيد الزبير الذين تجاوزا المئات .
 أما زيد بن ثابت فقد وهبه عثمان أموالا طائلة وأبقاءه في منصبه الرفيع الذي خلعه عليه الخليفة الثاني عمر فكان زيد بن ثابت اليهودي الاصل قاضي قضاة الدولة. ولما توفي زيد خلف من الذهب والفضة ما يكسر بالفؤوس، عدا ما ترك من الاموال والضياع ما قيمته مائة الف(مروج الذهب للمسعودي  ج2 ص 342.).- ستأتي سيرة زيد بن ثابت في فصل (دوراليهود)-.
أما عبد الرحمن الذي أدلى للخلافة لعثمان ونصبه خليفة فماذا جزاءه ؟ أقرأ هذه الارقام ايها القارئ وهيأ حاسبتك لترى الغنى الفاحش للصحابي عبد الرحمن بن عوف الزهري , قال العلامة الاميني في غديره  : (ترك عبد الرحمن ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحا. وقال: وكان فيما خلفه ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه، وترك أربع نسوة فأصاب كل امرأة ثمانون ألفا. وعن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن قال: صالحنا امرأة عبد الرحمن التي طلقها في مرضه من ربع الثمن بثلاثة وثمانين ألفا. وقال اليعقوبي: ورثها عثمان فصولحت عن ربع الثمن على مائة ألف دينار. وقيل: ثمانين ألف. وقال المسعودي: إبتنى داره ووسعها وكان على مربطه مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ بعد وفاته ثمن ماله أربعة وثمانين ألفا.)
 (  الغدير للأميني ,كتاب عثمان , ومصادره: طبقات الصحابة  لابن سعد ج3 ص96 , تاريخ اليعقوبي  ج2ص 146، مروج الذهب للمسعودي ج 1ص434 ,صفة الصفوة لابن الجوزي ج1ص138، الرياض النضرة للمحب الطبري ج 2 ص 291)
لقد وصل الامر بعثمان أن يمنع المسلمين أن يرعوا مواشيهم حول المدينة فقد جعل تلك المراعي لمواشي بني أمية فقط ( شرح النهج لابن أبي الحديد ج1 ص67) , أما منطقة الشرف في الربذة فقد جعلها لابله فقط ترعى فيها وكان يملك ألف بعير ( عن شرح ابن أبي الحديد  نقلا عن الواقدي ) , وهكذا تناسى عثمان حديث الرسول الذي يقول الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار, وضرب هذا الحديث عرض الحائط اكراما لقومه, ومنع الناس من الماء والكلأ في تلك المراعي وجعلها لبني أمية فقط.
 وأما عن نفسه فلم يكن عثمان من الزهاد كما صوره لنا  وعاظ المساجد وكتبة البلاط , بل كان في الحقيقة يحب المال والبذخ , روى ابن سعد وغيره:
(قال محمد بن ربيعة: رأيت على عثمان مطرف خز ( حرير) ثمن مائة دينار فقال: هذا لنائلة  كسوتها إياه، فأنا ألبسه أسرها به (نائلة هي من زوجات عثمان). وقال أبو عامر سليم: رأيت على عثمان بردا ثمنه مائة دينار)( كتاب عثمان للأميني من موسوعة الغدير, وعن طبقات ابن سعد ج3 ص 40 ، أنساب البلاذري ج3 ص 4، الاستيعاب لابن عبد البر ترجمة عثمان.)
 شيد عثمان دارا في يثرب فبناها بالحجر والكلس وجعل أبوابها من الساج والعرعر، واقتنى اموالا، وجنانا وعيونا بالمدينة (مروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 334  )وكان ينضد اسنانه بالذهب، ويتلبس باثواب الملوك، وانفق الكثير من بيت المال في عمارة ضياعه ودوره (السيرة الحلبية لدحلان ج2 ص 87). وروى اليعقوبي في عثمان (أسنانه مشدودة بالذهب، يصفر لحيته)( تاريخ اليعقوبي ج1 ص175)
 ولما قُتل عثمان وجد عند خازنه ثلاثون الف الف درهم، وخمسون ومائة الف دينار، وترك الف بعير وصدقات ببراديس وخيبر ووادي القرى ما قيمتها مائتا الف دينار ( حياة الامام الحسين لباقر القرشي ونقله عن طبقات ابن سعد ج 3 ص 53) ومثل ذلك ذكر المسعودي في مروج الذهب ! وذكر العلامة الاميني في غديره  نقلا عن الذهبي في دول الاسلام ج 1 ص 12 أنه كان قد صار لعثمان أموال عظيمة وامتلك  ألف مملوك.! فتأمل أيها القارئ ألف مملوك ! اخيرا يمكننا القول أن عثمان بن عفان مات وهو أغنى بكثير ممن نسمي احدهم في عصرنا الحالي بالملياردير, بينما عاش غيره من صحابة النبي في فاقة وعوز مثل الصحابي عبد الله بن مسعود وأبوذر الغفاري وكان هو سبب فقرهم هو منع  العطاء عنهم  من قبل عثمان نفسه ,وسيأتي ذكر ذلك.

عثمان يتخلى عن صاحبه عبد الرحمن بن عوف ويخون قسم بيعة الخلافة !
لما بنى عثمان قصره (طمار الزوراء) أولم وليمة  ودعا الناس  وكان فيهم عبد الرحمن بن عوف الزهري ذلك  الذي  كان قد صفق على يد عثمان واختاره خليفة كما مر بنا في شورى الستة.  نظر عبد الرحمن إلى البناء والطعام قال: (يا ابن عفان! لقد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك، وإني أستعيذ بالله من بيعتك، فغضب عثمان وقال: أخرجه عني يا غلام! فأخرجوه وأمر الناس أن لا يجالسوه، فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض، ومرض عبد الرحمن فعاده عثمان وكلمه فلم يكلمه حتى مات. )(شرح ابن أبي الحديد ج1 ص 65) ,ويروي صاحب العقد: (لما أنكر الناس على عثمان ما أنكروا من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجلة الأكابر من أصحاب محمد (ص)، قالوا لعبد الرحمن بن عوف: هذا عملك واختيارك لأمة محمد. قال: لم أظن هذا به. ودخل على عثمان فقال له: إني إنما قدمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، وقد خالفتهما. فقال: عمر كان يقطع قرابته في الله وأنا أصل قرابتي في الله. فقال له: لله علي أن لا أكلمك أبدا. فمات عبد الرحمن وهو لا يكلم عثمان.) ( العقد الفريد لابن عبد ربه ج2 ص98).
كان عثمان بعد ذلك يرسل لعبدالرحمن من يوبخه ويشتمه فقد روى ابن شبة (حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: بينما نحن جلوس مع عبد الرحمن بن عوف في منزله إذ جاء رجل فسلم فرد عليه عبد الرحمن السلام، فقال له الرجل: قم إلي ها هنا أكلمك. فقال معه عبد الرحمن فوقف معه بين الباب والستر، ثم دخل علينا كأن وجهه البسر صرفا، فقلت له: لقد دخلت بوجه ما خرجت به. فقال: أجل، هذا رسول عثمان دعاني فشتمني ما شاء ثم ذهب. ) ( تاريخ المدينة لابن شبة ج2 ص 132, باب خبر عثمان)
بعد ذلك الجفاء بين عبد الرحمن بن عوف وعثمان يروي بن شبة هذه الحادثة:
 ( عن أبي وائل قال: لَقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لك لا تأتي أمير المؤمنين يعني عثمان ولا تغشاه. فقال له عبد الرحمن: أبْلِغْهُ عني أني لم أغِب عن بدر، ولم أفِرّ يوم عُيَيْن (يعني يوم أحد) ولم أُخالف سنة عمر. قال: فأخبر الوليد عثمان  فقال: أما يوم بدْر فإنما كانت على ابنة رسول الله ، وقد ضرب لي رسول الله ص بسهم، وأما يوم عُيَيْن فَلِمَ تُعيّرُني بذنب قد عَفَا الله لي فيه فقال: (إن الَّذِين تَولَوْا مِنكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَان)الاَية. وأما سُنَة عمر ، فواللّه ما أظنني أنا ولا هو يطيق سُنَّة عُمر.) (تاريخ المدينة لابن شبة , باب أخبار عثمان) . تأمل اقرار عثمان وأعترافه بأنه لايأخذ بسنة عمر, وهذا نكث ليمين بيعته بالخلافة ,فقد تقدم في فصل (عمر) أن عبد الرحمن بن عوف عرض على الامام علي وعلى عثمان العمل بسنة رسول الله (ص) وسنة أبابكر وسنة عمر فرفض الامام علي ذلك وقال أعمل بكتاب الله وسنة رسوله واجتهاد برأيي, أما عثمان فوافق  على العمل بسنة أبابكر وعمر فنال الخلافة , وبعد زمن يسير نكث يمينه ذلك وقال أنه لايطيق سنة عمر!  روى ابن حنبل: 
( لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد ما لي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان  فقال له عبد الرحمن أبلغه أني لم أفر يوم عينين قال عاصم يقول يوم أحد ولم أتخلف يوم بدر ولم أترك سنة عمر  قال فانطلق فخبر ذلك عثمان  قال فقال أما قوله إني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذنب وقد عفا الله عنه فقال ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم), وأما قوله إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله  حين ماتت وقد ضرب لي رسول الله  بسهمي ومن ضرب له رسول الله  بسهمه فقد شهد وأما قوله إني لم أترك سنة عمر  عنه فإني لا أطيقها ولا هو فأته فحدثه بذلك) (مسند احمد بن حنبل ج1 ص 464) , وبرواية ابن عساكر : (وأما قولك فررت يوم عينين فقد صدقت قد عفا الله عني وأما سنة عمر فوالله ما استطعتها أنا ولا أنت) ( تاريخ دمشق  ج39 ص 257 ) هذه المصادر تبين خيانة عثمان لقسم البيعة وتخليه عن سنة عمر بأعترافه.
 إن عبد الرحمن بن عوف سمع تنصل عثمان من يمينه وأعترافه بعدم تطبيق سنة أبي بكر وعمر ورأى تأمير قومه وصرفه وبذخه فقال لعثمان: (لله علي أن لا أكلمك أبدا. فلم يكلمه أبدا حتى مات وهو مهاجر لعثمان، ودخل له عثمان عائدا له في مرضه فتحول عنه إلى الحائط ولم يكلمه)( أنساب الاشراف للبلاذري ج5 ص 57، العقد الفريد لابن عبد ربه ج2 ص 258 وفي طبعة اخرى ج 4 ص 265  ) . روى الدينوري :(وكان عثمان بن عفان مهاجراً لعبد الرحمن بن عوف حتى ماتا.) ( المعارف لابن قتيبة  ج1 ص125) ,ونقول لنترك المدافعين عن نظرية عدالة الصحابة في حيرتهم وهم يقرأون هذه المشاحنات ونكث الوعود بين الصحابة.

ليس بعيداً أن ميتة عبد الرحمن بن عوف لم تكن ميتة طبيعية, فقد كان عثمان وبطانته من بني أمية أصحاب تجربة في الاغتيالات والتصفيات . لقد انفردعبد الرحمن برواية حديث الطاعون تلك التي تقدم ذكرها في فصل (عمر), وبذلك الحديث تم التخلص من المرشح المرتقب بعد عمر وهو أبوعبيدة الجراح ليكون هو (عبدالرحمن) الخليفة بعد عثمان. ولقد مر أن في مجلس الشورى السداسي  الذي ابتدعه الخليفة عمر كان الامر  لعبد الرحمن بن عوف الذي صفق على يد عثمان بن عفان ونصبه خليفة  آملا بالخلافة من بعده, ولهذا قال له الامام علي (واللّه ما وليت عثمان الا ليرد الامر اليك , واللّه كل يوم في شان) (تاريخ الطبري ج3 ص 297, الكامل لابن الاثير ج3 ص 37 ,العقد الفريد  ج3 ص 76). لكن الامور سارت على غير مايشتهي القوم ,فماحصل من فرقة وشقاق بين عبدالرحمن وبين عثمان  لم يكن الا تحقق دعوة العبد الصالح علي بن أبي طالب المغبون حقه في الخلافة , وتقدم  قول علي لعبدالرحمن : (دق الله بينكما عطر منشم .) فتحققت الدعوة الصالحة, وصارت العداوة والبغضاء بين عبد الرحمن وعثمان  بعد الود والمصالح (راجع فصل عمر). لقد ندم  عبدالرحمن على بيعته لعثمان كما تقدم ,ولكن بعد فوات الاوان ,فكانت آلة الاغتيالات الأموية جاهزة لازهاق روح مرشح الخلافة بعد عثمان , فياللاقدار التي جازت ابن عوف بما فعل عندما روى حديث الطاعون فتخلص عمر بن الخطاب من أبي عبيدة المرشح المرتقب بعده لينال الخلافة عثمان بن عفان الاموي, وبنيل عثمان للخلافة رأى معاوية أقتراب موعده في تسلم زمام الامور بموت عبد الرحمن بن عوف , وهو ما تم بعد ذلك , فصار عبد الرحمن بن عوف في عداد الموتى في زمن حكم عثمان بن عفان لتصير الخلافة أقرب الى معاوية من قبل. ولما صار الامام علي  خليفة بعد مقتل عثمان كما سيأتي في الفصل القادم حاربه معاوية بن أبي سفيان الاموي علانية وبكل مايستطيع في معركة صفين التي قتل فيها أكثر من مائة الف مسلم, فالخطة الاموية في الاستحواذ على الخلافة تأخرت بوجود الامام علي في كرسي الخلافة.





دور عثمان في الأغتيالات والنفي
عبد الله بن مسعود وعثمان
 عبد الله بن مسعود من المسلمين الاوائل وهو أول من قرأ القران في وجوه كفار قريش, وللرسول محمد(ص) احاديث كثيرة مسندة في مدح بن مسعود’ منها :
 أخرج الترمذي من طريق عبد الله في حديث قال: قال رسول الله يوصي المسلمين خيرا بعد الله بن مسعود : (تمسكوا بعهد ابن أم عبد.)( سنن الترمذي)
وقال كذلك: (تمسكوا بعهد عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه) ( مسند أحمد بن حنبل)
وقال  : (رضيت لأمتي ما رضي الله لها وابن أم عبد، وسخطت لأمتي ما سخط الله لها وابن أم عبد.) ( ابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود فقد أخرج الشيخان والترمذي عن أبي موسى قال: قدمت أنا وأخي من اليمن وما نرى ابن مسعود إلا أنه رجل من أهل بيت النبي  لما نرى من دخوله و دخول أمه على النبي )
 (مجمع الزوائد للهيثمي ج 9ص290، المستدرك للحاكم  ج3 ص 317 , كنز العمال للمتقي الهندي ج6 ص 181  )
ماهي جريمة ابن مسعود في عهد عثمان ؟ روى العلامة الاميني في غديره عن البلاذري  في كتابه أنساب الاشراف ج 5 ص 36  قال: ( إن عبد الله بن مسعود حين ألقى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة في الكوفة قال: من غيَّر غيَّر الله ما به. ومن بَدل أسخط الله عليه، وما أرى صاحبكم إلا وقد غير وبدل.) ( يقصد بصاحبكم عثمان بن عفان).
 هذه هي الجريمة الاولى بنظر الخليفة الثالث عثمان, فقد كان عبد الله بن مسعود على بيت المال في الكوفة ورأى أعمال والي عثمان على الكوفة الوليد بن عقبة وصرفه لاموال المسلمين فألقى مفاتيح بيت المال واستقال من منصبه احتجاجا على سياسة عثمان. أما جريمته الثانية فهو أمتناعه عن أعطاء مصحفه ( نسخة من القران الكريم) الى عثمان , وسبب ذلك أن عثمان أمر كُتابه بأن يكتبوا القرآن ثم أمر عثمان بجمع النسخ التي تخالف القرآن الذي جمعه فأتلفها وأحرقها وأبقى نسخة المصحف الذي كتبه كُتابه وأمر أن يكون ذلك هو القرآن , فلما سمع عبد الله بن مسعود بذلك أمتنع عن تسليم نسخة قرآنه لعثمان وكان ذلك سبب غضب عثمان عليه ( بتصرف عن تاريخ اليعقوبي ج1 ص 173). ثم أن عثمان أمر عبد الله بن مسعود أن يأتيه الى المدينة , فشد ابن مسعود رحاله وسافر الى المدينة  وفي طريق سفره يرى عبدالله بن مسعود الصحابي الاخر أباذر الغفاري وهو يلفظ انفاسه الاخيرة في حر الصحراء حيث كان قد نفاه عثمان خارج المدينة , فيقوم عبدالله بن مسعود بواجبه الانساني فيدفن اباذر المظلوم , وحين يدخل المدينة يعيره عثمان وينبزه بالقاب بذيئة ,لنقرأ الرواية كما ذكرها العلامة الاميني نقلاً عن الواقدي :
 (إن ابن مسعود لما استقدم المدينة دخلها ليلة جمعة فلما علم عثمان بدخوله قال: يا أيها الناس إنه قد طرقكم الليلة دويبة، من يمشي على طعامه يقئ ويسلح، فقال ابن مسعود: لست كذلك ولكنني صاحب رسول الله يوم بدر، و صاحبه يوم بيعة الرضوان، وصاحبه يوم الخندق، وصاحبه يوم حنين. قال: وصاحت عائشة أرملة الرسول محمد : يا عثمان! أتقول هذا لصاحب رسول الله؟ فقال عثمان: اسكتي. ثم قال لعبد الله ابن زمعة: أخرجه إخراجا عنيفا، فأخذه ابن زمعة فاحتمله حتى جاء به باب المسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعا من أضلاعه، فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان.)( أنتهى).   معنى قول عثمان ( يقئ ويسلح )  أنه يتغوط ويتبرز, و سيأتينا ذكر بن زمعة  في فصل (اعداء النبي) .
وفي رواية البلاذري ( وقام علي بأمر ابن مسعود حتى أتى به منزله، فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي، وأراد حين برئ الغزو فمنعه من ذلك وقال له مروان: إن ابن مسعود أفسد عليك العراق، أفتريد أن يفسد عليك الشام؟ فلم يبرح المدينة حتى توفي قبل مقتل عثمان بسنتين، وكان مقيما بالمدينة ثلاث سنين.) . تأمل أن عثمان بعمله ذلك يأمر ابن مسعود بالاقامة الجبرية في المدينة وتحت عيون جواسيسه وفوق ذلك يقطع عنه عطاءه وهو المرتب الذي يعيش منه وسنرى ذلك فيما يلي:
روى اليعقوبي: (واعتل ابن مسعود، فأتاه عثمان يعوده، فقال له: ما كلام بلغني عنك؟ قال: ذكرت الذي فعلته بي، أنك أمرت بي فوطئ جوفي، فلم أعقل صلاة الظهر، ولا العصر، ومنعتني عطائي. قال: فإني أقيدك من نفسي فافعل بي مثل الذي فعل بك! قال: ما كنت بالذي أفتح القصاص على الخلفاء. قال: فهذا عطاؤك، فخذه. قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا غني عنه؟ لا حاجة لي به، فانصرف. فأقام ابن مسعود مغاضباً لعثمان حتى توفي، وصلى عليه عمار بن ياسر، وكان عثمان غائباً فستر أمره. فلما انصرف رأى عثمان القبر، فقال: قبر من هذا؟ فقيل: قبر عبد الله بن مسعود. قال: فكيف دفن قبل أن أعلم؟ فقالوا: ولى أمره عمار بن ياسر، وذكر أنه أوصى ألا يخبر به، ولم يلبث إلا يسيرا حتى مات المقداد، فصلى عليه عمار، وكان أوصى إليه، ولم يؤذن عثمان به، فاشتد غضب عثمان على عمار، وقال: ويلي على ابن السوداء! أما لقد كنت به عليماً)( تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 177) ويروي شارح النهج : (ولمّا زار عثمان عبدالله بن مسعود قبل موته من كسر ضلعه: قال له استغفر لي. قال عبدالله بن مسعود: أسأل الله أن يأخذ لي حقي منك) ( شرح النهج لابن أبي الحديد ج3 ص 40), وبرواية ابن سعد:  (أن عبد الله بن مسعود أوصى إلى الزبير وقد كان عثمان حرمه عطاءه سنتين) ( الطبقات لابن سعد ج3 ص161) . فبأي يحق يحرم عثمان الناس من عطائهم ورواتبهم؟ إن عمل عثمان في ابن مسعود كان خيانة للنبي (ص) الذي أوصى بعبد الله بن مسعود خيراً ! ماذا سيقول  أصحاب العمائم المدافعون عن عثمان وعن سلوكه هذا؟ وذكر ابن شبة كذلك :
 (دخل عثمان  على عبد الله يعوده وقال:هذا عطاؤك فخذه. قال: لا حاجة لي فيه، منعتني إذ كان ينفعني - وكان حرمه عطاءه عامين) ( تاريخ المدينة لابن شبة ج3 ص 1051). أن عثمان يندم على فعلته بالصحابي عبد الله بن مسعود ويقر بأنه منع عطاءه لمدة عامين وهذا برهان على أنه منع عطاء الرجل ورزقه وحقه كمواطن , أما أن يأتي بوجه آخر طالبا صفح عبد الله بن مسعود وهو على فراش الموت فأن ذلك  يذكرنا  بما يفعله الطغاة ورجال العصابات عندما يظهرون رحمتهم لأعداءهم الموتى فينالوا ثناء الناس بذلك . روى البيهقي عن شجاع بن عطية فقال (أن عثمان بن عفان ، عاد ابن مسعود في مرضه ، فقال : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي ، قال : فما تشتهي ؟ قال : رحمة ربي ، قال : ألا ندعو لك الطبيب ؟ قال : الطبيب أمرضني ، قال : ألا آمر لك بعطائك ؟ قال :  منعتنيه قبل اليوم فلا حاجة لي فيه ، قال : تدعه لأهلك وعيالك ، قال : إني قد علمتهم شيئا إذا قالوه لم يفتقروا ، سمعت رسول الله  يقول :  من قرأ الواقعة كل ليلة لم يفتقر .)( شعب الايمان للبيهقي ج6 ص13)
إن وفاة عبد الله بن مسعود لم تكن وفاة طبيعية, فقد مات بعد أن كُسرت أضلاعه بالضرب , فعثمان لم يستطع ابقاء عبد الله بن مسعود حياً وهو الذي فضحه بين الناس وعيره بفراره من المعارك حيث قال له كما تقدم:( لكنني صاحب رسول الله يوم بدر وصاحبه يوم بيعة الرضوان وصاحبه يوم الخندق وصاحبه يوم حنين) , هذه الوقائع تخلف عثمان عنها بحجج ولم يحضرها وحضر يوم معركة أحد ثم يفر من المعركة لمدة ثلاثة أيام كما مر ذكره. فكان جزاء عبد الله بن مسعود من عثمان القتل. لقد روى عبد الله بن مسعود كذلك أحاديثا تذم عثمان وتبين صفته منها قوله أنه سمع من النبي (ص) ان عثمانا من أهل النار وأنه لايعدل عند الله جناح بعوضة وأنه (عبد الله بن مسعود) لو أستطاع لقضى على عثمان حيث يقول : (لوددت أني وعثمان برمل عالج، فنتحاشى التراب حتى يموت الأعجز) ( النص عن تقريب المعارف للحلبي ص 276).


عمار بن ياسر وعثمان
 البطل الاخر في عهد عثمان الظالم هو عمار بن ياسر  ابن سمية أول شهيدة في هذا الدين وابن ياسر الشهيد , واحاديث النبي محمد (ص) في مقام عمار كثيرة , منها:             
( عمارمع الحق والحق معه، يدور عمار مع الحق أينما دار، وقاتل عمار في النار.)( الطبقات لابن سعد ج3 ص 187,باب عمار)
وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال: ( أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع؟ قال: عليك بكتاب الله. قال: أرأيت إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب الله؟ فقال: سمعت رسول الله  يقول: إذا اختلف الناس كان ابن سمية (عمار)مع الحق. عليكم بابن سمية فإنه لن يفارق الحق حتى يموت. أو قال: فإنه يدور مع الحق حيث دار) ( الاستيعاب لابن عبد البر ج 2 , ترجمة عمار بن ياسر)
تأمل أن ابن مسعود يسمي عمارا بأبن سمية تشريفاً له وفخرا فسمية هي أول شهيدة في الاسلام . هذا عمار كتلة الايمان والعلم والخير يقف في وجه عثمان الطاغية فيلاقي منه ظلما وحيفا كبيراً وينعته عثمان بأقذع الكلام وأقبحه ويعيره ببشرته السمراء في أكثر من موضع  ويكيل له الضرب المبرح, لايبالي بمكانته عند النبي (ص) ولابكبر سنه وقدم عهده في الدين.
دَوَنَ العلامة الاميني :(أخرج البلاذري في أنساب الاشراف ج 5 ص 548  بالإسناد من طريق أبي مخنف قال: كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلي به بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه فخطب فقال: لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ وإن رغمت أنوف أقوام: فقال له علي: إذا تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه. وقال عمار بن ياسر: أشهد الله إن أنفي أول راغم من ذلك. فقال عثمان: أعلي يا ابن المتكاء  تجترئ؟ خذوه، فأخذ ودخل عثمان ودعا به فضربه حتى غشي عليه ثم أخرج فحمل حتى أتي به منزل أم سلمة زوج رسول الله  فلم يصل الظهر والعصر والمغرب فلما أفاق توضأ وصلى وقال: الحمد لله ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في الله.
ويذكر البلاذري رواية أخرى وهي وقوف عمار في وجه عثمان مرة ,فما فعل عثمان ياترى؟ لنقرأ سطرا من الرواية:
(فقال: كذبت يا ابن سمية! فقال: أنا والله ابن سمية وابن ياسر. فأمر غلمانه فمدوا بيديه ورجليه ثم ضربه عثمان برجليه وهي في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق، وكان ضعيفا كبيرا فغشي عليه.) ( ذكر الرواية كذلك المعتزلي شارح النهج). وقال أبو عمر في الاستيعاب ج 2 ص 422 وللحلف والولاء الذين بين بني مخزوم وبين عمار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فتق في بطنه  وكسروا ضلعا من أضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا: والله لئن مات لقتلنا به أحدا غير عثمان) ( باختصار عن كتاب عثمان للعلامة الاميني ونقله عن الاستيعاب لابن عبد البر وانساب الاشراف للبلاذري).
وروى ابن شبة فقال (حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن المغيرة قال: اجتمع ناس فكتبوا عيوب عثمان، وفيهم  ابن مسعود  فاجتمعوا بباب عثمان ليدخلوا عليه فيكلموه، فلما بلغوا الباب نكلوا إلا عمار بن ياسر فإنه دخل عليه فوعظه، فأمر به فضرب حتى فتق فكان لا يستمسك بوله. فقيل لعمار: ما هذا ؟ قال: إني ملقى من قريش، لقيت منهم في الاسلام كذا، وفعلوا بي كذا، ثم دخلت على هذا - يعني عثمان - فأمرته ونهيته، فصنع ما ترون، فلا يستمسك بولي. قال: وكان حيث ضرب وقع عليه رجل من قريش فقال: أما والله لئن مات هذا ليقتلن ضخم السرة من قريش. قال وهو جد هشام ابن عبد الملك) ( تاريخ المدينة لابن شبة ج3 ص 1099) وحسب هذه الرواية يكون الذي ضرب عمارا  بأمر عثمان هو مروان بن الحكم فهو جد هشام بن عبد الملك.
وهكذا يقف عمار في وجه عثمان ناهب بيت المال وكان جزاءه الضرب والتعنيف ! أيجرأ عثمان بن عفان على عمار والنبي محمد (ص) في الحياة ؟ إن الذي خالف النبي والنبي في عالم الدنيا ,حتما سيخالفه ويظلم اصحابه والنبي في عالم الاخرة.  تأمل بذاءة لسان عثمان الذي يسمي عمارا بأبن المتكاء, والمتكاء هي المرأة المرتخية البظر التي لاتمسك بولاً وهو وصف شنيع واسلوب مقذع فاسق لأول شهيدة في الاسلام وهي سمية أم عمار , إن ضرب عثمان لعمار ليس ألا محاولة لقتله والتخلص منه كما تخلص من عبد الله بن مسعود بكسره لأضلاعه, لكن عمارا مُدَّ في عمره ليقتل في حرب صفين بأيدي جنود معاوية الاموي , فقد أكمل معاوية مابدأ به عثمان وماقبله من تصفيات لصحابة النبي (ص).
ومن ركاكة  القول ماقاله ابن تيمية الحراني الذي لم يجد بدا من قبول خبر ضرب عمار فقال: (وفي الجملة فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمارا فهذا لا يقدح في أحد منهم فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة وأنهم من أكابر أولياء الله المتقين ) ( منهاج السنة لابن تيمية ج6 ص 158) لقد جعل ابن تيمية من نفسه بوابا على باب جنة الخلد يدخل فيها من يشاء ,فيشهد بأن الثلاثة في الجنة ليمرر على الناس نظرية عدالة الصحابة .




أبوذر الغفاري جندب بن جنادة وعثمان
يكاد يتفق المؤرخون وكتاب السيرة على أن أباذر هو من الخمسة الاوائل الذين دخلوا الاسلام , ففي طبقات ابن سعد ج4 ص161 يقول أبوذر ( كنت في الاسلام خامساً) وكذلك ذكر ابن الاثير وغيره. قال فيه النبي (ص): (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر) وقد ذكر العلامة الاميني هذا الحديث في كتابه عثمان وذكر مصادره وهي (طبقات ابن سعد ج4 ص 167 ، صحيح الترمذي ج2 ص 221 ، سنن ابن ماجة ج1 ص68 ، ، مستدرك الحاكم  ج3 ص 342 صححه وأقره الذهبي، مصابيح السنة ج 2 ص 228 ، صفة الصفوة ج1 ص 240 ، الاستيعاب لابن عبد البر ج1 ص 84).
وكذلك قال فيه (ص) :(رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده.)( السيرة لابن هشام ج4 ص 179) .ولذلك عندما دفنه عبدالله بن مسعود في الصحراء بكى وتذكر هذا الحديث وقال صدق رسول الله تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك( عثمان للعلامة الاميني نقلا عن أسد الغابة لابن الاثير ج5 ص 188,  الاصابة لابن حجر ج4 ص 164) . ويقول فيه النبي كذلك ( الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وأبي ذر) (أخرجه البزار من طريق أنس بن مالك ).
فما هو ذنب هذا الصحابي في عهد عثمان كي يموت منفيا في الربذة؟ لنقرأ بعض النصوص
ذكر العلامة الاميني: (روى البلاذري: لما أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه، وأعطى الحارث ابن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم ,جعل أبو ذر يقول: بشر الكانزين بعذاب أليم ويتلو قول الله عز وجل: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (سورة التوبة) فرفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر فقال: أينهاني عثمان عن قرائة كتاب الله، وعيب من ترك أمر الله؟ فوالله لإن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أسخط الله برضاه. فأغضب عثمان ذلك و أحفظه فتصابر وكف، وقال عثمان يوما: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك. فقال أبو ذر: يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا؟ فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي وأولعك بأصحابي؟ فسيره الى الشام حيث يحكم معاوية وكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها وبعث إليه معاوية بثلاث مائة دينار فقال: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا؟ قبلتها، وإن كانت صلة؟ فلا حاجة لي فيها. وبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري بمائتي دينار فقال: أما وجدت أهون عليك مني حين تبعث إلي بمال؟ وردها. وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال: يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال الله؟ فهي الخيانة، وإن كانت من مالك؟ فهذا الإسراف. فسكت معاوية، وكان أبو ذر يقول: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه، والله إني لأرى حقا يطفأ، وباطلا يحيى، وصادقا يكذب، وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه.فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية: إن أبا ذر مفسد عليك الشام فتدارك أهله إن كانت لكم به حاجة. فكتب معاوية إلى عثمان فيه فكتب عثمان إلى معاوية: أما بعد فاحمل جندبا إلي على أغلظ مركب وأوعره فوجه معاوية من سار به الليل والنهار، فلما قدم أبو ذر المدينة جعل يقول: تستعمل الصبيان، وتجمي الحمى، وتقرب أولاد الطلقاء. فبعث إليه عثمان: إلحق بأي أرض شئت. فقال: بمكة. فقال: لا. قال: فبيت المقدس. قال:لا. قال: فبأحد المصرين. قال: لا. ولكني مسيرك إلى الربذة. فسيره إليها فلم يزل بها حتى مات.) ( بتصرف عن الغدير للأميني ,وعن أنساب الاشراف, ومروج الذهب)
 وروى اليعقوبي: (وكتب معاوية إلى عثمان: إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر، فكتب إليه: أن احمله على قتب بغير وطاء، فقدم به إلى المدينة، وقد ذهب لحم فخذيه، فلما دخل إليه وعنده جماعة قال: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله  يقول: إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلاً اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا. فقال: نعم! سمعت رسول الله(ص)  يقول ذلك. فقال لهم: أسمعتم رسول الله  يقول ذلك؟ فبعث إلى علي بن أبي طالب، فأتاه، فقال: يا أبا الحسن أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبو ذر؟ وقص عليه الخبر. فقال علي: نعم! قال: وكيف تشهد ؟ قال: لقول رسول الله: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر. فلم يقم بالمدينة إلا أياماً حتى أرسل إليه عثمان: والله لتخرجن عنها! قال:
 أتخرجني من حرم رسول الله؟ قال: نعم، وأنفك راغم. قال: فإلى مكة؟ قال: لا! قال: فإلى البصرة؟ قال: لا! قال: فإلى الكوفة؟ قال: لا! ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت بها. يا مروان! أخرجه، ولا تدع أحداً يكلمه، حتى يخرج.)( تاريخ اليعقوبي ج1 ص 175)
 تأمل جور عثمان على أبي ذر حيث يأمر معاوية بأن يحمله على أغلظ مركب ثم يسير به الليل والنهار من الشام حتى يبلغ المدينة , فأين رأفة الحاكم برعاياه  وأي رعايا  كأبي ذر الشيخ كبير السن خامس خمسة في الاسلام, لكن الطغيان في الحكم يعمي القلوب ويميت فيها الرحمة.
وكان اباذر يقول : ما زالا بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يترك الحق لي صديقا. لقد كان من اسباب طرد أباذر ونفيه هو اليهودي المتأسلم كعب الاحبار فلم يرض عثمان أن يهان كعب الاحبار في مجلسه فنفى أباذر عقاباً وأبقى كعب الاحبار يقص الخرافات التوراتية على منبر رسول الله وفي مسجده , وستأتي سيرة كعب في فصل ( دور اليهود) .
لنقرأ هذه الروايات الثلاث ونتأمل فيها:
الرواية الاولى :روى أحمد في مسنده فقال: ( قال سمعت مالك بن عبد الله الزيادي يحدث عن أبي ذر انه  جاء يستأذن على عثمان بن عفان  عنه فأذن له وبيده عصاة فقال عثمان يا كعب ان عبد الرحمن توفى وترك مالا فما ترى فيه فقال ان كان يصل فيه حق الله فلا بأس عليه, فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا وقال سمعت رسول الله  يقول ما أحب لو ان لي هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل منى أذر خلفي منه ست أواق أنشدك الله يا عثمان أسمعته ثلاث مرات قال نعم)  ( مسند أحمد ج1 ص 63) قال أحمد في اسناده أن الحديث ضعيف , ونقول هل يعقل أن يضرب أبوذر كعبا في حضرة الخليفة عثمان وليس في الحضور من يعترض أو يقول شيئا؟ سيأتينا الجواب بعد أكمال قراءة الروايات الثلاث.
الرواية الثانية  روى العسكري فقال : (ثم دخل أبو ذر وبين يدي عثمان مال، فقال: ما ترون في رجل إذا زكى ماله؟ هل عليه غيره؟ قال كعب الأحبار: لا ليس عليه شيء. فقال أبو ذر: متى كانت الفتيا إليك يا ابن اليهودية؟ بل عليه أن يصل رحمه، ويتقي الله ربه، فقال عثمان: عن بلدنا، قال: إلى الشام؟ قال: لا. قال: فمكة؟ قال: لا. قال: فهو التغريب بعد الهجرة، فخرج إلى الربذة ) ( الاوائل للعسكري ص83)
الرواية الثالثة :روى المسعودي: (أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال ، فَنُضِدَ البدر ، حتى حالت بين عثمان و بين الرجل القائل، فقال عثمان : إنّي لأرجو لعبد الرحمن خيراً ، لأنّه كان يتصدّق ، ويقري الضيف ، وترك ما ترون; فقال كعب الأحبار : صدقت يا أمير المؤمنين ، فشال أبوذر العصا فضرب بها رأس كعب ، وقال : يابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال إنّ اللّه أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة ، وتقطع على اللّه بذلك ، وأنا سمعت رسول اللّه  يقول : ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً, فقال له عثمان : وار عنّي وجهك) ( مروج الذهب للمسعودي ج3 ص 340)
بعد قراءة الروايات الثلاث ومقارنتها يتبين  لماذا ضَعَّف أحمد بن حنبل الرواية الاولى وقال  أن أسنادها ضعيف, فهو لم يشأ أن يُظهر للناس أن هناك خلافا بين الخليفة عثمان وبين أبي ذر حتى يحبك المتذرعون والمحرفون حبكتهم فيقولون أن أباذر خرج الى الربذة باختياره, بينما الحقيقة أن أباذر خرج منفياً بأمر من الخليفة عثمان كما بينت الروايتان الثانية والثالثة  , مايهمنا هو أن أباذر خرج بعد هذه الحادثة الى الربذة منفياً بأمر الخليفة عثمان, حتى وافاه الاجل رحمه الله.
ولما جاء خبر وفاة أباذر قال عثمان : (رحمه الله! فقال عمار بن ياسر ساخرا  بعثمان :نعم فرحمه الله من كل أنفسنا فقال عثمان: يا عاض أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟)(  أنساب الاشراف ج5 ,  العقد الفريد ج2 صفحة 272) . تأمل سلاطة لسان عثمان , فهو لايتورع أن يستعمل الفاظ بذيئة في مخاطبته للصحابة كقوله (يا بن المتكاء) أو (ياعاض عير أبيه) . ثم تأمل قول عثمان ( اتراني ندمت على تسييره ) وهو نص يدل على أن عثمانا أخرج وسَيَّر أباذر الى الربذة وليس كما أبتدع بعض كتبة التاريخ حيث قالوا أن أباذر خرج الى الربذة بأرادته وليس منفياَ, فالتسيير كان بأمر عثمان.
روى ابن حنبل :
(أن أبا ذر الغفاري كان يخدم النبي (ص) فإذا فرغ من خدمته آوى إلى المسجد فكان هو بيته يضطجع فيه فدخل رسول الله  المسجد ليلة فوجد أبا ذر نائما منجدلا في المسجد فنكته رسول الله  برجله حتى استوى جالسا فقال له رسول الله (ص) ألا أراك نائما قال أبو ذر يا رسول الله فأين أنام هل لي من بيت غيره فجلس إليه رسول الله  فقال له كيف أنت إذا أخرجوك منه قال إذن ألحق بالشام فإن الشام أرض الهجرة وأرض المحشر وأرض الأنبياء فأكون رجلا من أهلها قال له كيف أنت إذا أخرجوك من الشام قال إذن أرجع إليه فيكون هو بيتي ومنزلي قال له كيف أنت إذا أخرجوك منه الثانية قال إذن آخذ سيفي فأقاتل عني حتى أموت قال فكشر إليه رسول الله  فأثبته بيده قال أدلك على خير من ذلك قال بلى بأبي أنت وأمي يا نبي الله قال رسول الله (ص) تنقاد لهم حيث قادوك وتنساق لهم حيث ساقوك حتى تلقاني وأنت على ذلك) ( مسند أحمد ج56 ص117 طبعة النت)
هذا الحديث من معجزات النبي الكريم (ص) فبه يخبر عن غيب سيحدث, وهو اخراج أباذر مرة الى الشام ومرة الى منفاه الاخير وقد تحقق ذلك , تأمل أن النبي يقول لأبي ذر : (كيف أنت إذا أخرجوك) , إذن أخراج أباذر كان بأمرهم وليس بتطوع من أبي ذر . لم يستطع  الذهبي أموي الهوى إنكار الرواية فقال :( عن عبد الله بن سيدان قال: تناجى عثمان وأبو ذر حتى ارتفعت أصواتهما، ثم انصرف أبو ذر مبتسماً وقال: سامع مطيع ولو أمرني أن آتي عدن. وأمره أن يخرج إلى الربذة.)( تاريخ الاسلام للذهبي ج1 ص437). تأمل قوله : ( وأمره أن يخرج الى الربذة) , فالخروج كان بأمر عثمان وهو نفي عن جماهير الناس. ثم تأمل تصرف أباذر فهو يبتسم ويطيع لأنه عرف أن ذلك صائر فقد خصه النبي (ص)  بذلك في حديث أحمد بن حنبل الذي مر بنا. وأكد الدينوري نفي أباذر فكتب: (... وكان عثمان سيره الى الربذة فمات به سنة أثنتين وثلاثين وليس له عقب) ( المعارف للدينوري ج1 ص57)
 تم لعثمان التخلص من خامس رجل في الأرض أسلم بدين الاسلام,  فمات أبوذر في منفاه وحيدا غريبا فقيرا, أن موت أباذر كان اغتيالاً بطيئا  ودمه في عنق من نفاه في وحشة البيداء .

المقداد بن عمرو وعثمان
علم من أعلام الصحابة, يقول فيه ابن حجر ( شهد المشاهد كلها مع رسول الله )( الاصابة لابن حجر ج3 , ترجمة المقداد). وقال فيه النبي (ص) : (إن الله أمرني بحب أربعة , وأخبرني أنه يحبهم , علي والمقداد وأبوذر وعمار )( ترجمة المقداد في كل من: اسد الغابة لابن الاثير, الاصابة لابن حجر ج3 ص 455 , الاستيعاب لابن عبد البر). كان المقداد من شيعة علي وأنصاره ,وبعد رحيل النبي لم يبايع المقداد الخليفة الاول وظل وفيا لعلي الى نهاية عمره. ولما صار عثمان بن عفان خليفة تعجب المقداد من أمر قريش وصرفها الامرعن علي بن أبي طالب فقال:   
 (واعجبا لقريش ودفعهم هذا الأمرعن أهل بيت نبيهم، وفيهم أول المؤمنين، وابن عم رسول الله، أعلم الناس وأفقههم في دين الله، وأعظمهم عناءا في الاسلام، وأبصرهم بالطريق، وأهداهم للصراط المستقيم، والله لقد زووها عن الهادي المهتدي الطاهر النقي، وما أرادوا إصلاحا للأمة، ولا صوابا في المذهب، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة، فبعدا وسحقا للقوم الظالمين) ( عثمان للعلامة الاميني ونقله عن تاريخ اليعقوبي ج2 ص 140).
ولما رأى مؤامرة الانتخاب الصوري أتت بعثمان خليفة قال المقداد : (ما رأيت مثل ما أوتي أهل هذا البيت بعد نبيهم، ولا أقضى منهم بالعدل، ولا أعرف بالحق، أما والله لو أجد أعوانا! قال له عبد الرحمن بن عوف : يا مقداد! اتق الله فإني أخشى عليك الفتنة.) ( تاريخ الطبري ج5 ص 37, الكامل لابن الاثير ج3 ص 31).
تأمل قوله : أما والله لو أجد أعواناً! فالمقداد يعلن بأنه لو وجد أعوانا لقاتل ولم يكن ليرضى بعثمان خليفة , فهل ياترى يتركه عثمان على حاله وهو يعلم بموقفه هذا؟ إن النفي والاغتيالات الاخرى التي وقعت في عهد عثمان والتي نالت خصوم الخليفة, يؤتنس بها بأن موت المقداد بن عمرو لم يكن موتا طبيعياً كذلك. يروي ابن سعد  كيفية موت المقداد بن عمرو في عهد عثمان : ( وفي ذات يوم تناول جرعةً من زيت  فأضرت به ، فمات منها!) ( الطبقات لابن سعد ج  3 ص 163 ترجمة المقداد).  جرعة من زيت قتلت الرجل وليس في الزيت مايقتل  إنما الذي يقتل هو ما أضيف للزيت من سم! لمعاوية بن أبي سفيان مقولة مشهورة سيأتي ذكرها في فصل (أمية), يقول فيها : إن لله جنوداً من عسل! فقد كان أعوان معاوية وجواسيسه يدسون السم في العسل ويسقوه لاعدائهم فكفته تلك الطريقة حربهم, فقال أن العسل مثل الجنود يقتل الرجال , وليس بعيدا أن الجنود في موت المقداد كانوا في جرعة الزيت التي شربها وبذلك تخلص عثمان من خصم عنيد لايخاف في الحق لومة لائم . كان المقداد رحمه الله قد أوصى لصاحبه المخلص عمار بن ياسر أن يصلي عليه وأن لايحضر  الخليفة عثمان صلاته ودفنه. بعد دفنه وقف عثمان على قبره قائلا : (رحمك الله ,أن كنتَ وأن كنتَ ليُثنى عليك خيراً), وبقوله عنى عثمان  أنه على الرغم من العداء والاختلاف بيننا فأني أترحم عليك ,وهذا دليل خفي آخر على دور عثمان في موته, فعثمان فعل ذات الشئ عندما أتاه خبر موت أبي ذر في المنفى فترحم عليه بعد أن نفاه وطرده وعزله وقد تقدم ذكره.   قال الزبير بن العوام معرضا بعثمان عندما سمعه يترحم على  المقداد 
(لألفينك بعد الموت تندبني *** وفي حياتي ما زودتني زادي) ( تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 171, طبقات ابن سعد ج3 ص 163,  كتاب الاركان الاربعة ص 181 لجواد مغنية)
ويعني الزبير بذلك أنك يا عثمان تندب المقداد حزنا بعد موته أما في حياته فقد كنت له عدواً ,ولن يغير ندبه لك عند موته فقد كان لك عدوا وكنت له كذلك.  وقال عثمان بعد أن علم أن عماراً قام بدفن المقداد والصلاة عليه ( ويلي على ابن السوداء, أما لقد كنت به عليماً).( تاريخ اليعقوبي ج2 ص 171).  عثمان يكني عمارا بإبن السوداء , فالمفاهيم لم تزل جاهلية! إن شربة الزيت التي شربها المقداد كانت سبب وفاته فياله من زيت عجيب يزهق أرواح العباد .


حذيفة بن اليمان وعثمان
حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي (ص), الذي يقول فيه الامام علي : (ذلك رجل عنده علم البلايا والمنايا.).  ويروي الذهبي فيه ( كان النبيّ  قد أسرّ إلى حذيفة أسماء المنافقين ، وضبط عنه الفتن الكائنة في الأُمّة)( سير اعلام النبلاء للذهبي ج2 ص361) .كان حذيفة صاحب النبي يوم العقبة وفي ذلك اليوم يتعرض النبي لمحاولة اغتيال قام بها عصبة من المسلمين, فيسمي النبي (ص) لحذيفة أسماء عصبة الاغتيال تلك ,ويكتم حذيفة ذلك السر عن جموع الناس ,وقال حذيفة اكثر من مرة  أنه لو تفوه لاحد بما يعلم لمات قتلا في ساعته . وتبين مصادر التاريخ أن عثمان بن عفان وأباموسى الاشعري كانا من أعضاء عصبة اغتيال النبي في العقبة !- وسيأتي ذكر ذلك في فصل ( رحيل النبي )-. قام عثمان بن عفان بأخراج حذيفة بن اليمان من المدينة الى المدائن في العراق, وكان على المدائن ابو موسى الاشعري والياً من قبل عثمان , وبذلك ضمن عثمان الحصار على حذيفة فوالي المدائن أبوموسى من عصبة العقبة كذلك فضَيق على حذيفة الحصار. ووضع عثمان جواسيس على حذيفة لمراقبته وتسجيل أقواله, روى البخاري وأحمد : (عن همام بن الحارث قال : كُنا عند حذيفة فقيل له: إن فُلانا يرفع إلى عثمان الاحاديث فقال حذيفة : لايدخل الجنة قَتات.) ( كتاب الادب المفرد ج1 ص 168للبخاري المتوفى 256 هجرية, مسند احمد بن حنبل). والقتات هو النمام الذي يأتي بالاخبار بين الناس. إن حذيفة لايجد جوابا سوى التقية, فهو يعني بقوله أن من ينقل عني حديثي الى الخليفة عثمان أنما هو قتات (نمام) والقتات لايدخل الجنة , وهو ذمُ بصورة غير مباشرة لجواسيس عثمان
ويدل تجسس عثمان على حذيفة , قول عثمان : (والله مايدعني مايبلغني عنك بظهر الغيب! ثم ولى حذيفة فلما أجاز قال ردوه قال له عثمان أيضا مثل قوله الاول فقال له حذيفة : والله لتخرجن كما يخرج الثور ولتسخطن كما يسخط الجمل)( مصنف عبد الرزاق الصنعاني ج11 ص 450). تأمل قول عثمان : (والله مايدعني مايبلغني عنك بظهر الغيب!) أي أنه تأتينا أخبار عنك ,ويعني هذا تجسس عثمان على حذيفة ومراقبته خوفاً من أفشاء سر عصبة العقبة الذين منهم عثمان بن عفان . واجه حذيفة  غضب الخليفة بشجاعة فقال له : والله لتخرجن كما يخرج الثور ولتسخطن كما يسخط الجمل. وفي رواية ابن شبة :
 
(عن زر بن حبيش قال: قلت لحذيفة : ما هذه الاحاديث ؟ قد جاء فلان ابن فلان. فقال: عد ما تقول. فاستند إلى الحائط ثم قال: إنك لتحدثني حديث رجل إن أحد طرفيه لفي النار، والله ليخرجن إخراج الثور ثم ليشحطن شحط الجمل.)( تاريخ المدينة لابن شبة ج3 , باب خبر عثمان). إن حذيفة وصاحبه لايفصحان بأسم عثمان تقية وخشية ولذلك كناهاه بكلمة (فلان).
 من الملفت أن حذيفة الذي كان يعيش في المدائن بعيداً عن عثمان بمئات الاميال يموت بعد أن يأتيه نبأ مقتل عثمان في المدينة ,وليس بعيداً أن موت حذيفة كان تدبيرا بأيدي جواسيس عثمان وبأيدي واليه على المدائن أبوموسى الاشعري, فلما نفذ القوم أمر اغتيال حذيفة أتاهم نبأ مقتل عثمان فسمعه حذيفة في ساعاته الاخيرة قبل فراقه دنيانا الفانية, فيالعبرة الاقدار .روى ابن  عبد البر (ومات حذيفة سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان في أول خلافة علي وقيل توفي سنة خمس وثلاثين والأول أصح وكان موته بعد أن أتى نعي عثمان إلى الكوفة .) ( الاستيعاب لابن عبد البر , ترجمة حذيفة).
وقال حذيفة لما أتاه نبأ مقتل عثمان
(عن جزى بن بكير العبسي قال: لما قتل عثمان، أتينا حذيفة فدخلنا صفة له. قال: والله ما أدري ما بال عثمان، والله ما أدري ما حال من قتل عثمان إن هو إلا كافر قتل الآخر، أو مؤمن خاض إليه الفتنة حتى قتله فهو أكمل الناس إيماناً).( المعرفة والتاريخ لأبي يوسف الفسوي ج1 ص363)
حاول المبيضون لصفحة عثمان أنكار بعض الروايات التي قالها حذيفة في عثمان لأظهار أن الصحابة في وئام ومحبة , ولكن سياق الاحداث ومواقف الرجال تبين الحقيقة ,فلايهم طعن المبيضون لصفحة عثمان في بعض المساند فهناك روايات بالعشرات لمؤرخين كثر ومن أراد الحقيقة فليأخذها كما وردت, وليست كما يتمناها أن تكون.




أبي بن كعب الخزرجي وعثمان
أُبي بن كعب علم آخر من اعلام الصحابة , وفاته وتاريخها تثيران الشكوك. وملخص القصة أن والي عثمان على الكوفة كان الفاسق الوليد بن عقبة بن ابي معيط ذلك الذي عانى أهل الكوفة  من ظلمه واستهتاره , فيذهب وفد من رجال الكوفة الى العاصمة ( المدينة ) يشكون الوليد . وأتى رجل من ذلك الوفد  وأسمه جندب بن زهير الى الصحابي أبي بن كعب الخزرجي فحدثه بما يحصل في الكوفة . فقام أبي بن كعب الخزرجي وعاهد جندب أن يقوم في الجمعة التالية ليفضح مايجري في عهد عثمان وما يجري من ظلم في الكوفة تحت ولاية الفاسق الوليد. لكن وعد أبي بن كعب لم يتحقق فقد مات قبل يوم الجمعة بيوم واحد !
وتقول الرواية على لسان جندب بن زهير مايلي
(فقال أُبيّ بن كعب: أما والله لئن عشتُ إلى هذه الجمعة لأقولنّ قولا لا أبالي استحييتموني أو قتلتموني.
قال: فلمّا كان يوم الجمعة من بين الأيّام، خرجت من منزلي، فإذا أهل المدينة يؤذّنون في سككها (شوارعها)، فقلت لبعضهم: ما شأن الناس؟
قالوا: وما أنت من أهل البلد؟
قلت: لا.
قال: فإنّ سيد المسلمين مات اليوم.
قلت: من هو؟
قال: أُبيّ بن كعب.
فقلت في نفسي: واللهِ ما رأيت كاليوم في الستر أشدّ ممّا سُتِر هذا الرجل) ( النص عن نظريات عثمان ج2 للعلامة  الطائي,  تهذيب الكمال للمزي ج1 ص 470)
إن احتمال أغتيال أبي بن كعب احتمال وارد في هذه الرواية ,فما أن أعلن الرجل أنه سيفضح نظام عثمان وتهاونه في حدود الله وشرعه حتى علم الناس بذلك, وعلم جواسيس الخليفة أنه سيقوم مقاما يوم الجمعة, فدبروا أمر القضاء عليه قبل ذلك وكان ذلك يوم الخميس . إن الخليفة عثمان كان  قد قطع العطاء عن أبي بن كعب كما فعل مع الصحابي عبد الله بن مسعود  وغيره. ( بتصرف عن كتاب نظريات عثمان للعلامة المحقق الطائي, وعن كتاب السيرة الحلبية ج2 ص 87).
أختلف المؤرخون في تاريخ موت أبي بن كعب وربما ذلك عن قصد حتى يضيعوا على الناس سبب موتته, لكن ابن حجر يصحح ذلك ويبين أنه مات في عهد عثمان ويرد على من يقول أنه مات في عهد عمر فيذكر ( أنه مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين وهو أثبت الاقاويل) ثم يكمل ( بأن رز بن حبيش لقيه في خلافة عثمان وروى البخاري في تاريخه أن مات قبل قتل عثمان ) ( الاصابة لابن حجر العسقلاني , باب أبي بن كعب) . وهذا يبين أنه مات في زمن خلافة عثمان .





عثمان يأوي في بيته جاسوس قريش !
معاوية بن المغيرة بن أبي العاص الاموي من كفار قريش وهو ابن عم عثمان بن عفان ,وفي معركة أحد قام معاوية بن المغيرة هذا ومعه هند بنت عتبة زوجة أبو سفيان وهي أم معاوية بالتمثيل بجثة حمزة عم النبي (ص) ,فجدعوا أنفه . روى المقريزي في معاوية بن المغيرة هذا :( أنه جدع أنف حمزة ومثل فيمن مثل )( النزاع والتخاصم للمقريزي ص21). وروى مثل ذلك الكلبي فقال (وسباع الذي كان يدعو ببدر وأحد إلى المبارزة ، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقتله وأكبّ عليه فأخذ درعه، فزرقه وحشي بحربة فقتله ( يعني قتل حمزة)، وشدّ عليه أيضاً معاوية  بن المغيرة بن ابي العاص فبقر بطنه وجدعه ومثّل به، وهو جدّ عبد الملك بن مروان أبو أمه لم يلد غيرها)( مثالب العرب لهشام الكلبي ص 41)
بعد انتهاء  معركة أحد يتسلل معاوية بن المغيرة الى المدينة ليتجسس على أخبار المسلمين, ولم يجد سوى بيت ابن عمه عثمان بن عفان المسلم ليأوي اليه خوفا من عيون المسلمين.
روى الطبري :(معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية وهو الذي جَدَعَ أنف حمزة ومثّل به مع من مثل به وكان قد أخطأ الطريق فلما أصبح أتى دار عثمان بن عفان فلما رآه قال له عثمان : أهلكتني وأهلكت نفسك . فقال : أنت أقربهم مني رَحِماً وقد جئتك لتجيرني . وأدخله عثمان داره وقصد رسول الله   ليشفع فيه, فسمع رسول الله  ، يقول : إنّ معاوية بالمدينة فاطلبوه ، فأخرَجُوه من منزل عثمان وانطلقوا به إِلى النبيّ  ، فقال عثمان : والذي بعثك بالحق ما جئت الا لأطلب له أماناً فَهِبْه لي . فوهبه له وأجَّله ثلاثة أيام ، وأقسم لئن أقام بعدها ليقتلنه فجهزه عثمان وقال له : ارتحل . وسار رسول الله إلى حمراء الأسد وأقام معاوية ليعرف أخبار النبي. فلما كان اليوم الرابع قال النبي (ص) : إن معاوية أصبح قريباً ولم يبعد, فأطلبوه فطلبه زيد بن حارثة وعمار فأدركاه بالحماة فقتلاه ، وهذا معاوية جد عبد الملك بن مروان بن الحكم لأمه) ( الكامل لابن الاثير ج2 , باب غزوة أحد). لقد سار النبي (ص) ومعه المسلمون الى حمراء الاسد لمطاردة فلول قريش بعد معركة أحد, أي أن اختباء الجاسوس معاوية بن المغيرة حصل والمسلمون يستعدون لمطاردة  فلول جيش قريش.
تأمل أن عثمان كان في مجلس النبي (ص) ولم يخبره بأخفاء الجاسوس معاوية بن المغيرة في بيته ,ولكن لما أسقط في يديه قال : (والذي بعثك بالحق ماجئت الا لأطلب له أماناً!). وتقول الروايات أن الوحي الالهي هو الذي أخبر النبي (ص) بمكان أختباء الجاسوس , ونقول أن العوامل البشرية أيضاً لها دور في ذلك بطبيعة الحال فالذي  ساعد المسلمين في  القبض على الجاسوس معاوية بن المغيرة هي ابنة النبي(ص) أو ربيبته التي تربت في بيت النبي وكانت متزوجة من عثمان بن عفان, فعندما دخل المسلمون بيت عثمان بأمر النبي لألقاء القبض على معاوية بن المغيرة سألوا زوجة عثمان فدلتهم على مكان إختباءه في البيت , روى الواقدي ( فأشارت اليه فاستخرجوه من تحت حمارة لهم فانطلقوا به الى النبي) ( مغازي الواقدي ج1 ص 229 , باب غزوة أحد) ,وكذلك روى ابن هشام باقتضاب فقال عن معاوية بن المغيرة : ( إن زيد بن حارثة وعمار بن ياسر قتلا معاوية بن المغيرة بعد حمراء الاسد, كان لجأ الى عثمان بن عفان فأستأمن رسول الله فأمنه, على انه إن وجد بعد ثلاث قُتل , فأقام بعد ثلاث وتوارى فبعثهما النبي (ص) وقال : إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا , فوجداه فقتلاه) ( السيرة النبوية لابن هشام ص 105) .  وهناك مصادر تؤكد أن قاتل الجاسوس هو علي بن أبي طالب وكما يلي :(فبقي معاوية في أطراف المدينة يتجسّس فأرسل إليه الرسول الله (ص)عمارا و عليّاً فقتله علي. ) ( نظريات عثمان للعلامة الطائي ونقله عن  السيرة الحلبية لدحلان ج2 ص 260 ، النزاع والتخاصم للمقريزي ص 20، أنساب الاشراف للبلاذري ج1 ص 337, شرح النهج لابن أبي الحديد , البداية والنهاية لابن كثير ج4 ص 51, بحار الانوار للمجلسي ج20 ص 145), و لايهمنا الآن من هو قاتل الجاسوس , أنما المهم أن الجاسوس الكافر أختبأ في بيت عثمان بن عفان, وكان عثمان حينها متزوجاً من ابنة النبي (ص) أو ربيبته وكانت هي ممن دل على وجوده في بيتها.
هذا جانب من رواية أيواء الجاسوس المشرك في بيت عثمان , وترينا الرواية ميل عثمان لقومه حتى المشركين منهم , ودفاعه عنهم وايواءه لهم وهم يتجسسون على المسلمين! ولو آوى  غيره من المسلمين جاسوسا مشركا في بيته لوضعه كتبة التاريخ  في خانة الخونة والمنافقين ,لكن منصب الخلافة الذي تسنمه عثمان محا عنه عار الخيانة هذا  . فقد قامت دولة أمية بتغطية كل مساوئ عثمان الاموي وتسترت على  فضائحه ومثالبه ومنها هذه المثلبة الشنيعة في أيواء جاسوس كافر , ومثل ذلك فعل بنو أمية في التغطية على عثمان عندما أخرجوا مساحة قبره من ساحة  مقابر اليهود , فقد دفن المسلمون عثمان بن عفان بعد قتله في مقابر اليهود بغضا له ولم يقبلوا بدفنه في مقابر المسلمين , فقام الملك الاموي معاوية في عهده بشراء  قسم من المقبرة اليهودية التي فيها جثمان عثمان وأدخله في مقابر المسلمين كي تنسى الاجيال تلك الفضائح في حق عثمان وسيأتي ذكر ذلك لاحقا. 
إن قتل معاوية بن المغيرة بيد المسلمين وبأمر من النبي محمد (ص), جعل عثمان يشعر بالخيبة في عدم أيفاء وعده العشائري بأيواء ابن عمه المقتول معاوية بن المغيرة , فقام عثمان بسلوك عشائري آخر مقابل ذلك فضرب أمرأة مسلمة أنتقاما لمقتل أبن عمه ! وكانت تلك المرأة هي زوجته التي دلت المسلمين على مكان معاوية بن المغيرة. نعم, لم يجد عثمان كفؤا لدم ابن عمه  سوى زوجته التي هي ربيبة النبي محمد (ص) نفسه  فقام عثمان بضربها  تنفيساً لغضبه ,وانتقاماً لعشيرته فماتت المرأة من جراء الضرب ذلك, ولم يكتف بذلك  بل أضاف له عملا أشنع منه وهو مضاجعته لجارية كان يملكها في ليلة وفاة زوجته التي ماتت من جراء ضربه , فتأمل. أفتقرت روايات الجمهور من شواهد على ضرب عثمان لزوجته ولكن السياق الموضوعي للروايات  بأجمعها ومقارنة البحوث في ذلك يوصل الباحث الى حقيقة أن عثمان لابد أن ضرب زوجته بعد أكتشاف أمر الجاسوس القرشي في بيته , لأنها توفيت بعد أقل من أسبوع من قتل الجاسوس المغيرة وكانت أمرأة شابة صحيحة الجسم , ولم يستطع المحرفون اسقاط أن عثمان ضاجع جاريته في ليلة وفاة زوجته فذكرت روايات الجمهور هذه الحقيقة على مضض وبأختصار وهي تدل على عدم مبالاة عثمان بوفاة زوجته فضاجع جاريتها في ليلة وفاتها , فسياق الاحداث المنطقي يبين أن عثمان  كان سببا في وفاة زوجته , وستأتينا الروايات بعد قليل .
لقد أرتكب عثمان ثلاثة جرائم شنيعة في أسبوع  واحد,  أولها هربه من معركة أحد وفراره من الزحف وهي جريمة لاتغتفر عند الله فالفرار من الزحف من الكبائر , والجريمة الثانية هي ايواءه الجاسوس المشرك معاوية بن المغيرة في بيته وأخفاء أمره عن المسلمين وهي خيانة يستحق مرتكبها الاعدام ولكن رأفة النبي العظيم وسماحته أنقذته من ذلك , ثم يأتي عثمان بجريمة ثالثة وهي ضربه  لزوجته لأنها دلت المسلمين على مكان الجاسوس في بيت عثمان مما أدى الى وفاتها , ثم ختم سلسلة جرائمه الثلاثة بمضاجعة جاريته في ليلة وفاة زوجته, فلم يأبه لموت زوجته ربييبة النبي (ص) ولو حزن على وفاتها لما ضاجع جاريتها في ليلة وفاتها , وهذا دليل على فرحه بموت زوجته فقارف المناكحة ليلة وفاتها. لم يعاقب النبي عثمانا على ذلك لخلو قصة وفاة زوجته من الدلائل القانونية البشرية الكافية , وإن كان النبي الكريم يعرف من القاتل ,فقد أخبره الملاك جبريل بتلك الجريمة ,لكن النبي لايعاقب الناس الا بالبينة والشواهد البشرية الدنيوية, فقد ترك النبي (ص) المنافقين والمرجفين والطلقاء يعيشون مع المسلمين , و كان النبي يعرف نوايهم وأعمالهم ,ولو كان العقاب على ماتخبر به السماء  لوقعت العقوبة على خلق كثير من جراء ذلك , إن النبي الكريم (ص) بين للناس أن العقوبة الدنيوية لايمكن أن تتم الا بوجود الشهود او بأعتراف المجرم نفسه, وليس في ذلك تدخل من قوة خارقة للناموس الارضي كأخبار الملائكة للنبي (ص), ولذلك تخلص عثمان من العقوبة.
قبل الدخول في تفاصيل مقتل السيدة  زوجة عثمان الاموي, من المهم ذكر سيرة بنات النبي أوربيباته ثم يأتي التفصيل في ذكر المقتولة ظلماً وغدراً رحمها الله.
يقول جمع من المؤرخين أن للنبي أربعة بنات هن : زينب , رقية , أم كلثوم , وفاطمة. ويثبت بعضهم أن زينب ورقية وأم كلثوم لسن بنات النبي وأنما نشأن في بيت زوجته خديجة فصرن بمثابة بناته ووفقاً لقولهم تكون فاطمة هي ابنته الوحيدة.  يتفق المؤرخون على أن عثمان بن عفان الأموي كان قد تزوج بأثنتين من ربيبات النبي ولكنهم يختلفون في تعيين من هي التي تزوجها عثمان أولاً, فبعضهم يقول رقية وبعضهم يقول أم كلثوم , ويقول البعض الاخر أن أم كلثوم لاوجود لها أصلاً وأسم أم كلثوم ليس ألا لقباً من ألقاب رقية أو زينب, وإذا صح هذه القول الاخير يكون عثمان بن عفان قد تزوج من رقية ثم تزوج بعد وفاتها من زينب, ولاوجود لسيدة أسمها أم كلثوم فهي لقب من ألقاب رقية أو زينب وألتبس الامر على الناس في ذلك . هذه المقدمة المختصرة جداً تبين للقارئ شيئاً عن بنات النبي وربيباته .

زوجة عثمان المقتولة رحمها الله :
أجمع المؤرخون على أن زوجة عثمان هي ابنة النبي الكريم أو ربيبته التي نشأت في بيت النبوة , أما عن أسمها فقد خلط المؤرخون في ذلك؟ يقول جمع منهم أن أسمها رقية وهناك روايات تقول أن أسمها أم كلثوم ,وهناك رواية  ذكرها أبو القاسم الكوفي  ترجح أن أسمها زينب وهي ربيبة النبي الكبرى التي كانت متزوجة من أبي العاص فلما مات عنها زوجها تزوجها عثمان ( كتاب الاستغاثة لابي القاسم الكوفي ج1 ص 65) . فتأمل أيها القارئ في هذه الالتباسات التاريخية.
  ما يهمنا الان  هو أن عثمان له يد في موتها وهو ماسيتبين لنا بعد قليل. يقول المؤرخون أن عثمان تزوج بإثنتين من بنات النبي أو ربيباته ولم يعينوا أسم الاولى والثانية فقال بعضهم أن أسم الاولى رقية والثانية أسمها أم كلثوم كما زعموا! وسنرى بعد قليل أن أم كلثوم قد يكون لقب وليس أسم فمن المحتمل أن يكون اسم أم كلثوم هو لقب لرقية  فالاسم واللقب لسيدة واحدة ! والسؤال الان من هي الزوجة الاخرى اذن ؟  لنؤجل الجواب على هذا الان , ولنتذكر الخلط بين الاسم واللقب ,ولاننسى أن نسأل فيما بعد عن  من هي الزوجة الثانية  , ونمضي في البحث ونرجو من القارئ الكريم التأني في قراءة ماسيأتي .
 خلط كتبة التاريخ ووعاظ السلاطين عن عمد وربما عن غير عمد  وبتأثير من سلطة بني أمية ففرقوا بين رقية وأم كلثوم وقالوا أنهما إمرأتان, الاولى هي رقية والثانية هي أم كلثوم , وقالوا أن عثمان كان قد تزوج من كلتيهما أما الاولى فقد ماتت والناس عائدون من معركة بدر والثانية ماتت بعد معركة أحد  . ويخلط المؤرخون في تاريخ زواج عثمان من ربيبات النبي أو بناته فمرة يقولون أن رقية هي الزوجة الاولى وأم كلثوم هي الثانية ومرة يقولون العكس , ويخلطون كذلك في أعمار المرأتين فمنهم من يقول أن أم كلثوم هي أصغر بنات النبي ,كقول ابن حجر(قال أبو عمر كان عتبة بن أبي لهب تزوج أم كلثوم قبل البعثة فلم يدخل عليها حتى بعث النبي (ص) فأمره أبوه بفراقها ثم تزوجها عثمان بعد موت أختها سنة ثلاث من الهجرة وتوفيت عنده أيضا سنة تسع ولم تلد له)( الاصابة لابن حجر العسقلاني , ج8 باب رقية )
 يعني هذا النص أن أم كلثوم كانت بالغة قبل البعثة مؤهلة للزواج من عتبة بن أبي لهب لكنه طلقها ولم يدخل بها فظلت غير متزوجة حتى سنة ثلاث من الهجرة, أي مر مايقارب خمسة عشرعاما منذ زواجها الاول من عتبة بن أبي لهب ثم تزوجت عثمان !
العجيب في نص العسقلاني أعلاه  أن أم كلثوم بقيت غير متزوجة وكأنها كانت تنتظر موت أختها رقية لتتزوج من عثمان! وهي مقولة لايقبلها العقل والمنطق فكيف تبقى هذه الفتاة التي يزعمون انها ابنة النبي, غير متزوجة وعانسا حتى ممات أختها رقية, فيتزوجها زوج اختها الميتة عثمان بن عفان ! أين كان رجال قريش والمدينة من المسلمين الذي يتمنون الانتساب الى النبي ؟ لماذا أحجم الرجال عن  خطبتها في ذلك المجتمع الذي تتزوج فيه النساء وهن صغيرات, فكيف ببنت النبي؟ وهل يعقل أنها كانت متزوجة قبل بعثة النبي ولم يدخل بها زوجها فتبقى عذراء غير متزوجة لأكثر من خمسة عشر عاما ليتزوجها عثمان بعد وفاة أختها ! أن الامر كله عجب في عجب .هل ياترى أنه لاوجود لبنت اسمها أم كلثوم في التاريخ وأنها من أختراع المؤرخين ؟ وهل محتمل أن يكون أسم  أم كلثوم هو لقب رقية أبنة النبي أو ربيبته إلا أن آلة التحريف الأموية أختلقت أم كلثوم وجعلتها ابنة أخرى للنبي  يتزوج منها عثمان , وتأمل أنه على الرغم من أنهم يقولوا أنها تزوجت قبل البعثة فأنهم يقولون أن زوجها لم يدخل بها فبقيت عذراء حتى تزوجها عثمان , وبذلك جعلوا من أم كلثوم عذراء لم يمسها سوى عثمان بن عفان وهو شرف كبير في بيئة العرب تلك عندما يتزوج الرجل أمرأة عذراء لم يدخلها غيره من الرجال ! وهذا يرجح أن أم كلثوم كذبة تاريخية أقحمها المدلسون كي ينال عثمان شرف الزواج من ابنة النبي العذراء التي بقيت عانساً لسنين طويلة تنتظر موت أختها حتى تتأهل للزواج, فكما تزوج علي بن أبي طالب من البتول فاطمة أبنة النبي بأمر من السماء جعل المؤرخون والمحرفون عثمانا كذلك يتزوج من فتاة عذراء وهي أبنة النبي كذلك حتى لاينفرد علي بن أبي طالب بشرف الزواج من ابنة النبي فاطمة البتول (ع) , فتأمل!
 ويضيف المؤرخون نكتة أخرى لذلك فيقولون ان أم كلثوم لم تحمل ولم يكن لها أولاد من عثمان وبذلك أستطاع المؤرخون أن يسدلوا الستار على أم كلثوم لتموت بصمت دون أن تخلف أثراً , حتى أن هجرتها من مكة الى المدينة غير واضحة , فقد فصلت المراجع هجرة بنات النبي أو ربيباته وهن رقية وزينب ووردت روايات متعددة عن نتف من حياتهما أما أم كلثوم فلاتجد في التاريخ سوى الصمت , وتفتقر مصادر التاريخ لتفاصيل مهمة عن سيرة حياة السيدة أم كلثوم وتبدو وكأنها شبح أو طيف أُقحم بين سطور الكتب مما يرجح أنه لاوجود لها أصلاً! أن الأمر كله يبدو وكأنه نكتة تاريخية شربتها عقول الناس . والاسئلة في ذلك كثيرة,وعند الاطلاع على اراء المؤرخين وتخبطهم بين رقية وأم كلثوم في حساب عمريهما وتاريخ زواجهما ووفاتهما يقع الباحث في حيرى كبيرة .
 فيما يلي نصوص تبين لنا التضارب والتخبط الذي وقع فيه المؤرخون بين رقية وأم كلثوم نوردها للفائدة , منها مايقول السهيلي المتوفي سنة 581 في كتابه الروض الآنف وهو كتاب معتبر عند الجمهور,وقبل ذكر نص قوله نبين للقارئ شيئا عن رواية المؤرخ السهيلي وهي بأختصار وتبسيط كما يلي :
عند موت رقية ابنة النبي أو ربيبته وهي كانت متزوجة من عثمان بن عفان,  يدفن النبي (ص) ابنته ولايسمح لزوجها عثمان بن عفان بالنزول الى قبرها لأن عثمان كان قد (قارف) مارس النكاح مع جاريتها ليلة وفاتها. ويسأل النبي المسلمين أن كان أحدهم لم (يقارف) يضاجع زوجته تلك الليلة فينبري لذلك صحابي أسمه أبو طلحة فيأمره النبي بالنزول في قبرها. وكان فعل النبي ذلك عقوبة نبوية أمام الناس  للزوج عثمان بن عفان الذي لم يشغله هم مرض زوجته الشابة ووفاتها فقام بممارسة النكاح (قارف) مع جاريتها . و يرجح لنا ذلك أن عثمان كان سببا في موتها لأنها دلت على مكان اختباء الجاسوس  معاوية بن المغيرة في بيت عثمان في المدينة كما مر بنا, لنقرأ الآن نص رواية السهيلي :
 ( روى البخاري في التاريخ حديث أنس أن رسول الله  شهد دفن بنته رقية وقعد على قبرها، ودمعت عيناه فقال : أيكم لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة أنا، فأمره أن ينزل في قبرها  ، ثم أنكر البخاري هذه الرواية وخرجه في كتاب الجامع فقال فيه عن أنس شهدنا دفن بنت رسول الله  وذكر الحديث ولم يسم رقية ولا غيرها ورواه الطبري، فقال فيه عن أنس شهدنا دفن أم كلثوم بنت رسول الله (ص) فبين في هذا الحديث وهو كله حديث واحد , ومن قال كانت رقية فقد وهم بلا شك وقال في الحديث أيكم لم يقارف الليلة فقال فليح بن سليمان وهو راوي الحديث يعني: الذنب هكذا وقع في الجامع وهو خطأ لأن رسول الله (ص) كان أولى بهذا، وإنما أراد أيكم لم يقارف أهله وكذا رواه غيره بهذا اللفظ قال ابن بطال: أراد النبي  أن يحرم عثمان  النزول في قبرها، وقد كان أحق الناس بذلك لأنه كان بعلها، وفقد منها علقا لا عوض منه لأنه حين قال عليه السلام " أيكم لم يقارف الليلة أهله سكت عثمان " ، ولم يقل أنا، لأنه كان قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه ولم يشغله الهم بالمصيبة وانقطاع صهره من النبي (ص) عن المقارفة فحرم بذلك ما كان حقا له وكان أولى به من أبي طلحة وغيره وهذا بين في معنى الحديث ولعل النبي (ص) قد كان علم ذلك بالوحي فلم يقل له شيئا، لأنه (عثمان) فعل فعلا حلالا، غير أن المصيبة لم تبلغ منه مبلغا يشغله حتى حرم ما حرم من ذلك بتعريض غير تصريح والله أعلم. )( عن الروض الانف للسهيلي المتوفي سنة 581 هجرية , ج 5 ص 227)
تأمل أن البخاري بنفسه ينكر روايته , ويحتار بين ذكر اأسم رقية أو اسم أم كلثوم ثم يصحح الرواية ولايذكر أسم أي  من السيدتين تخلصاً من معضلة الالتباس بين الشخصيتين فلايدري أهي أم كلثوم أم هي رقية , وهذا يرينا حيرة الرجل في ذلك لتضارب الحقائق  , ثم يتحجج البخاري بحجة واهية ويقول: كيف يطلب النبي من أبي طلحة النزول في قبرها ولم ينزل النبي (ص) نفسه , ولكن ابن بطال يرد على ذلك صائبا ويقول إنما فعل النبي (ص) ذلك كي يحرم الزوج عثمان من شرف النزول الى قبر زوجته .




نماذج من التخبط في كتابات المؤرخين بين ربيبات النبي أو بناته رقية وأم كلثوم :

فيما يلي نصوص من كتب التاريخ يجب قراءتها بتروي وصبر للوصول الى حقيقة مهمة :
 (أن رسول الله (ص) قسم يوم بدر لعثمان سهمه وكان قد تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله (ص) وأصابتها حصبة فجاء زيد بن حارثة بشيرا بالفتح ومعه بدنة وعثمان على قبر رقية رضى الله تعالى عنها يدفنها )(عن المستدرك للحاكم النيسابوري , ج 4 ص 60)
الحديث أعلاه يتحدث عن معركة بدر ويتبين أن عثمان كان قد دفن زوجته رقية والناس عائدون من معركة بدر ولم يشهد دفنها النبي (ص) الذي كان في معركة بدر , وعثمان لم يحضر معركة بدر بحجة مرض زوجته . وهاك حديثاً آخر
(أنبأ هشام بن عروة عن أبيه قال خلف النبي (ص) عثمان وأسامة بن زيد على رقية في مرضها وخرج إلى بدر وهي وجعة فجاء زيد بن حارثة على العضباء بالبشارة وقد ماتت رقية   فسمعنا الهيعة فوالله ما صدقنا بالبشارة حتى رأينا الأسارى) ( عن المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ج6 ص 60)
اذن الزوجة الميتة هي رقية وعثمان دفنها والناس في معركة بدر . ( لنتذكر أن معركة بدر حدثت قبل معركة أحد)
فيما يلي سنرى أن رقية ماتت والنبي (ص) حضر وفاتها ومنع عثمان من الدخول في قبرها لأنه كان قد قارف (مارس النكاح) مع جارية له ليلة وفاة زوجته
( عن أنس رضى الله تعالى عنه قال لما ماتت رقية بنت رسول الله (ص) قال النبي (ص) لا يدخل القبر رجل قارف أهله الليلة فلم يدخل عثمان القبر هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ) ( المستدرك للحاكم , ج6 ص 60)
 ( عن أنس بن مالك عنه قال شهدت دفن بنت رسول الله (ص) وهو جالس على القبر ورأيت عينيه تدمعان فقال هل منكم رجل لم يقارف الليلة أهله فقال أبو طلحة أنا يا رسول الله قال فانزل في قبرها هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه )( المستدرك للحاكم, ج 6 ص 60 ). الحديث هذا لايسمي من هي بنت رسول الله  بينما الذي قبله يقول أن اسمها رقية, فتأمل!
يتبين لنا الان ان المدفونة في الحديثين السابقين هي غير التي دفنها عثمان والناس عائدون من معركة بدر والنبي (ص) لم يشهد دفنها , اذن هي أمرأة أخرى والتبس الامر على الحاكم النيسابوري في مستدركه وربما من أجل ذلك لم يخرج البخاري الحديث نفسه لحيرته وكما مر بنا في نص الروض الانف للسهيلي  عندما ذكر البخاري الرواية بعد تصحيفها ولم يذكر اسم المرأة وترك الامر مبهماً.
يقول المؤرخ ابن سعد: (عن أنس بن مالك قال رأيت النبي (ص) جالسا على قبرها فرأيت عينيه تدمعان فقال فيكم أحد لم يقارف الليل فقال أبو طلحة أنا يا رسول الله قال انزل أبرنا . وجلس النبي على حفرتها ,ونزل في حفرتها علي بن أبي طالب والفضل بن عباس وأسامة بن زيد( بأختصار عن الطبقات لابن سعد, باب أم كلثوم) . المؤرخ ابن سعد يتحدث هنا عن أم كلثوم ولكن نص روايته يشابه نص رواية الحاكم النيسابوري في مستدركه مع أختلاف الاسم حيث يقول الحاكم كما مر بنا أن المدفونة هي رقية.
فيما يلي رواية لابن حجر العسقلاني عن رقية  باختصار :
 ( رقية بنت سيد البشر (ص) محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمية هي زوج عثمان بن عفان وأم ابنه عبد الله قال أبو عمر لا أعرف خلافا أن زينب أكبر بنات النبي (ص) واختلف في رقية وفاطمة وأم كلثوم والأكثر أنهن على هذا الترتيب ونقل أبو عمر عن الجرجاني أنه صح أن رقية أصغرهن وقيل كانت فاطمة أصغرهن وكانت رقية أولا عند عتبة بن أبي لهب فلما بعث النبي (ص) أمر أبو لهب ابنه بطلاقها فتزوجها عثمان وقال بن هشام تزوج عثمان رقية وهاجر بها الى الحبشة فولدت له عبد الله هناك فكان يكنى به. وقال أبو عمر قال قتادة لم تلد له قال وهو غلط لم يقله غيره ولعله أراد أختها أم كلثوم فإن عثمان تزوجها بعد رقية فماتت أيضا عنده ولم تلد له قاله بن شهاب والجمهور وسيأتي لتزويج رقية ذكر في ترجمة سعدي أم عثمان حماتها وقال بن سعد بايعت رسول الله (ص) هي وأخواتها وتزوجها عتبه بن أبي لهب قبل النبوة فلما بعث قال أبو لهب رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته ففارقها ولم يكن دخل بها فتزوجها عثمان . لما ماتت رقية قال النبي (ص) ألحقي بسلفنا عثمان بن مظعون فبكت النساء على رقية ,فقعدت فاطمة على شفير القبر تبكي فجعل يمسح عن عينها بطرف ثوبه قال الواقدي هذا وهم ولعلها غيرها من بناته لأن الثبت أن رقية ماتت ببدر أو يحمل على أنه أتى قبرها بعد أن جاء من بدر ....وقيل وصل لما دفنت وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال ما ماتت رقية قال رسول الله (ص) لا يدخل القبر رجل قارف فلم يدخل عثمان قال أبو عمر هذا خطأ من حماد إنما كان ذلك في أم كلثوم وقد روى بن المبارك عن يونس عن الزهري قال تخلف عثمان عن بدر على امرأته رقية وكانت قد أصابها الحصبة فماتت) (  بتصرف واختصار عن كتاب الاصابة للعسقلاني , ترجمة رقية).
 ويروي المؤرخ الواقدي أن التي ماتت بعد معركة بدر هي رقية فيقول ( وقدمَ زيد حين سوّوا على رُقية بنت رسول الله التراب بالبقيع)( (مغازي الواقدي ,باب معركة بدر)
مثال آخر على تخبط المؤرخين ( وقال قتادة تزوج عثمان رقية بنت رسول الله (ص)فتوفيت عنده ولم تلد منه وهذا غلط من قتادة ولم يقله غيره وأظنه أراد أم كلثوم بنت رسول الله (ص)فإن عثمان تزوجها بعد رقية فتوفيت عنده ولم تلد منه هذا قول ابن شهاب وجمهور أهل هذا الشأن ولم يختلفوا أن عثمان إنما تزوج أم كلثوم بعد رقية وهذا يشهد لصحة قول من قال إن رقية أكبر من أم كلثوم)( الاستيعاب لابن عبد البر ج4 , ترجمة رقية)
إن هذا التضارب في الروايات بعد جمعها ومقارنتها  قد يوصل الباحث الى حبكة أخرى وهي أن عثمان لم يكن متزوجا بربيبة النبي أو ابنته ( أم كلثوم) بل كان متزوجا من رقية وعند وفاتها تزوج من أختها زينب ولاوجود لأم كلثوم , وممكن تلخيص ما تقدم كما يلي  :
 الزوجة التي ماتت والناس عائدون من معركة بدر هي رقية, أما الزوجة الثانية التي ماتت بعد مقتل الجاسوس القرشي والتي منع النبي (ص) عثماناً من النزول في قبرها  ليست أم كلثوم فلاوجود لأم كلثوم,  أنما الزوجة الثانية التي تزوجها عثمان هي ربيبة النبي الكبرى زينب ! فبعد ترمل زينب من بعد وفاة زوجها أبي العاص تزوجت من عثمان بن عفان. وهو قول يرأب التصدعات والتناقضات في روايات التاريخ حول رقية وأم كلثوم, ويرجح الى حد بعيد عدم وجود سيدة باسم أم كلثوم إطلاقاً فالزوجة الثانية هي زينب الارملة ولاوجود لأم كلثوم , فمن المحتمل أن  أم كلثوم هو لقب السيدة رقية وهي الزوجة الاولى لعثمان التي ماتت والناس عائدون من معركة بدر , أما الزوجة الثانية التي ماتت بعد قتل الجاسوس القرشي والتي نرجح أنها ماتت بسبب ضرب زوجها عثمان لها إنما هي زينب.
تروي بعض الروايات أن زينب بنت علي بن أبي طالب كان لقبها أم كلثوم, وكذلك رقية بنت علي التي ماتت وهي صغيرة كانت تلقب بأم كلثوم, فأم كلثوم لقب يطلق على من أسمها  زينب أو من أسمها رقية ,  وربما كان ذلك الحال في ربيبات النبي فكانت زينب تلقب بأم كلثوم ,ورقية كذلك! ومن جراء ذلك اختلط الحساب على بعض المؤرخين وظنوا أن أم كلثوم فتاة أخرى,  وانتهز البعض هذا الالتباس في الاسماء فروجوا أن للنبي (ص) ابنة عذراء أسمها أم كلثوم تزوجها عثمان الاموي.
 الملفت للنظر أن وفاة السيدة زينب كان في  السنة الثامنة للهجرة , يقول ابن سعد  (توفيت زينب بنت رسول الله (ص) في أول سنة ثمان من الهجرة )( طبقات ابن سعد, ترجمة زينب), اما أم كلثوم فقد ماتت في السنة التاسعة حيث يقول  ابن سعد
(فلم تزل عنده إلى أن ماتت ولم تلد له شيئا وماتت في شعبان سنة تسع من الهجرة)( طبقات ابن سعد , ترجمة أم كلثوم). وهذا التقارب في تاريخ وفاتهما  يوحي أنهما أمرأة واحدة  وأن أم كلثوم العذراء هي أختراع من أختراع المحرفين أخترعوها كي ينال عثمان الاموي شرف الزواج من ابنة النبي العذراء, ثم تخلص المحرفون من شخصية أم كلثوم فجعلوها تموت من غير أولاد ولا ذرية.
ونكرر أخيرا أن هذه الالتباسات عند المؤرخين ترجح  أن أم كلثوم هي شخصية من اختراع الامويين الذين ارادوا رد أعتبار عثمان الاموي بعد أفتضاح أمره بأخفاء الجاسوس القرشي المشرك في بيته والتستر عليه , وكذلك لاضفاء منقبة لعثمان بعد أفتضاح أمره يوم دفن زوجته حين منعه النبي من النزول في قبرها كما ذكرت المصادر, وكذلك مضاجعته لجارية زوجته يوم وفاة الزوجة المظلومة , وقد حدثت كل هذه الحوادث بعد معركة أحد تلك المعركة التي فر منها عثمان ولم يعد الا بعد ثلاثة أيام. إنها فضائح ومثالب لم يستطع الامويون أخفاءها عن الناس والاجيال فأخترعوا أمرأة أسمها أم كلثوم وجعلوها عذراء ثم قالوا أنها من بنات النبي محمد, وليس كذلك فقط , بل أدعوا أن النبي محمد (ص) نفسه قال يمدح عثمانا : لو أنه له عشر بنات لزوجهن لعثمان ( راجع سير أعلام النبلاء للذهبي  ج2 ص 253). وهو حديث لايقبله العقل فكيف يتمنى النبي أن يكون له عشر بنات  حتى يزوجهن لعثمان الفرار من الزحف والهارب من المعارك ! عثمان الذي آوى جاسوس قريش في بيته ثم ضاجع جارية زوجته ليلة وفاة الزوجة التي ماتت من جراء ضربه لها عقابا على مساعدة المسلمين على ايجاد ابن عمه الجاسوس. هذا البحث المختصر في زوجات عثمان ذكرناه للفائدة , وحتى أذا لايوافق القارئ على كون أم كلثوم كذبة تاريخية  فمايهمنا هو أن زوجة عثمان الثانية كائنا ماكان أسمها ماتت بعد أيام من مقتل ابن عم عثمان وهو الجاسوس القرشي معاوية بن المغيرة بن أبي العاص. ومنع النبي عثمان من النزول في قبرها لأن عثمان كان قد قارف ( مارس النكاح) مع جارية زوجته وفي ليلة وفاة زوجته, وعلى هذا أتفق المؤرخون .






تلخيص جريمة عثمان في زوجته
روايات الجمهور لاتصرح بضرب عثمان لزوجته  بينما روايات الامامية تفصل في عملية الضرب تلك ,,ولأن الجمهور لايأخذ بروايات الامامية فلابد من استشفاف الحقائق من روايات الجمهور فقط  لقطع الحجة على ناكري روايات الامامية , ومن روايات الجمهور التي لايمكن نكرانها والتي لم تصرح بضرب عثمان لزوجته يمكن اثبات دلائل دور عثمان في موت زوجته وضربه لها , بعد قراءة لما يلي:
الدليل الاول : أتفقت الروايات على أن عثمان آوى الجاسوس القرشي معاوية بن المغيرة في بيته وعلمت زوجة عثمان بطبيعة الحال ذلك , فهل يعقل أن يختبئ جاسوس كافر مشرك هارب من فلول جيش قريش في معركة أحد في بيت أمرأة مسلمة وبعلمها؟, وكيف تقبل ذلك وهي ابنة النبي كما أجمعت كتب الجمهور على ذلك؟ لابد أن المرأة أخبرت المسلمين بمكان أخفاء ذلك الرجل. أورد المؤرخ ابن الاثير أمر الجاسوس القرشي معاوية فكتب : (فلما أصبح أتى دار عثمان بن عفان فلما رآه قال له عثمان : أهلكتني وأهلكت نفسك . فقال : أنت أقربهم مني رَحِماً وقد جئتك لتجيرني . وأدخله عثمان داره) ( الكامل لابن الاثير , ج2 باب معركة أحد). وهذا يبين أن عثمان أخفاه في بيته , ثم يعلم المسلمون بتواجد الجاسوس القرشي في المدينة , وتذكربعض الروايات دور الوحي الالهي في ذلك حيث أعلم النبي (ص) بتواجد الجاسوس فخرج المسلمون يبحثون عنه , ونقول أن الوحي الذي أخبر النبي بتواجد الجاسوس لابد أن أخبره بمكان تواجده وهو بيت عثمان ويفصل المؤرخ الواقدي في ذلك فيروي خروج المسلمين للبحث عنه فيقول: 
(فقال بعضهم : أطلبوه في بيت عثمان بن عفان, فدخلوا بيت عثمان , فسألوا أم كلثوم , فأشارت إليه فاستخرجوه من تحت حِمارة لهم , فانطلقوا به إلى النبي وعثمان جالس عند رسول الله ) ( مغازي الواقدي ج1 ص229, باب معركة أحد).
  إن عثماناً الغاضب على اكتشاف أمر ابن عمه لابد أن شك بزوجته فهو يأخذ بالاسباب الدنيوية فقط , ولو كان عثمان مؤمنا بالوحي ويؤمن أن الملاك جبرائيل يخبر النبي بكل شئ, لما سمح للجاسوس بدخول بيته منذ البداية .واذن تيقن عثمان أن زوجته هي التي دلت الناس على أمر الجاسوس فغضب عليها  لذلك وضربها.
الدليل الثاني: استخدم عثمان مالديه من وسائل لابقاء ابن عمه معاوية بن المغيرة حياً, فتوسل بالنبي وطلب منه أن يمهل ابن عمه الكافر معاوية بن المغيرة عدة أيام كي يجهزه حتى يخرج من المدينة, وأخفى ابن عمه الجاسوس في بيته  لحرصه على حياة ابن عمه الكافر وتفانيه من أجل عشيرته . فما هو موقف عثمان عندما يسمع أن ابن عمه مات مقتولاً بأيدي المسلمين وبأمر النبي نفسه. هل ياترى يتنازل عن تفانيه العشائري وتشبثه اللامحدود للحفاظ على حياة ابن عمه وينسى كل ذلك؟ بطبيعة الحال كلا , لابد أن عثمان حزن حزناً شديدا على مقتل ابن عمه وذاق طعم العار والخيبة بعدم أيفاءه لنزعته العشائرية ,ومن يحمل تلك النزعة العشائرية لابد أن يحمل النزعات العشائرية الاخرى وعلى رأسها الاخذ بالثار لمقتل أقاربه. فما يفعل عثمان وهو يرى موت ابن عمه الكافر الذي استجاره وطلب منه أن يخفيه ؟ لابد له من الانتقام . ولم يجد عثمان كفؤاً لابن عمه المقتول معاوية بن المغيرة , سوى زوجته (عثمان) التي هي من عائلة النبي محمد (ص) نفسه  وكذلك هي ابنة  عم علي بن أبي طالب  الذي قتل الجاسوس بيده كما رجحت بعض الروايات التي مرت بنا . إذن سيصب عثمان جام غضبه على زوجته انتقاما لابن عمه ويكيل للذي قتل ابن عمه بأن ينتقم من ابنة عمه, ويكيل للنبي الذي أمر بقتل الجاسوس بأن يضرب أبنته أو ربيبته, وزاد ذلك الغضب أنها هي من دلت المسلمين على مكان أختباء الجاسوس في بيتها. فهل تستدعي هذه القضية محقق  ماهر كي يرينا دوافع الضرب والتعنيف للزوجة المظلومة؟ كلا , إن ماحصل هو عين ما يتوقعه كل عاقل, فما أن تم قتل الجاسوس معاوية بن المغيرة حتى مرضت المرأة وماتت بعد أقل من اسبوع  , فياللعجب ماهو سبب المرض والموت؟ لاتفصل كتب الجمهور في ذلك وماندري كيف فات على المؤرخين أن أمرأة صحيحة الجسم تموت ولايذكروا لنا سبب موتها. بالطبع كتب الجمهور لاتفصل في ذلك ولاتذكره ولكن سياق الاحداث والدوافع  يغنينا عن ذلك ويرينا الحقيقة ساطعة, فموت المرأة بعد أيام من مقتل الجاسوس دليل يؤتنس به  على ضلوع زوجها عثمان في موتها. وما  ذكرته كتب الامامية -في تفصيل ضرب عثمان لزوجته وكيف أنها خرجت من بيتها بعد أن أستنجدت بالنبي الكريم (ص) لتموت في بيت النبي (ص) وليس في بيت زوجها -هي روايات تملأ الفراغ في كتب الجمهور. لم نأت بروايات الامامية الان كي نسد الباب على من يتحجج بأن المصادر غير معتبرة عنده, ولكن تبين لنا من التسلسل الموضوعي للاحداث ضلوع عثمان بموت زوجته المظلومة.
الدليل الثالث: ان الذي تموت زوجته لابد أن يصيبه غمُ  قد يسد شهوته للأكل وبالطبع يسد شهوته للجماع, فكيف إذا كانت تلك الزوجة ابنة سيد الخلق كما أجمعت كتب الجمهور؟وكيف يكون ذلك الحزن لمن سينقطع نسبه وتنفصم صهورته عن سيد الخلائق, لابد أن يكون ذلك الحزن والغم  أضعافاً مضاعفة . لكن ذلك لم يحدث عند عثمان بن عفان, فقد أجمعت روايات الجمهور وتقدم ذكر بعضها أن عثمانا ليلة وفاة زوجته المظلومة ضاجع جاريتها ! كأن الذي فعله عثمان كان  أحتفالاُ وفوزاُ بنشوة وفاة زوجته فتوج ذلك الفوز بأن يُعرس بجاريته ويقترف معها! ولايناكح ابن آدم السوي في ساعة غمه وحزنه مهما بلغت به الشهوة مبلغها, لكن عثمانا لم يأبه لوفاة زوجته التي هي ابنة النبي أوربيبته , ولم يأبه بأن صهورته مع سيد الخلائق ستنقطع بذلك الموت فضاجع جاريته ليلة وفاة زوجته. وخرج الى الجنازة متمتعاً بنشوى المضاجعة ولاندري ربما لم يغتسل من جنابته في يومه ذاك, وحتى لو فعل فلن يغير ذلك شيئا .
في بيئة العرب تلك كانت البيوت صغيرة وغرفها صغيرة, فإذا كانت السيدة المظلومة توفيت في بيتها فيعني هذا أن عثمان ضاجع جاريته في أحدى غرف البيت الصغير وزوجته ميتة في غرفتها , فيالهول ذلك . ولايمكن نكران ذلك فكتب الجمهور والعامة تقول إن عثمان ضاجع جاريته في ليلة وفاة زوجته , ولايجد المدافعون عن عثمان ما يغسلون به هذه المثلبة والنقيصة في حق الرجل, فكيف يستطيع ابن آدم أن يمارس النكاح في غرفة وهو يعلم بأن جثة زوجته في الغرفة الاخرى إلا إذا كان وحشاً بشرياً لايحمل مشاعر بني الانسان. إن الدفاع عن هذه النقيصة لايتم الا بنقيصة آخرى حيث تفصل كتب الامامية أن الزوجة المظلومة بعد أن ذاقت الضرب المبرح من عثمان خرجت من بيته وذهبت الى بيت ابيها النبي محمد (ص) تشتكيه ثم ماتت في بيت النبي الكريم. وبما أن كتب العامة والجمهور ذكرت أن عثمانا ضاجع جاريته ليلة وفاة زوجته فليس للمؤمنين بهذه الكتب سوى الاذعان لرواية الامامية التي تقول أن السيدة المظلومة زوجته لم تمت في بيتها بل ماتت في بيت النبوة, لأنهم إذا ينكرون أنها خرجت من بيتها وذهبت الى بيت ابيها فلابد لهم الاذعان بأن عثمان مارس النكاح مع جاريته وزوجته جثة هامدة في غرفتها وهو موقف مهوول لايحصل حتى في حياة الوحوش الكواسر. إذن أهون الشرين هو الاقرار بأنها خرجت من بيت عثمان وهو ما قالت به كتب الامامية   وفصلته و أحجمنا عن ذكره حتى الان لتكتمل الصورة تماما دون ذكر الرواية كما وردت في كتب الامامية , وللفائدة نذكر الرواية من كتاب الكليني حيث يذكر أن الزوجة المظلومة بعد أن ضربها عثمان انتقاما لموت ابن عمه أرسلت للنبي الكريم تشتكي زوجها فأرسل النبي علي بن أبي طالب وقال له أئتني بأبنة عمك ثم يذهب النبي بنفسه , تقول الرواية :
(أقبل رسول الله  (ص) كالواله من منزله إلى دار عثمان فأخرج علي ابنة رسول الله فلما نظرت إليه رفعت صوتها بالبكاء واستعبر رسول الله (ص) وبكى ثم أدخلها منزله وكشفت عن ظهرها فلما أن رأى ما بظهرها قال: ثلاث مرات ماله قتلك قتله الله وكان ذلك يوم الاحد وبات عثمان ملتحفا  بجاريتها فمكث الاثنين والثلاثاء وماتت في اليوم الرابع فلما حضر أن يخرج بها أمر رسول الله فاطمة  فخرجت و نساء المؤمنين معها وخرج عثمان يشيع جنازتها فلما نظر إليه النبي قال: من أطاف البارحة بأهله أو بفتاته فلا يتبعن جنازتها قال ذلك ثلاثا فلم ينصرف فلما كان في الرابعة قال: لينصرفن أو لأسمين باسمه، فأقبل عثمان متوكئا على مولى له ممسك ببطنه فقال: يارسول الله إني اشتكى بطني فإن رأيت أن تأذن لي أنصرف, قال: انصرف وخرجت فاطمة ونساء المؤمنين والمهاجرين فصلين على الجنازة.) ( الكافي للكليني , ج 3 ص 250  كتاب الجنائز). بهذه الرواية الاخيرة تكتمل الصورة تماماً, لقد كان دأب المؤرخين هو التغطية على فعلة عثمان بن عفان بزوجته ولكن سياق باقي الروايات في كتب الجمهور وترتيبها يبين بلاشك دور عثمان في موتها.
هذا العقوبة النبوية أمام الملأ أرت الناس أن عثمانا لم يأبه بموت زوجته ولم يغتم فضاجع جاريتها في ليلة وفاتها وهو دليل يبين ضلوعه في قتل زوجته المظلومة. ما يحدث بين أثنين وهما يقترفان ويمارسان لايعلمه أحد ,ولكن النبي (ص) علم ذلك ,واذن كان للوحي الالهي دور في ذلك , فالذي أعلم النبي بما فعله عثمان من مقارفته للنكاح ليلة الوفاة لم يكن سوى وحي السماء, وقد يحمل بعض الناس موهبة فراسة الاخرين ومعرفة كنه مشاعرهم من سيماءهم ومن طريقة مشيهم وتحدثهم فكيف بالنبي العظيم العارف بأسرار النفس الانسانية, ان قدرته على الفراسة لايجاريها أحد وهذه هبة عظيمة من الخالق لخاتم الانبياء فهو العارف بالناس المؤيد بوحي السماء لاتخفى عليه حركات وسكنات اصحابه فعرف بفراسته الفذة وبنعمة وحي السماء أن عثمان كان قد مارس النكاح مع جاريته ففضحه أمام الناس أثناء جنازة السيدة المظلومة رحمها الله.
هذه الدلائل المنطقية والمصادر التاريخية المعترف بها عند الجمهور تظهر نفسية عثمان العشائرية الاجرامية و ترينا بسطوع أن عثمان هو قاتل زوجته ,وقد يكون قتلا غير متعمد فالضرب المبرح نتيجة الغضب قد يؤدي الى قتل أمرأة ضعيفة , فليس صدفة موتها بعد مقتل الجاسوس الكافر بأيام. إن مواقف عثمان نحو بعض الصحابة الذين تقدم ذكر بعضهم دليل آخر يُعضد النفس الانتقامي الاجرامي لعثمان, فقد كسر عثمان أضلاع الصحابي عبد الله بن مسعود ومات الرجل من جراء ذلك , وضرب عثمان عمارا بن ياسر حتى فتق بطنه وأفقده وعيه, و نفى عثمان بعض الصحابة واغلظ عليهم حتى مات منهم في منفاه وحيدا غريبا فقيرا كالصحابي الجليل وخامس رجل في الاسلام أبوذر الغفاري . وإذن ليس غريبا على عثمان أن يفعل ذلك بزوجته ربيبة النبي أو ابنته. إن ظلامة آل بيت النبي محمد (ص) وسام  رباني يبين للناس جميعاً أن أشرف الخلق ينالهم كذلك ظلم الظالمين, فلم ينج من آل بيت النبي أحد إلا وأصابه ظلم الناس وأجحافهم ,ومنهم هذه السيدة الطيبة التي ماتت ظلماً لعدم قبولها التستر على وجود جاسوس مشرك كافر في بيتها, فنالت نصيبها من ظلم الظالمين , ولم يعاقب النبي الكريم عثماناً على ما فعله بزوجته المظلومة لعدم وجود الدلائل المادية كالشهود واعتراف الجاني وغيرها من الاسباب الارضية ولكنه (ص) عرف ذلك  كما عرف بأختفاء الجاسوس في بيت عثمان. وقد يكون النبي (ص) ترك العقاب ليرى الناس أنه وأهل بيته كباقي الناس ينالهم أذى الظالمين,  وعقوبة الظلمة لآل النبي ستكون يوم الدين وليست في هذه الدنيا القصيرة الفانية. إن هذه  الحكمة الربانية بظلم آل بيت النبي (ص) تلطف مرارة الظلم عند المظلومين وتواسيهم, وتبين أن أعظم الناس طُراً وأشرف الخلق عند الله ذاقوا ظلم الظلمة, وكذلك نال محبيهم ومريدهم نار الظلم والقهر , فلا ييأس مظلوم  ولايحزن مغبون وهو يرى ويسمع ظلامة أشرف الخلق وظلامة آل بيته ,والله غالب على أمره.





الثورة على عثمان
ماتقدم ذكره في عهد خلافة عثمان لم يكن ليدع الناس على ماهم عليه ,فقاموا يطالبونه بالاصلاحات والعدالة في توزيع المال,  وعزل من ولى من عشيرته من بني العاص وبني أمية, فلما أبى عثمان الاصغاء اليهم نادوا  بخلعه من منصبه , ونكرر رواية الطبري للفائدة:
( عن عامر بن سعد قال أول من اجترأ على عثمان بالمنطق السيء جبلة بن عمر الساعدي مر به عثمان وهو جالس في ندى قومه وفي يد جبلة بن عمرو جامعة فلما مر عثمان سلم فرد القوم فقال جبلة لم تردون على رجل فعل كذا وكذا قال ثم أقبل على عثمان فقال والله لاطرحنَّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه قال عثمان أي بطانة فوالله اني لأتخير الناس فقال مروان تخيرته ومعاوية تخيرته وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته وعبد الله بن سعد تخيرته منهم من نزل القرآن بدمه وأباح رسول الله  دمه قال فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم)(تاريخ الرسل والملوك للطبري ج 3 ص 299)
اتفق المؤرخون على أسماء الصحابة الذين قاموا على عثمان نذكر منهم : طلحة بن عبيد الله, الزبير بن العوام , سعد بن أبي وقاص, محمد بن أبي بكر , عمرو بن العاص , المغيرة بن شعبة, قيس بن سعد بن عبادة, جابر بن عبد الله الانصاري , عمرو بن الحمق, مالك الاشتر , عمار بن ياسر وغيرهم كثير . لم يستطع المؤرخون أو كتبة البلاط نكران أشتراك جموع الصحابة في الثورة على عثمان ,واوقعت هذه الحقيقة مجملي التاريخ من أصحاب نظرية عدالة الصحابة في مشكل لم يقدروا الخروج منه , فهم لايستطيعوا ذم الانصار والمهاجرين من الصحابة في سبيل تبرئة ذمة عثمان مما فعل , ولايستطيعوا القول أن عثمان كان على حق فيما فعل لأن قولهم ذلك سيكفر تلك الجموع من المسلمين الاوائل الذي قاموا بالثورة على عثمان , فقالوا بأن ماحدث كان فتنة والسلام!
دور عائشة  في الثورة على عثمان
 كانت عائشة ابنة الخليفة الاول أبوبكر من أول الناس في التحريض على عثمان. روى البلاذري: ( قال ابن أعثم : ولما رأت عائشة  اتفاق الناس على قتل عثمان ، قالت له : أي عثمان ! خصصت بيت مال المسلمين لنفسك ، وأطلقت أيدي بني أمية على أموال المسلمين ، ووليتهم البلاد ، وتركت أمة محمد في ضيق وعسر ، قطع الله عنك بركات السماء وحرمك خيرات الأرض ، ولولا أنك تصلي الخمس لنحروك كما تنحر الإبل . فقرأ عليها عثمان : ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) ( فتوح البلدان للبلاذري , باب عثمان) .وردت الرواية أيضا بألفاظ أخرى و كما يلي :
وقامت عائشة بنت أبي بكر تحرض الناس على قتل عثمان قائلة: (اقتلوا نعثلا فقد كفر) (تاريخ الطبري ج4 ص 447, الكامل لابن الاثير ج3 ص 87). ونعثل اسم ليهودي كان كث الشعر وغزيره, وقيل أن نعثلا لقب يطلق على الشيخ الاحمق , ليس بعيداً أن يكون دافع عائشة هو الانتقام من عثمان لدوره في قتل أبيها الخليفة الاول أبابكر بالسم ( راجع فصل ابوبكر) , كما أن عائشة أفتقدت زمن حكم أبيها وصاحبه عمر, ففي عهديهما كانت عائشة مدللة تفتي وتُحدث الناس كما يحلو لها بمأمن عن نقد أو تجريح , ولم يدم ذلك في عهد عثمان الذي لم يعطها الاهتمام التي كانت تتمتع به من قبل. ولا يفوتنا القول أن من أسباب كره عائشة لعثمان هو أملها بأن يكون ابن عمها طلحة بن عبيد الله صاحب الأمر والنهي وسيتبين صدق ذلك في فصل ( الأمام علي). ساهم ابن عم عائشة وهو طلحة بن عبيد الله بالتحريض على عثمان والتنكيل به : (....لم يكن أحد من أصحاب النبي (ص) أشد على عثمان من طلحة) (أنساب الاشراف للبلاذري ج5 ص 81). -وسيأتي تفصيل أكثر بعد قليل- . تذكر أيها القارئ الاموال الطائلة التي اغدقها عثمان على طلحة فأنها لم تفعل مفعولها لطيش عثمان واستهتاره غير المحدود, فحتى  الذين كسب ودهم بالمال لم يطيقوا ذلك الاسفاف والظلم. لم يقتصر الامر على  الصحابة المقربين في الثورة على عثمان,  فقد شاركت جموع غفيرة من المهاجرين والانصار في الثورة عليه .

نهاية عثمان
في موسم الحج التقى رؤوساء المعارضة لحكم عثمان وكانوا من أهل الكوفة والبصرة ومصر, ثم قرروا أن يأتوا في العام الذي بعده ومعهم أهالي أمصارهم ليرفعوا شكواهم الى عثمان في العاصمة وهي المدينة المنورة. . فلما جاء موسم الحج في العام التالي خرج مالك الأشتر في ألف رجل من أهل الكوفة ,وخرج حكيم بن جبلة العبدي في البصرة فكان في مائة وخمسين .وجاء أهل مصر وهم مابين أربع مائة الى الف رجل حسب تفاوت المصادر, وكان فيهم محمد بن أبي بكر ابن الخليفة الاول أبوبكر . ثم  أتوا دار عثمان بالمدينة ,وجاء معهم رجال من المهاجرين والانصار منهم عمار بن ياسر وغيره . وفي رواية  صاحب العقد الفريد يروى أن أهل مصر أسندوا أمرهم إلى علي ومحمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر وطلحة والزبير فأمروهم بقتله، وكان معهم من القبائل خزاعة، وسعد بن بكر، وهذيل، وطوائف من جهينة و مزينة وأنباط يثرب، وهؤلاء كانوا أشد الناس عليه. ويروي المسعودي أن في الناس كان بنو زهرة ايضا لأجل مظلمة عبد الله بن مسعود التي ذكرناها, فقد كان عبد الله بن مسعود من أحلاف قبيلة بني زهرة وكذلك قبيلة بني هذيل. أما بنو مخزوم فقد جاءوا لانهم حلفاء لعمار بن ياسر , وجاءت قبيلة غفار لأجل أبي ذر الغفاري, ثم تأتي قبيلة تيم بن مرة لان محمد بن أبي بكر منهم ( باختصار وتصرف عن الغدير, باب عثمان  للعلامة الاميني,  وعن الانساب للبلاذري, العقد الفريد لابن عبد ربه , مروج الذهب للمسعودي ).
حاصرت جموع المسلمين تلك دار عثمان ولم يتركوا الدار حتى عاهدهم عثمان بالتوبة والعودة للعمل بسنة الرسول وكتب لهم بذلك كتابا  يقول :
(بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين إن لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه، يعطى المحروم، ويؤمن الخائف، ويرد المنفي، ولا تجمر البعوث، ويوفر الفئ، وعلي بن أبي طالب ضمين المؤمنين والمسلمين وعلى عثمان بالوفاء في هذا الكتاب. شهد الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله؟ وسعد بن مالك بن أبي وقاص، و عبد الله بن عمرو، وزيد بن ثابت، وسهل بن خنيف، وأبو أيوب خالد بن زيد.وكتب في ذي العقدة سنة خمس وثلاثين. فأخذ كل قوم كتابا فانصرفوا.)
 ( بتصرف عن الغدير , باب عثمان للعلامة الاميني , انساب الاشراف ج5 للبلاذري.)
وقال علي بن أبي طالب لعثمان: أخرج فتكلم كلاما يسمعه الناس ويحملونه عنك وأشهد الله ما في قلبك، فإن البلاد قد تمخضت عليك، ولا تأمن أن يأتي ركب آخر من الكوفة أو من البصرة أو من مصر ، فخرج عثمان فخطب الناس فأقر بما فعل واستغفر الله منه، وقال: سمعت رسول الله  يقول: من زل فلينب. وأنا أول من اتعظ ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليردوني برأيهم، فوالله لو ردني إلى الحق عبد لاتبعته وما عن الله مذهب إلا إليه، فسر الناس بخطبته واجتمعوا إلى بابه مبتهجين بما كان منه.فخرج إليهم مروان بن الحكم وزير عثمان فزبرهم وقال: شاهت وجوهكم ما اجتماعكم؟ أمير المؤمنين مشغول عنكم، فإن احتاج إلى أحد منكم فسيدعوه فانصرفوا، وبلغ عليا الخبر فأتى عثمان و هو مغضب فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بإفساد دينك، وخديعتك عن عقلك؟ وإني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك.
وأخرج ابن سعد من طريق أبي عون قال: سمعت عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ذكر مروان فقال: قبحه الله خرج عثمان على الناس فأعطاهم الرضى وبكى على المنبر حتى استهلت دموعه، فلم يزل مروان يفتله في الذروة والغارب  حتى لفته عن رأيه، قال: وجئت إلى علي فأجده بين القبر والمنبر ومعه عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وهما يقولون: صنع مروان بالناس؟ قلت: نعم) ( بتصرف عن الغدير , باب عثمان للعلامة الاميني رحمه الله, وعن تاريخ الطبري, الكامل لابن الأثير, حياة الحيوان للدميري ج1 ص 53) . وفي رواية أخرى يقول مروان بن الحكم لجموع الناس :
(ما شأنكم قد اجتمعتم؟ كأنكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه، كل إنسان آخذ بأذن صاحبه إلا من أريد ,جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا أخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غب رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا! فجاء علي  مغضبا حتى دخل على عثمان فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به؟ والله ما مروان بذي رأي في دينه، ولا نفسه، وأيم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، وغلبت على أمرك.)( الغدير للأميني, أنساب الاشراف للبلاذري ج5 ص 64، تاريخ الطبري ج 5 ص 111 ، الكامل لابن الأثير  ج3ص68، تاريخ ابن كثير ج7 ص 172 شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1 ص 164، تاريخ ابن خلدون ج 2ص 396). تأمل قول مروان لجماهير الناس : (جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا !) , فقد صارت دولة المسلمين ملكا لبني أمية وبني العاص.
بعد كل هذه التقلبات يخرج أهل الامصار ليعودوا الى بلادهم وهم يأملون خيرا في سياسة عثمان بعد توبته وكتابه لهم, وخرج وفد المصريين عائدين إلى مصر آملين تغيراً في سياسة عثمان وفي طريقهم شمالا نحو مصر يلقون غلاما لعثمان يسابقهم على راحلته في طريقه شمالا, فأوقفوه  وفتشوا متاعه فوجدوا فيه كتاباً بتوقيع عثمان وختمه الى حاكم مصر عبد الله بن أبي سرح يأمره عثمان بالتنكيل بالوفد المصري عند وصولهم , والرواية كما يلي بلفظ ابن شبة
( عن عبد الرحمن بن جندب قال: رجعوا راضين، فلما كانوا بأيْلة لحقهم غلام لعثمان  يقال له يُحَنَّة، فقالوا: مَن أنت? قال: غلامٌ لعثمان. قالوا أين تريد? قال: مِصرَ.
فاستنزلوه فلم يجدوا معه شيئاً من متاعه، فقال كنانة بن بشر: انظروا في إداوته. فنظروا في الإداوة فإذا فيها قارورة قد شُدَّ رأسها بأدم فيها كتاب عليه خاتم من رَصاص، فقرأوا الكتاب فإذا هو: من عثمان إلى ابن أبي سرح، إذا قَدِمَ عليك أهل مصر فاقتل عبد الرحمن بن عدَيس واصلبه،  واقطع يد عروة بن شييم وأبي عمر بن بديل بن ورقاء وكنانة بن بشر)( تاريخ المدينة لابن شبة , باب مقتل عثمان) . وفي سند آخر يروي ابن شبة عن رجال مصر الذين رضوا بتوبة عثمان  حيث يقول
:( فرجعوا راضين، فلحقهم غلام لعثمان في الطريق معه كتاب إلى ابن أبي سرح يأمره فيه بقتلهم، فأخذوه ثم رجعوا إلى المدينة، وبلغ أهل مصر فأخرجوا ابن أبي سرح من مِصر فألحقوه بفلسطين، وبلغ أهل الكوفة رجوع أهل مصر الثانية، فخرج الأشتر في مائتين من أهل الكوفة، وبلغ أهل البصرة فخرج حكيم بن جَبَلة في مائة، فتوافوا بالمدينة فحصروا عثمان .) ( تاريخ المدينة لابن شبة , باب مقتل عثمان). وحاصرت الجموع دار الخليفة عثمان على غدره بهم, دام حصار الثوار لبيت عثمان أكثر من أربعين ليلة  ثم يدخل الناس ويقتلوه.
 لمروان بن الحكم دور كبير في أغتيال عثمان فهو كان وزيره و حامل أختامه ,والتحقيق في روايات التاريخ يبين أن مروان بن الحكم هو الذي كتب الكتاب الى والي مصر يؤمره فيه بالتنكيل بالوفد المصري العائد وقتل رجاله كما ذكر اعلاه. إن التعجيل بنهاية عثمان كان من صالح معاوية حاكم الشام , فقد كان معاوية يترقب نهاية عثمان آملا في ملك بني أمية وهذا ما تحقق بعد سنين قليلة من ذلك. في أثناء حصار البيت يذهب مروان بن الحكم وهو وزير عثمان الى عائشة ابنة الخليفة الاول يطلب منها أن تقف مع عثمان في حصاره فماذا سيكون ردها؟ يروي ابن شبة
 ( حدثنا يحيى بن سعيد الانصاري قال، حدثني عمي - أو عم لي - قال: بينما أنا عند عائشة  وعثمان  محصور، والناس مجهزون للحج إذ جاء مروان فقال: يا أم المؤمنين، إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ورحمة الله ويقول: ردي عني الناس فإني فاعل وفاعل، فلم تجبه، فانصرف وهو يتمثل ببيت الربيع بن زياد العبسي.
:وحرق قيس علي البلاد حتى.... إذا اشتعلت أجذما
 فقالت: ردوا علي هذا المتمثل ( تعني مروان )، فرددناه ( فردننا مروان عليها )، فقالت - وفي يدها غرارة لها تعالجها: والله لوددت أن صاحبك الذي جئت من عنده ( تعني به عثمان) في غرارتي هذه فأوكيت عليها فألقيتها في البحر) ( تاريخ المدينة لابن شبة  , باب خبر عثمان). فتأمل موقف عائشة من عثمان ووتمنيها موته ونهايته , وتأمل قول مروان : وحرق قيس علي البلاد ....ويعني بذلك أن عائشة لها دور كبير في تحريض الناس على عثمان فهي التي حرقت البلاد على الخليفة .
وكتب عثمان في حصاره كتبا يستنجد بأهله وعشيرته , ذكر الدينوري كتاب عثمان لمعاوية والي الشام :
(أما بعد: فإني في قوم طال فيهم مقامي، واستعجلوا القدر في، وقد خيروني بين أن يحملوني على شارف من الإبل الدحيل، وبين أن أنزع لهم رداء الله الذي كساني، وبين أن اقيدهم ممن قتلت، ومن كان على السلطان يخطئ ويصيب، فيا غوثاه يا غوثاه، ولا أمير عليكم دوني، فالعجل العجل يا معاوية! وأدرك ثم أدرك وما أراك تدرك) ( الامامة والسياسة للدينوري, باب عثمان) . وفي الكتاب نرى يأس عثمان وترقبه لنهايته  فهل أنجده معاوية ؟
بعث معاوية قائده يزيد بن أسد القسري  وقال له: (إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها ولا تقل: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فإنني أنا الشاهد وأنت الغائب، قال: فأقام بذي خشب حتى قُتل عثمان، فاستقدمه حينئذ معاوية فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان أرسل معه)( أنساب الاشراف للبلاذري, شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4)
 وهكذا انتظر معاوية خبر مقتل عثمان ولم يفعل شيئا , فقد بعث الجيش خارج المدن وأمرهم بالتوقف في منطقة ذي خشب . وقال معاوية لرسول عثمان واسمه مسور وكان قد اتى بكتاب الاستغاثة من عثمان يا مسور : (إني مصرح ان عثمان بدأ فعمل بما يحب الله ورسوله ويرضاه, ثم غير فغير الله عليه، أفيتهيأ لي أن أرد ما غير الله عزوجل)( فتوح البلدان للبلاذري ج2 ص 218  .) . وفَصَّل اليعقوبي ذلك في تاريخه فيروي (وحصر ابن عديس البلوي عثمان في داره، فناشدهم الله، ثم نشد مفاتيح الخزائن، فأتوا بها إلى طلحة بن عبيد الله، وعثمان محصور في داره، وكان أكثر من يؤلب عليه طلحة والزبير وعائشة، فكتب إلى معاوية يسأل تعجيل القدوم عليه، فتوجه إليه في اثني عشر ألفاً، ثم قال: كونوا بمكانكم في أوائل الشام، حتى آتي أمير المؤمنين لأعرف صحة أمره، فأتى عثمان، فسأله عن المدة، فقال: قد قدمت لأعرف رأيك وأعود إليهم فأجيئك بهم. قال: لا والله، ولكنك أردت أن أقتل فتقول: أنا ولي الثأر. ارجع، فجئني بالناس! فرجع، فلم يعد إليه حتى قتل.)(تاريخ اليعقوبي ج1 ص 176)
نعم كان معاوية ينتظر موت عثمان , فهو المرشح القوي الوحيد بعده من بني أمية وتحت أمرته جيوش الشام كلها وقد أحكم حكمه في البلاد , ولذلك لم يكن متحمسا لنصرة عثمان وانما كان ينتظر موته ليقيم دولته, واتخذ معاوية موت عثمان بعد ذلك حجة له للاخذ بثاره كسبيل شرعي لاعلان دولة بني أمية.
نعود الى حصار عثمان , حاصر المعارضون بيت عثمان لأكثر من شهر ,وهرب أنصاره من بني أمية الى بلاد الشام ومنهم ابن عمه وزوج ابنته مروان بن الحكم والتحقوا بمعاوية بن أبي سفيان متحينين موت عثمان ليعلنوا في الشام دولة بني أمية. يموت عثمان طعنا  من قبل المعارضين الذي تسوروا بيته, ويبقي ثلاث أيام دون أن يدفن, حتى أكلت الكلاب رجله كما يذكر الطبري في تاريخه. ولم يقرب جثته أحد من الناس خوفا من حنق المعارضة , ثم دفنه أربعة رجال من أهله في مقبرة اليهود واسم المقبرة (حش كوكب), فقد منعهم الثوار من دفنه في مقابر المسلمين. وتروي أم حكيمة أنهم لم يجدوا له تابوتا فحملوه على باب مخلوع وتقول أنها سمعت وقع رأسه على الباب عند حمله يدبدب دبا( مصادر رواية قتله عن كتاب الخلفاء للدكتور محمد الصادقي , وعن البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي, , طبقات الصحابة لابن سعد ج3 ص 55, تاريخ اليعقوبي ج2 ص 153, الكامل في التاريخ لابن الاثير  ج3 ص 76, السيرة الحلبية لدحلان ج 2 ص 85, شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد) .
ويروي ابن شبة بتفصيل فيقول  ( قال عبد الرحمن بن أزهر: لم أدخل في شيء من أمره فإني لفي بيتي إذ أتاني المنذر بن الزبير فقال: عبد الله يدعوك، فأتيته وهو قاعد إلى جنب غرارة حنطة فقال: هل لك إلى دفن عثمان رضي الله عنه فقلت: ما دخلت في شيء من أمره، وما أريد ذلك. فاحتملوه ومعهم معبد بن معمر، فانتهوا به إلى البقيع فمنعهم من دفنه جبلة بن عمرو الساعدي، فانطلقوا إلى حش كوكب، ومعهم عائشة بنت عثمان معها مصباح في حق، فصلى عليه مسور بن مخرمة الزهري، ثم حفروا له، فلما دلوه صاحت بنته عائشة، فلم يضعوا على لحده لبنا، وهالوا عليه التراب.) (تاريخ المدينة لابن شبة , باب خبر عثمان).
 بعد سنين من مقتل عثمان قام الملك الاموي معاوية بن أبي سفيان في عهده بشراء جزء من مقبرة اليهود (حش كوكب) والتي كان فيها قبر عثمان بن عفان والحق ذلك الجزء بمقابر المسلمين. أن فعل معاوية بضم قبر عثمان الى مقابر المسلمين يُجسد تفاني بنو أمية في التغطية على مثالب عثمان, فلم يترك بنو أمية مثلبة من مثالب عثمان الا سعوا في طمسها ووضعوا محلها منقبة وكأنهم يغسلون عنه مافعل .
كانت الدفعة الاخيرة لمقتل عثمان هي غدره بالوفد المصري كما تقدم ذكره , ورفض عثمان حتى النهاية أن يخلع نفسه على الرغم من الاخطاء والهفوات التي ارتكبها بحق الناس. يذكرنا هذا بتشبث الطغاة بكراسيهم ومنهم الملوك والرؤوساء العرب في عصرنا , ومن اقوال عثمان في أيامه الاخيرة أن الخلافة قدره وأن الله البسه ثوب الخلافة وليس هناك من يحق له أن ينتزعه منها فهو يقول: (والله لا أخلع قميصا ألبسنيه الله)( تاريخ الطبري, باب حصار عثمان). وفيما يلي نتفة من التاريخ تبين حال الصحابة وقتالهم ونزاعهم فيما بينهم وهي تذكيرلمن يزعم أن الصحابة كانوا في وئام دائم , روى الطبري وغيره:
(ولما أبى عثمان أن يخلع نفسه تولى طلحة والزبير حصاره والناس معهما على ذلك ، فحصروه حصرا شديدا ، ومنعوه الماء ، فأنفذ الى علي بن أبي طالب  يقول : إن طلحة والزبير قد قتلاني بالعطش ، والموت بالسلاح احسن . فخرج علي  معتمدا على يد المسور بن مخرمة الزهري حتى دخل على طلحة بن عبيدالله ، وهو جالس في داره يبري نبلا وعليه قميص هندي فلما رآه طلحة رحب به ووسع له على الوسادة . فقال له علي  :  إن عثمان قد أرسل إلي أنكم قد قتلتموه عطشا وان ذلك ليس بالحسن ، والقتل بالسلاح أحسن له ، وكنت آليت على نفسي أن لا أرد عنه أحدا بعد أهل مصر ، وأنا أحب ان تدخلوا عليه الماء حتى تروا رأيكم فيه  . فقال طلحة : لا والله لا نعمة عين له ، ولا نتركه يأكل ويشرب ! فقال علي  :  ما كنت أظن أن اكلم أحدا من قريش فيردني ، دع ما كنت فيه يا طلحة . فقال طلحة : ما كنت أنت يا علي في ذلك من شيء . فقام أمير المؤمنين علي مغضبا ، وقال :  ستعلم يابن الحضرمية  أكون في ذلك من شيء أم لا ! ثم انصرف) (  تاريخ الطبري ج4 ص 385   ، العقد الفريد لابن عبد ربه ج 2 ص 26 , تاريخ المدينة لابن شبة , باب خبر عثمان  ).
 فتأمل حال الصحابة فيما بينهم يوم مقتل عثمان, أما قول امير المؤمنين علي لطلحة : يا ابن الحضرمية ! فسيأتي تفسيره في فصل (أعداء النبي).
وفي روايات أخرى يروي الطبري  قول علي لطلحة : (أنشدك الله إلا رددت الناس عن عثمان! قال: لا والله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها.) (تاريخ الطبري  ج3 ص 2. وكذلك في مصنف ابن أبي شيبة ج8 ص684.) ,وقال الدينوري في طلحة (وكان شديداً على عثمان وأمه الصعبة بنت الحضرمي) )( المعارف لابن قتيبة ج1 ص 52)
كان الزبيربن العوام وطلحة بن عبيد الله من أشد الناس على عثمان حتى قال الشاعر حسان بن ثابت في ذلك شعرا 
من عذيري من الزبير ومن
طلحة هاجا أمرا له إعصار
بما قالا للناس دونكم  العجل
فشبت وسط المدينة نار ( نص الابيات عن كتاب المعارف للحلبي)
لنتذكر مواقف طلحة والزبير من عثمان لأننا سنرى في فصل (الامام علي) أن الزبير وطلحة أنقلبوا بعد ذلك فخرجوا على الخليفة علي بن أبي طالب بدعوى الاخذ بثار عثمان , فتأمل وزد عجباً






المؤرخون و قتلة عثمان !
حاول الكتبة وبعض المؤرخين إبهام عملية قتل الخليفة الثالث عثمان, سعيا منهم لأخفاء الجناة الذين قاموا بفعل القتل ,  وسبب ذلك يعود الى اعتبارهم أن الصحابة أهل الخير والعلم ولايخرج منهم الا الطيب ولايصح منهم فعل القتل في الخليفة الذي هو صحابي آخر  ؟  إذن القول بأن قتلة عثمان كانوا من صحابة النبي (ص)  قول لم يعجب كتبة البلاط ,ولايعجب أهل الجمهور , فكيف السبيل لسرد وقائع مقتل الخليفة ؟ إن هذا المشكل التاريخي عند القوم لم يكن له حل الا بأستحداث شخصيات وهمية أسقطوا عليها أتهاماتهم  في جريمة قتل الخليفة. وزعموا كذلك أن قتلة عثمان لم يكونوا من صحابة أهل المدينة بل هم من خارجها من أوباش الناس . لنقرأ ما كتب المؤرخون:
روى  الطبري في مقتل عثمان واللفظ له  :
(قال أبو معتمر فحدثنا الحسن أن محمد بن أبي بكر دخل عليه فأخذ بلحيته قال فقال له قد أخذت منا مأخذا وقعدت مني مقعدا ما كان أبو بكر ليقعده أو ليأخذه , قال فخرج وتركه قال ودخل عليه رجل يقال له الموت الاسود, قال فخنقه ثم خفقه قال ثم خرج فقال والله ما رأيت شيئا قط ألين من حلقه والله لقد خنقته حتى رأيت نفسه تتردد في جسده كنفس الجان قال فخرج)( تاريخ الرسل والملوك للطبري ج3 ص 415. تاريخ المدينة لابن شبة  ج4 ص 1285 باب مقتل عثمان). فمن هذا الرجل الذي أسمه الموت الاسود؟
روى السيوطي في تاريخه فقال :
(وجاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها من قتل عثمان؟ قالت لا أدري دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد ابن أبي بكر, وأخبرت علياً والناس بما صنع محمد فدعا علي محمداً فسأله عما ذكرت امرأة عثمان؟ فقال محمد: لم تكذب قد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكرني أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى والله ما قتلته ولا أمسكته فقالت امرأته صدق ولكنه أدخلهما. وأخرج ابن عساكر عن كنانة مولى صفية وغيره قالوا: قتل عثمان رجل من أهل مصر أزرق أشقر يقال له: حمار ! ((تاريخ الخلفاء للسيوطي ج1 ص 66, باب عثمان)
القاتل وفقا لرواية السيوطي أزرق أشقر واسمه حمار, ياللعجب. وقوله أخرج ابن عساكر يعني به صاحب تاريخ دمشق فالسيوطي نقل الرواية عنه.
وقال ابن خياط في تاريخه
(حدثنا عبد الأعلى بن الهيثم قال: حدثني أبي قال: قلت للحسن: أ كان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين والأنصار ؟ قال: لا، كانوا أعلاجا من أهل مصر.) ( تاريخ ابن خياط ج1 ص 132) وهكذا جعلوا موت الخليفة بيد  أعلاجا من مصر , فصار الصحابة أبرياء من دمه !
بحمد الله تعالى أن هذه الروايات لم تكن الروايات الوحيدة التي رواها المؤرخون فقد رووا نتف متفرقة من عملية قتل الخليفة في كتبهم ,ولكن أنزلوا هذه الحكايات كالموت الاسود والازرق الاشقر وغيرها محاولة منهم لتشتيت أفكار الناس, فروج كتبة البلاط هذه المزاعم و نجحت المحاولة فصارت نهاية عثمان مبهمة غير معروفة عند العوام , وصدقت الجماهير أن الخليفة الثالث عثمان قتله أوباش الناس من الاعلاج ولم يكن للصحابة يد في ذلك فمات الخليفة مظلوماً ودمه على مصحفه شاهد للتاريخ على استشهاد رجل تقي نزيه . وقيدت الحادثة ضد مجهول كما تم في عملية تسميم الخليفة الاول ابوبكر ( راجع فصل ابوبكر).  هذا الكذب على عقول الناس هو فن من فنون تضليل الجماهير وخداعها روجه كتبة البلاط ووعاظ السلاطين في سبيل الحفاظ على نظرية عدالة الصحابة التي استحدثها الامويون, فنظرية عدالة الصحابة تقول أن الصحابة كلهم عدول ولايأتي منهم سوى الخير والبركة , ولايصح أن يتقاتلوا فيما بينهم لتقواهم وزهدهم في الحياة, وضمت نظرية عدالة الصحابة جميع الذين عاصروا النبي (ص) فصاروا جميعا ملائكة الارض في طهرهم وخيرهم.. سيتبين لنا من مصادر التاريخ الاتية كذب هذا الادعاء وسيتبين  أن قتلة عثمان هم من صحابة النبي ومن أوائل المسلمين ومنهم  :
محمد بن أبي بكر بن  الخليفة الاول
قال المؤرخ ابن خياط
(وفي حديث المعتمر عن أبيه عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: دخل عليه(على عثمان) رجل من بني سدوس يقال له الموت الأسود فخنقه وخنقه قبل أن يضرب بالسيف، فقال: والله ما رأيت شيئا ألين من خناقه، لقد خنقته حتى رأيت نفسه مثل الجان تردد في جسده. وقال في غير حديث أبي سعيد: ودخل التجوبي  فأشعره مشقصا فانتضح الدم على قوله: (فسيكفيكهم الله) فإنها في المصحف ما حكت. حدثنا كهمس عن ابن أبي عروبة عن قتادة قال: الذي ولي قتل عثمان رومان رجل من بني أسد بن خزيمة، أخذ ابن أبي بكر بلحيته وذبحه رومان بمشاقص كانت معه. حدثنا أبو الحسن عن أبي زكريا العجلاني عن نافع عن ابن عمر قال: ضربه ابن أبي بكر بمشاقص في أوداجه، وبعجه سودان بن حمران بحربة. حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن طلحة قال: حدثنا كنانة مولى صفية قال: شهدت مقتل عثمان. قال: قلت: من قتله ؟ قال: رجل من أهل مصر يقال له حمار) ( تاريخ خليفة بن خياط , باب مقتل عثمان ج1 ص 130 )
تأمل طريقة السرد التاريخي, فهو يذكر أن ابن أبي بكر ضربه بمشاقص في أوداجه وبعجه الاخر بحربة, ثم لايلبث أن يلصق أن قاتله من أهل مصر يقال له حمار وفي بداية النص أن رجل يقال له الموت الاسود خنقه. مايهمنا هو التصريح بأسم محمد بن أبي بكر ابن الخليفة الاول , فهذا نص مهم يوثق لنا دور محمد بن أبي بكر في قتل الخليفة عثمان, أما الموت الاسود والذي أسمه حمار والتجوبي ففن من فنون تضليل الجماهير وتشتيت فكرها عن الحقائق, فلينتفع به أهل الخيال.
قال ابن سعد (فجاء محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلا حتى انتهى إلى عثمان فأخذ بلحيته فقال بها حتى سمع وقع أضراسه فقال: ما أغنى معاوية، ما أغنى عنك بن عامر، ما أغنت كتبك، فقال: أرسل لي لحيتي يا بن أخي، أرسل لي لحيتي يا بن أخي، قال: فأنا رأيت استعداء رجل من القوم يعينه فقام إليه بمشقص حتى وجأ به في رأسه، قال ثم قلت: ثم مه؟ قال: ثم تغاووا والله عليه حتى قتلوه، رحمه الله.) ( طبقات الصحابة لابن سعد ج3 ص72)
وقال ابن شبة (عن الحسن قال، حدثني بواب عثمان: أن محمد بن أبي بكر، وجأ عثمان بمشاقص في أوداجه.)( تاريخ المدينة لابن شبة ج2 ص 324 , مقتل عثمان)
تم أغتيال الصحابي محمد بن أبي بكر في عهد معاوية ابن أبي سفيان أنتقاما لقتله عثمانا وسيأتينا ذكر الرواية في فصل ( الملك معاوية), واغتيال محمد بن أبي بكر برهان على شركه في قتل عثمان!



عبد الرحمن بن عديس البلوي
من صحابة النبي (ص) شهد الحديبية, وهو ممن بايع النبي في بيعة الرضوان.كان رئيس وفد مصر الى عثمان , روى ابن شبة: (حدثنا يزيد بن أبي حبيب قال: كان الركب الذين ساروا إلى عثمان فقتلوه من أهل مصر ستمائة رجل، وكان عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكان ممن بايع رسول الله (ص) تحت الشجرة) ( تاريخ المدينة لابن شبة , باب خبر عثمان) , وقال ابن سعد (عبد الرحمن بن عديس البلوي، من صحب النبي (ص) وسمع منه، وكان فيمن رحل إلى عثمان حين حصر حتى قتل، وكان رأسا فيهم) (ترجمة بن عديس البلوي كما في الطبقات لابن سعد ج7 , الاستيعاب لابن عبد البر في  ج1 ,.)
في عهد الملك معاوية تم أغتيال الصحابي عبد الرحمن بن عديس إنتقاما لاشتراكه في قتل عثمان, فقد كان معاوية يطارد قتلة عثمان ثأرا لابن عشيرته الخليفة عثمان , فيروي الاصبهاني (عبد الرحمن بن عديس البلوي كان ممن بايع تحت الشجرة ، قتل زمن معاوية بجبل الخليل ، قيل : إنه كان فيمن سار إلى عثمان ، سكن مصر) (معرفة الصحابة  لابي نعيم الاصبهاني ج13 ص191 , ترجمة بن عديس البلوي)
عبد الله بن بديل الخزاعي
روى العسقلاني (عبد الله بن بديل: بن ورقاء الخزاعي تقدم ذكر أبيه ونسبه. قال الطبري وغيره: أسلم يوم الفتح مع أبيه وشهد حنينا والطائف وتبوك) ( الاصابة للعسقلاني ج2 ص 105)
روى الذهبي كذلك : ( عبد الله بن بديل بن ورقاء بن عبد العزى الخزاعي، كنيته أبو عمرو. روى البخاري في  تاريخه  أنه ممن دخل على عثمان، فطعن عثمان في ودجه، وعلا التنوخي عثمان بالسيف، فأخذهم معاوية فقتلهم.) ( تاريخ الاسلام للذهبي ج1 ص472)
وفصل البلاذري عملية القتل  : (عن ابن سيرين قال: جاء ابن بديل إلى عثمان، وكان بينهما شحناء، ومعه السيف وهو يقول: لأقتلنه، فقالت له جارية عثمان: لأنت أهون على الله من ذاك، فدخل على عثمان فضربه ضربةً لا أدري ما أخذت منه) ( انساب الاشراف للبلاذري ج2 ص 296)
عمرو بن الحمق الخزاعي
روى ابن سعد بلفظه :(عمرو بن الحمق ابن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن رزاح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو من خزاعة. صحب النبي (ص) ونزل الكوفة وشهد مع علي رضي الله عنه، مشاهده. وكان فيمن سار إلى عثمان وأعان على قتله، ثم قتله عبد الرحمن بن أم الحكم بالجزيرة.) ( الطبقات لابن سعد ج6 ص 25,  الاستيعاب لابن عبد البر ج1 ترجمة عمرو بن الحمق)
وفصل ابن شبة : (عن عيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان قال: دخل عليه محمد بن أبي بكر بشريان كان معه فضربه في حشائه حتى وقعت في أوداجه فخر، وضرب كنانة بن بشر جبهته بعمود، وضربه أسودان بن حمران بالسيف، وقعد عمرو بن الحمق على صدره فطعنه تسع طعنات. وقال علمت أنه مات في الثالثة فطعنته ستا لما كان في قلبي عليه) ( تاريخ المدينة لابن شبة , باب خبر عثمان)
ولدوره في قتل عثمان قتله معاوية أيام حكمه وطيف برأسه في البلاد, وكان أول رأس يحمل في الاسلام , روى ابن عبد البر فيه :( صحب النبي  وحفظ عنه أحاديث، وسكن الشام، ثم انتقل إلى الكوفة فسكنها. وروى عنه جبير بن نفير ورفاعة بن شداد وغيرهما. وكان ممن سار إلى عثمان. وهو أحد الأربعة الذين دخلوا عليه الدار فيما ذكروا ثم صار من شيعة علي رضي الله عنه، وشهد معه مشاهده كلها: الجمل، والنهروان، وصفين، وأعان حجر بن عدي، ثم هرب في زمن زياد إلى الموصل، ودخل غاراً فنهشته حية فقتلته، فبعث إلى الغار في طلبه، فوجد ميتاً، فأخذ عامل الموصل رأسه، وحمله إلى زياد فبعث به زياد إلى معاوية، وكان أول رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد. وكانت وفاة عمرو بن الحمق الخزاعي سنة خمسين. وقيل: بل قتله عبد الرحمن بن عثمان الثقفي عم عبد الرحمن بن أم الحكم سنة خمسين ) ( الاستيعاب لابن عبد البر ج1 ص 363 , ترجمة عمرو بن الحمق)
هؤلاء أربعة شهد المؤرخون في دورهم في عملية قتل الخليفة عثمان , وتبين من مصادر التاريخ وكتب التراجم أنهم من صحابة النبي , فلايقول قائل أن قتلة عثمان من العلوج وأباش الناس ولاقيمة لذكر اسماء خيالية كالتجوبي والازرق وحمار وغيرها, بل هم من صحابة النبي وممن بايعوه (ص) على الموت تحت الشجرة في بيعة الرضوان تلك البيعة التي تخلف عنها عثمان




بنات النبي وعثمان
لقد سعى الامويون بكل ما استطاعوا في تحسين صورة عثمان بن عفان الاموي ومن ضمن تلك التحسينات هو حصول عثمان على لقب ذو النورين لأنه متزوج من أثنتين من بنات النبي كما يزعم بعض المؤرخين , لنرى صدق هذه الدعوة!
يقول المؤرخون أن الخليفة الثالث عثمان بن عفان بن أبي العاص الاموي كان قد تزوج باثنتين من بنات النبي محمد (ص)! الاولى هي رقية والثانية هي أم كلثوم, وإن كانت الروايات التي تذكر زواجه من بنات النبي مضطربة اضطرابا عجيبا في تواريخها وأسماء شخوصها, وهناك من يقول بعدم زواج عثمان من بنات محمد (ص) , حيث تثبت بعض الدراسات أن اللتين تزوجهما عثمان كانتا ربيبتا الرسول محمد (ص) أي بنات نشأن في بيت الرسول, والعرب تطلق اسم البنت على الربيية وكذلك على الولد بالتبني. وترجح بعض الدراسات أن بنات محمد ماعدا فاطمة هن لسن بناته وانما هن ربيبات زوجته خديجة بنت خويلد , فهن في الحقيقة بنات زوج أخت خديجة ,واخت خديجة اسمها هالة بنت خويلد , وقد مات زوج هالة فنشأن البنات في بيت هالة و في كنف خديجة حتى تزوجها الرسول وصرن ربيبات النبي محمد(ص) , وسيأتي ذكر تفصيل هذا في نهاية المقال. وسنسلم جدلا بزواج عثمان بن عفان من بنات النبي (ص) لنرى هل له في ذلك شرفا كما يقول مادحوه؟  سمي عثمان بذي النورين لانه تزوج باثنتين من بنات النبي كما قيل, ولاندري لماذا لم يسمى علي بن أبي طالب ذو النور !فزوجة علي هي فاطمة سيدة نساء العالمين باتفاق كل الفرق, وليس كذلك فهي انجبت  سيدا شباب اهل الجنة باتفاق الفرق ايضاً ولم يكن لعثمان أولاد من رقية أو من أم كلثوم, فلماذا نال عثمان اللقب وحُرم منه علي بن أبي طالب ؟ أن لقب ذو النورين هو لتبيض صفحة عثمان بن عفان ولقارئ التاريخ أن يرى ما كان في عهد عثمان وماصار من بعده من فتن وحروب كان هو سببا من أسبابها, لذلك صار اللقب حصانة له ضد النقد واللوم. مر بنا في باب (عثمان يأوي الجاسوس القرشي) التباس المؤرخين بين رقية وبين أم كلثوم وتبين أن أقرب الحلول لتجنب التناقض في الكتابات التاريخية هو التسليم بأن عثمان تزوج من رقية ثم تزوج من بعدها بأختها زينب أرملة أبي العاص, ولم يكن هناك شخصية لسيدة أسمها أم كلثوم , فأم كلثوم أختراع أموي لرفع مكانة عثمان عند الناس فاخترع المدلسون  للنبي فتاة سمَّوها أم كلثوم وجعلوها عذراء تزوجت في الجاهلية ولكن لم يدخل بها زوجها فظلت عذراء بلا زوج في بيئة العرب تلك,وكأن المجتمع خلا من رجل طامع في شرف الصهورة مع النبي فأحجم المسلمون عن التقدم الى أبنة خاتم الانبياء فبقيت المسكينة أم كلثوم تعاني العنوسة والوحدة على الرغم من شبابها وجمالها وشرف عائلتها,  ثم يطرق السعد بابها بعد وفاة  أختها رقية, فيتزوجها الشيخ عثمان بن عفان. إن قصة زواج أم كلثوم من عثمان وانتظارها خمسة عشر عاماً لذلك قصة لاوقع لها عند كل ذي لب , لكن المؤرخين كتبوها ووقعوا في تناقضات كثيرة بين شخصية أم كلثوم الخيالية وبين رقية وبين زينب ومر بنا شئ من ذلك في باب ( عثمان يأوي الجاسوس القرشي).
 قبل الخوض في هذا الموضوع لابد لنا من تذكر أن الزواج لايدل على مكانة الزوج أو الزوجة ولايرفع من شأن أحدهما إن كان الاخر شريف المنشأ وبالعكس كذلك , فزوجة الطاغية فرعون مصر هي أسية بنت مزاحم وهي التي جعلها الله من سيدات نساء العالمين , كانت مؤمنة  لكن زوجها الظالم فرعون كان كافرا, فلم يكن الزواج من فرعون نقيصة لها ولم ينال فرعون رحمة بأقترانه بها فمات كافرا مخلدا في النار, وبشرها الله تعالى بالجنة. وكذلك يذكرنا القران الكريم بالنبي لوط الذي كان متزوجا بكافرة لم يفرقهما الا الموت , فلم تتشرف زوجة لوط الكافرة بزواجها من نبي الله وكذلك لم يكن للنبي لوط عار في زواجه منها. وكذلك نقرأ في القران عن النبي نوح وزوجته الكافرة وابنه الكافر, فلما ينالا رحمة الله بقرابتهما من نبي الله نوح وكذلك لم تكن منقصة للنبي نوح أن يقترن بأمرأة كافرة. ومثل هذا كثير قد حصل لأنبياء الله كلهم , فليس هناك أية رفعة لعثمان بزواجه من بنت الرسول محمد(ص) , فهو لم يتشرف بكلام للنبي محمد بشأن زواجه كما تشرف الامام علي بن أبي طالب بزواجه من ابنة النبي , حيث يقول النبي (ص) عندما أعلن زواج علي بن أبي طالب بفاطمة قولته المشهورة : ( زوجت خير النساء لخير الرجال , زوجت فاطمة لعلي) ومسند الحديث أشهر من أن تكتب مصادره ومراجعه. وكذلك يبين النبي (ص) في موقف أخر أن زواج فاطمة من علي لم يكن الا بأمر الله تعالى , فقد أمره الملاك جبرائيل بهذا الزواج المقدس الذي أثمر عترة ال الرسول والدوحة المحمدية حيث يقول ( إنّما أنا بشر مثلكم أتزوّج فيكم وأزوّجكم إلاّ فاطمة فإنّه نزل تزويجها من السماء ) (النص عن كتاب مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي, باب فضل فاطمة) , فلا تجد مثل هذا في زواج عثمان من بنت الرسول. ولكن الدعاية الاموية طبلت لهذا الامر حتى حسب عوام الناس أن في ذلك شرفا وفضلا, وتولدت نتيجة لذلك نظرية شرف الزواج عند كتبة التاريخ والمحققين,  ووفقا لهذه النظرية التي تخالف نصوص القرآن, تشرفت عائشة  بزواجها من النبي محمد(ص) وتشرف أبوها أبوبكر كذلك وكل عائلتها, وتشرفت حفصة بنت عمربن الخطاب بزواجها من النبي (ص) وتشرف أبوها كذلك , ونال القوم حصانة ضد كل نقد وتجريح  بعقد الزواج.  لقد نزل قرانا في زوجتي الرسول عائشة وحفصة كما في سورة التحريم : ( أن تتوبا فقد صغت قلوبكما وأن تظاهرا عليه فأن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) ( سورةالتحريم4),  لاحظ ان الاية بصيغة المثنى فهي تعني عائشة وحفصة وتحمل الاية تهديدا مخيفا مرعبا, مبينة أن الزواج من النبي لايبيض من صفحة الزوجة ,إنما يبيض صفحتها عملها وتقواها وصالح أمرها, وهي الامور التي تثقل ميزانها يوم الحساب .ثم تضرب الاية مثلا اخر في نهاية السورة يتعلق بالاية رقم 4, فتقول الاية الكريمة (  ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) (التحريم 10). فزوجة النبي نوح وزوجة النبي لوط من أهل النار ولم تتشرفا بالرحمة والمغفرة في الدنيا والاخرة بشرف زواجهما من نبيين, وتضرب الاية  مثلا اخرا يخص امرأة فرعون المؤمنة التي كانت متزوجة من فرعون الكافر( وضرب الله مثلا للذين امنوا امرأة فرعون اذ قالت ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ) (التحريم 11), فعلام يظن الناس أن عثمان من المعصومين المحصنين بزواجه من بنات محمد؟ ولمن أراد تفصيل سورة التحريم  فليراجعها في كتب التفسير.
إن عوام الناس لاتعينهم التفاصيل ولا مداخلات الامور لأنهم يهتمون بالظاهر وهو مانراه في حياتنا اليومية, فما أسهل خداع الجماهير بدعاية براقة جذابة يصنعها الحكام الظلمة , ولايكشف الناس خطأ أفكارهم الا بعد مرور الزمن وبعد تمحيص تلك الخدع من قبل الحكماء والمحققين , وللاسف لن يغير ذلك من الواقع شيئا فالناس تميل نحو التبسيط وظواهر الأمور. ولذلك كان لأمر زواج عثمان من بنات الرسول تأثيرا بالغا في عقول المتعصبين وانصاف المتعلمين. فهذا القران يذكرهم في سورة التحريم بذلك ويبين لهم مفهوما قرانيا فيه أن الاقتران الزوجي لايرفع ولايحط من شأن الزوجين , لكن القوم لايأبهوا. فصار لقب ذو النورين لعثمان حصانة تقيه الحساب واللوم وربح الامويون بذلك, وانطلت الخدعة على بسطاء الناس . وكما نجح   معاوية بن أبي سفيان الاموي في عهده بتحويل قبر عثمان بن عفان من مقبرة اليهود (حش كوكب) حيث أضاف تلك المساحة من المقبرة الى مقابر المسلمين  ومحا سبب مقتله من ذاكرة الجماهير , ثم سمى وعاظ السلاطين ما حدث بالفتنة وغلفوها بالتعقيدات حتى يمتنع الناس عن الخوض فيها , كذلك ذكّر معاوية وبنو أمية  الناس بشرف زواج عثمان من بنات النبي واخترعوا له لقب ذو النورين.
من المفيد ذكر عدم حصول زواج عثمان من بنات النبي  حقا , حيث يرجح المحققون أن عثمان كان قد تزوج بربيبات النبي ولسن ببناته  .
 في البداية لاتجد نصوص التاريخ تظهر فضل عثمان بتزوجه بنات النبي ولو كان ذلك لصرح هو بذلك قبل مقتله أثناء حصاره وهو يخاطب الثوار , ولفعل كذلك مناصروه الذين كانوا في بيته وحول بيته اثناء جدالهم في أفضلية عثمان وتقواه, كأن يقولوا للناس الله الله في ختن الرسول ! فلم تجد أحدهم ذكر ذلك في دفاعه عن عثمان مما يدل على أن لقب ذو النورين ظهر بعد ذلك أثناء حكم بني امية . ولاتوجد رواية واحدة تذكر أن النبي قد سماه بصهره بينما هناك احاديث مسندة يخاطب فيها النبي علي بن أبي طالب ويسميه بالصهر لأن عليا هو زوج فاطمة ابنة النبي (ص), فلماذا لم توجد رواية تؤكد علاقة الصهورة بين عثمان والنبي (ص)؟  السبب كما يقول المحققون أن عثمان لم يكن صهرا للنبي وقد يكون اكتسب لقب الصهر لكونه تزوج من ربيبات النبي ولسن من بناته! كما أن هناك احاديث كثيرة يخاطب فيها النبي محمد (ص) ابنته فاطمة ويذكرها بالاسم ولاتجد حديثا يتحدث أو يذكر بنات النبي الاخريات اللاتي ذكرهن المؤرخين وهن زينب ورقية وأم كلثوم. فمثلا يذكر شارح صحيح البخاري : (حدثنا أبو اليمان اخبرنا شعيب عن الزهري قال اخبرني سعيد بن المسيب وابو سلمة بن عبد الرحمن أن ابا هريرة قال : قام رسول الله حين انزل الله عزوجل ( وانذر عشيرتك الاقربين) قال يامعشر قريش اشتروا انفسكم لا اغني عنكم من الله شيئا يا بني عبد مناف لا اغني عنكم من الله شيئا ياعباس بن عبد المطلب لا اغني عنك من الله شيئا ويا صفية عمة رسول الله لا اغني عنكم من الله شيئا ويافاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا اغني عنك من الله شيئا.)( انتهى الحديث ) ومثل هذا الحديث بنصوص مختلفة ومعنى واحد مع ذكر اسم فاطمة بالاسم ذكره مسلم في صحيحه باب الايمان, احمد بن حنبل في مسنده الجزء الثاني, الدارمي في سننه باب الرقاق. والسؤال هنا لماذا يذكر النبي فاطمة فقط؟ حتى ولو كانت احب البنات اليه فأن هذا ليس دليلا على اهمال ذكر الاخريات من بناته فهن ثلاث غير فاطمة كما يقولون فما المانع من ذكر اسمائهن؟ والنبي عادل رحيم لايفرق بين احدا من الناس فلماذا اهمل باقي البنات وذكر فاطمة فقط. وهناك احاديث اخرى مثل الحديث الذي يقول : لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. فلماذا لايذكر النبي اسماء باقي بناته؟ كأن يقول لو أن زينب بنت محمد سرقت لقطعت يدها علما أن زينب ورقية أكبر في السن من فاطمة ؟ يقول المحققون إن هذا دليل على أن فاطمة هي الابنة الوحيدة للنبي وهو رأي قابل للجدال ولم نأت به تحمساً لصحته ولكن أتينا به للفائدة.
لنتأمل صدق هذه الدعوى في بعض النصوص : كتب البخاري: (عن نافع أن رجلا أتى ابن عمر يسأله في أمر عثمان وعلي بعد الفتنة-ويعاتب ذلك الرجل ابن عمر على عدم دخوله في الطوائف المتحاربة ثم يستأنف الرجل ويقول لابن عمر-: فما قولك في علي وعثمان؟ قال ابن عمر الخطاب معللا حجته: أما عثمان فكان الله عفا عنه, وأما أنتم فكرهتم أن تعفو عنه, وأما علي فابن عم رسول الله وختنه وأشار بيده وقال هذا بيته حيث ترون.) (صحيح البخاري ج5 ص 157)
 ابن عمر في الحديث أعلاه  يدافع عن عثمان وعن علي في مشكلة الفتنة والقتال الذي حصل بين المسلمين, وكان يعدد خصال عثمان الطيبة وخصال علي الطيبة لتبيان حقيقة حجته في عدم نصرة أي منهما, وذكر فيما ذكر أن عليا بن أبي طالب كان ختن الرسول والختن هو زوج البنت أي أن عليا هو زوج فاطمة بنت محمد وذلك شرف ورفعة نالها علي بأن أصبح ختن الرسول محمد. فلماذا لم يقل ابن عمر أن عثمان ختن الرسول أيضا ؟ الحقيقة أنه لم يقل ذلك كما تروي هذه الرواية المسندة لانه لم يكن لعثمان ذلك الشرف. هو حقا تزوج من رقية وبعد وفاتها تزوج أختها كما تروي الروايات, ولكن لماذا لم يذكر ذلك ابن عمر ؟ السبب كما يقول بعض المحققين هو أن رقية وزينب والاخرى أم كلثوم التي زعموا أنها من بناته أيضاً, لسن بنات النبي محمد !
إن تضارب الروايات التاريخية في عمر السيدة خديجة زوجة النبي و أم بناته كما يقولون, هو الذي أوجد المداخلات الكثيرة في نسب البنات. فعمر السيدة خديجة عند زواجها من النبي ليس ثابتا, فهي حينا عذراء عمرها 28 سنة, وتارة أرملة كانت قد تزوجت مرتين قبل اقترانها بالنبي حينا أخر. يقول أحد المؤرخين أنه كان لها ولد اسمه هند بينما يرجح الاخر أن لها بنتا قبل زواجها من محمد واسم البنت هند ايضا! فيا للعجب.  أما عند زواجها من النبي وهي في الاربعينات من عمرها فانها تلد ستة مرات وهي حالة تدعو للتساؤل فلماذا تلد ستة مرات في كبرها بينما لم تلد سوى مرة واحدة في كلتي زواجيها السابقين؟. وتذكر الروايات أنه كان قد خطبها وجهاء مكة أكثر من مرة وكانت ترفض الزواج ولاندري لماذا يطمع اغنياء القوم ووجهائهم في سيدة أرملة كانت قد تزوجت مرتين قبلا وعمرها قد تجاوز الاربعين؟ وهو دليل يتخذه المحققون على أنها كانت صغيرة السن وغير أرملة ولهذا طلبها القوم , وهو قول يجعلنا نقف في حيرى أمام النصوص ويرينا هذا تضارب الروايات واضطرابها. إن سبب أصرار بعض المؤرخين على ان السيدة خديجة كانت أرملة عند زواجها من النبي محمد (ص) لم يكن إلا أنقاصاَ وتشويها لشخصيتها , فلم يترك أعداء النبي من المسلمين المحرفين بابا في تشويه النبي وآل بيته إلا وطرقوه ,  وهذا سبب من أسباب تضارب الروايات في عمر السيدة خديجة , فقد أراد خصوم النبي (ص) أن يجلعوا زوجة النبي أرملة كبيرة السن . أن تقدم وجهاء مكة وأغنياءهم للزواج من خديجة يبين أنها كانت سيدة عذراء لم تتزوج من قبل ويبين كذلك أنها كانت صغيرة السن وليست أرملة على اعتاب الخمسين كما زعموا.
الجانب الاخر من التضارب في الروايات التاريخية هو أن بنات النبي ولدن قبل بعثته , وكن عند مبعثه صغيرات ولكن هناك روايات تقول أن زينب ورقية والثالثة أم كلثوم كن  قد تزوجن بكفار, حيث تزوجت زينب من العاص بن الربيع وتزوجت رقية عتبة بن أبو لهب وتزوجت أم كلثوم الصغيرة بعتيبة بن أبولهب, وهذا يعني أنهن ولدن قبل بعثة النبي , وبحساب بسيط يتبين لنا أن البنات تزوجن قبل البعثة ولأحداهن خمس سنوات وهي حقيقة لايقبلها المنطق . 
 يذكر المؤرخ المقدسي عن سعيد بن أبي عروة، عن قتادة، قال: ولدت خديجة لمحمد (ص): عبد مناف في الجاهلية، وولدت له في الإسلام غلامين، وأربع بنات:القاسم، وبه كان يكنى: أبا القاسم، فعاش حتى مشى، ثم مات، وعبد الله، مات صغيراً. وأم كلثوم. وزينب. ورقية وفاطمة ( النص عن كتاب بنات النبي أم ربائبه للعلامة مرتضى العاملي ونقله عن البدء والتاريخ للمؤرخ المقدسي ج 5 ص 16 وج4 ص 139.) وهذا دليل يختلف عما أوردنا, فهنا البنات ولدن في الاسلام وليس في الجاهلية , فكم كان عمرهن حينما تزوجن ؟ وهناك من يقول أن خديجة تزوجت النبي قبل البعثة بخمس سنوات ويعني هذا أن البنات كان عمرهن أقل من خمس سنوات حين تزوجن , فيا للعجب؟ ويقول المؤرخ المقدسي أيضا (فزّوج رسول الله  رقية عثمان بن عفان، وهاجرت معه في الهجرتين إلى الحبشة وأسقطت في الهجرة والأولى علقه في السفينة  )( البدء والتاريخ: ج 5 ص 17 ,تهذيب تاريخ دمشق: ج 1 ص 298 ) ويعلق المحقق مرتضى العاملي على هذه الحقيقة بقوله : ( كيف نصدق هذا، ونحن نعلم أن الهجرة الأولى إلى الحبشة كانت بعد البعثة بخمس سنين، فكيف تكون رقية قد تزوجت قبل البعثة بابن أبي لهب، ثم فارقها ليتزوجها عثمان، ثم تحمل منه قبل الهجرة إلى الحبشة، وهي إنما ولدت بعد البعثة؟!) ( انتهى كلام السيد المحقق مرتضى العاملي من كتابه بنات النبي أم ربائبه).  ووفقا لهذا يبدو أن رقية ولدت في الاسلام , والهجرة الى الحبشة كانت خمس سنوات بعد البعثة أي أن عمر رقية كان خمس سنوات, فكيف لصبية عمرها خمس سنوات تتزوج من ابن ابولهب ثم تطلق ثم يتزوجها عثمان وتحمل منه وتسقط حملها ( تجهض) في سفينة الهجرة الى الحبشة وهي لم تتجاوز الخمس سنوات!!! ويزيد القصة اضطرابا أن رقية توفيت في السنة الثانية للهجرة كما يروي ابن سعد في كتابه طبقات الصحابة فتأمل. يقول بعض المؤرخين أنه بعد وفاة رقية يتزوج عثمان في السنة الثالثة للهجرة من اختها أم كلثوم ولم تنجب لعثمان نسلا ثم تموت في السنة التاسعة للهجرة ( طبقات بن سعد و البداية والنهاية لابن كثير) ,وقد مر بنا ذلك .
 يكاد يتفق المؤرخون على أن الذين اسلموا في بداية الدعوة هم خديجة  وعلي بن أبي طالب وهما كانا يعيشان في بيت النبي ولانجد ذكرا لبنات النبي!! ويتفق المؤرخون  أن فاطمة لم تكن قد ولدت بعد ولهذا لم يذكر اسلامها,  فما بال المؤرخين لايذكرون باقي بنات النبي واسلامهن وهن ولدن قبل فاطمة ولم يكن صغيرات أيام بعثة الرسول . أليس ألاولى أن يقال أن الذين اسلموا أولا هم خديجة وبناتها وعلي بن أبي طالب, فعدم ذكر اسلام البنات يرجح أنهن لسن بناته !
ذهب العلامة  مرتضى العاملي إلى أن زينب ورقية وأم كلثوم لم يكن بنات النبي وإنما ربيباته,  وحقا تزوجت أثنتان منهم بعثمان , ويستأنف قائلا أنه كان لمحمد بنات من خديجة توفين وهن صغيرات وكان لهن نفس أسماء الربيبات, فهناك زينب الربيبة التي تزوجت من العاص بن الربيع وهناك زينب الصغيرة بنت محمد ماتت وهي صغيرة, وكذلك الحال لرقية التي تزوجت من عتبة بن أبو لهب واخرى أسمها رقية أيضا هي بنت محمد حقا ولكن ماتت وهي صغيرة. وكذلك الحال بالنسبة لأم كلثوم.
 ونقول إن بنات محمد (ص) التي توفين وهن صغيرات حملن نفس أسماء الربيبات حبا لهن , ونشاهد مثل هذا كثيرا في واقعنا فمثلا يسمى المولود على اسم عمه أو ابن اخيه حبا له وتسمى البنت بأسم عمتها أو ربيبتها  كذلك. فتشابه الاسماء أدى الى التباس المؤرخين في توضيح المسألة وفاتهم أن زينب بنت محمد هي ليست زينب التي تزوجت من العاص بن الربيع , وفاتهم أيضا أن رقية التي تزوجت من عتبة بن أبو لهب هي غير رقية الصغيرة بنت محمد التي ماتت وهي صغيرة وكذلك الحال بالنسبة لأم كلثوم , فتشابه الاسماء اورد هذا الالتباس وزاد المسألة تعقيدا الاضطراب الزمني في الروايات. ونقول كذلك أن  فقدان النبي (ص) لأبناءه وهم صغار حقيقة أجمع عليها المؤرخين فقد كان كفار قريش يسمون النبي (ص) بالأبتر لموت أطفاله وهم صغار وأنزل في ذلك قرآن كما في سورة الكوثر, فليس غريباً أن يكون للنبي بنات من خديجة أسمائهن زينب ورقية وأم كلثوم ولكنهن قضين وهن صغار , وكانت أسمائهن على أسماء ربيبات النبي  البالغات بنات زوج هالة أخت خديجة, وأطلق النبي وخديجة  أسماء الربيبات البالغات على أسماء البنات الصغيرات تحبباً للربيبات.
 إن تضارب الروايات أوجد منفذا لمن أراد الدس والتدليس في التاريخ ,ولكن الادلة العقلية  تفضح تلك الالتباسات وتبينها.
 ومهما قيل في هذا يبقى القول الاول والاخير للقران الكريم الذي نقرأ فيه  سورة كاملة وهي سورة التحريم تبين للناس أن المصاهرة الزوجية لاترفع من شأن الرجل أو المرأة ولاتنزل . فلقب ذو النورين الذين ألصقه الناس بعثمان لايشفع له فيما عمل واستحدث من بدع ,فالنبي الكريم يبين في حديثه (ص) : لا اغني عنك من الله شيئا. والاعمال بخواتيمها كما يقول في حديث اخر ,واذن فلقب ذو النورين لايرفع من شأن عثمان,  ولن يبرأ الزواج عثمانا بما فعل بالناس وبأموالهم وبما فعل بخيرة أصحاب محمد (ص). فلا شرف ولارفعة بالزواج, هذا إذا سلمنا بأن عثمان تزوج حقا من بنات النبي (ص). أما إذا لم يتزوج كما يقول بعض المحققين فالنتيجة عينها لم تتغير , ولن يمسح زواج عثمان عنه الخطايا والبلايا.


انتهى الفصل ويليه  فصل الامام علي بن أبي طالب
http://marwan1433.blogspot.ca/2013/08/7_8.html